محددات المشاركة السياسية في الجزائر

بقلم الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام

تطرح العديد من التساؤلات في كل منعطف إنتخابي بخصوص المشاركة السياسية في الجزائر، في ‏ظل الخزان الإنتخابي الذي تزخر به، والمكون من 23 مليون ناخب حسب إحصائيات السلطة ‏الوطنية المستقلة للإنتخابات سنة 2023، ويطرح هذا التساؤل في هذه الفترة خصوصا مع إقتراب ‏موعد الإستحقاقات الرئاسية الإستثنائية في 07 سبتمبر 2024، ومع الإشكال الذي طرح مع ‏إنتخابات ديسمبر 2019 في ظل تسجيل وعاء إنتخابي مكون من 24 مليون ناخب، مع إجمالي ‏أصوات معبر عنها بلغ 08 ملايين صوت فقط، مع نسبة مشاركة عامة قدرت بـ39.88‏‎%‎، تعيد ‏ظاهرة العزوف الإنتخابي فرض نفسها على الساحة السياسية والإعلامية.‏

تبقى نسبة المشاركة السياسية القيمة المعبرة عن شرعية الإنتخابات ودرجة الإقتناع بمحتوى ‏برامجها، وضعف المشاركة هذا يجد تفسيره أحياناً في ضعف التأطير من طرف مؤسسات المشاركة ‏السياسية، إنطلاقا من الدولة مروراً بالأحزاب السياسية التي من المفترض أن تقوم وإضافة إلى عمليات ‏تأطير المرشحين وتكوينهم، بغرس قيم التنشئة والثقافة والمشاركة السياسية، ناهيك عن أدوار باقي ‏تنظيمات المجتمع المدني، ومنه ترسيخ عامل الثقافة السياسية في المجتمع كمرتكز لتقوية الجبهة ‏الداخلية.‏

المشاركة السياسية هي الوسيلة التي يتمكن بها الفرد من التأثير في القرارات المتعلقة بحياته ‏وبالسياسات والبرامج التنموية، فهي الأنشطة الإرادية التي يشارك بمقتضاها الناخبون في إختيار من ‏يمثلهم، وفي صياغة المجال السياسي وصناعة السياسة العامة. تقوم مؤسسات التنئشة بإعداد الفرد ‏سياسيا لمشاركة في الإستحقاقات، ومنه توطين روح المواطنة لدى الفرد بغرس قيم الثقافة والتراث ‏والحضارة التي تنسحب آثارها إلى تعزيز ولائهم، ويمكن قياس هذا الأثر من خلال الإستحقاقات ‏الإنتخابية أو الإستفتاءات أو إتخاذ مواقف سياسية من خلال التظاهر أو التجمهر أو الإنخراط في ‏الأحزاب السياسية أو العمل الجمعوي.‏

إن رفع نسب المشاركة السياسية في الإنتخابات يرتبط بعدة محددات، وتجدر الإشارة إلى أن ‏الدستور حدد أربعة أنواع من الإنتخابات في الجزائر هي: الإنتخابات الرئاسية، الإنتخابات ‏التشريعية، إنتخابات التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة، الإنتخابات المحلية، وبإستثناء إنتخابات ‏التجديد النصفي التي يتشكل فيها الناخبون والمنتخَبون من بين ومن طرف أعضاء المجالس الشعبية ‏البلدية والولائية، تبقى نسب المشاركة السياسية في الانتخابات المتبقية ثابتة وضعيفة نوعا ما، إذ لا ‏تتجاوز نسبة 40‏‎%‎‏ في حال ما نظرنا إلى إحصائيات السلطة الوطنية المستقلة للإنتخابات منذ ‏رئاسيات 2019.‏

تتحكم في رفع نسب المشاركة السياسية في الجزائر عدة محددات وجب التركيز عليها عند كل ‏منعطف إنتخابي، وعند كل إصلاح سياسي أو إقتصادي:‏

المحددات السياسية؛

المحددات الإقتصادية؛

المحددات الإجتماعية؛

المحددات الثقافية.‏

ترتبط المحددات السياسية بالمجال السياسي العام ومدى مرونة العملية السياسية، ويجسد هذا ‏العنصر قانون الإنتخابات الذي يجب أن يركز في فحواه على عامل أخلقة العملية الإنتخابية، مع ‏الحرص على فتح فرص الترشح، وتجسيد العدالة في توزيع المقاعد، توسيع مستويات التمثيل في الدوائر ‏الانتخابية دون إهمال مناطق عن الأخرى، تجسيد مبدأ الكفاءة والنزاهة في الترشح، وضرورة تضمين ‏الخطابات السياسية في الحملات الإنتخابية ببرامج تعالج واقع الوضع الاجتماعي للناخب، وإلزام ‏المنتَخبين بتجسيد وعودهم بعد الانتخابات.‏

وتشكل أيضا المحددات الاقتصادية أحد العوامل المؤثرة في نسب المشاركة السياسية، إذ ترتبط ‏ظاهرة البطالة لدى فئة الشباب وتدني المستوى المعيشي وتراجع القدرة الشرائية وغيرها، برفع معدلات ‏المشاركة السياسية أو خفضها، من منطلق علاقة طردية تفيد بأن تحسن الوضع الإقتصادي يسهم في ‏رفع نسب المشاركة، وتدهوره يسبب إنخفاض حاد فيها، إذ لا توجد مؤشرات حقيقية يحدد من ‏خلالها الناخب موقفه من المرشحين، لذلك يتجسد موقفه في المقاطعة غالبا، لهذا فالتركيز على ‏المقاربة الاقتصادية والتنموية من المحاور المهمة لإصلاح المشاركة السياسية في الجزائر.‏

لا تلعب المحددات السياسية والإقتصادية الدور الوحيد في رفع نسب المشاركة السياسية، بل ‏يتعدى الأمر إلى المحددات الإجتماعية والثقافية.‏

تنتظم تحت لواء المحددات الاجتماعية عدة عناصر ذات علاقة مباشرة بحياة الناخب، فيشكل ‏المستوى التعليمي والصحي والإطار المعيشي إضافةً إلى الأمن والبيئة والتنمية…وغير ذلك، من ‏الدوافع التي توجهه إلى صناديق الإقتراع أو تدفعه إلى المقاطعة، ولا شك أن ما تعانيه بعض أقاليم ‏الوطن خاصة في مناطق الظل أو البلديات الفقيرة، هو ما يدفع إلى تراجع نسب المشاركة السياسية ‏دورياً، مقارنة بالوعاء الإنتخابي الضخم الذي سبق وأن حددناه بـ 24 مليون ناخب بناء على ‏إحصائيات السلطة المستقلة، لذلك فإن ما تبذله الحكومة بالإعتماد على البلديات والولايات في ‏مجال تحسين الإطار المعيشي تظهر نتيجته أيام الإستحقاقات، فإن كنا نتسائل عن عزوف الناخب ‏عن التصويت فلنركز على إطاره المعيشي، وسعيه للحصول على خدمات أفضل من التي يتلقاها، هي ‏ما تقنعه بالمشاركة في التصويت وإختيار ممثليه في المجالس المنتخبة.‏

لا شك أن عامل الثقافة يؤثر على نسب المشاركة السياسية أيضا، وتعبر الثقافة في شقها ‏السياسي عن الرصيد الذي يحوزه الناخب فكرياً، أو ما يتمتع به من معلومات إزاء القضايا الوطنية ‏والدولية المطروحة، أو ما يحيط بوطنه من مؤامرات، ومستوى الثقافة السياسية يرتبط بأدوار تنظيمات ‏المجتمع المدني من غرس لقيم التنشئة، ونقصد بالتحديد أدوار الأسرة والمدرسة والأحزاب والجمعيات ‏وباقي تنظيمات المجتمع المدني، إذ أن الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بالعزوف الإنتخابي، تجد ‏إجابتها أيضا في تراجع قيم الثقافة والمواطنة، ومنه ترتبط مواقف الناخبين أيام الإنتخابات بمستوى ‏ثقافتهم ومواقفهم من المشاركة في التصويت أو الترشح أو المقاطعة.‏

تنتظم المحددات الأربع معاً وتؤثر بدرجات متفاوتة على نسب المشاركة، لذلك فالأخذ بها ‏مجتمعة هو ما يجب التركيز عليه كآلية لإصلاح معضلة المشاركة السياسية في الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *