حين قال القانون كلمته: لماذا لا يسقط الاستعمار بالتقادم؟

التاريخ لا يعتذر.

لكنه يُدان حين تحاول بعض الذاكرات تقديم الجرائم بوصفها “وقائع من زمن مضى”، وحين يُطالَب الضحايا بالصمت احترامًا لرواية الجلاد. بالأمس، قالت الجزائر كلمتها، وصادقت على قانون تجريم الاستعمار، لا بدافع الغضب، بل باسم الوعي، وبمنطق الدولة التي تعرف ماذا تفعل ولماذا تفعل.

بقلم : عبد الرزاق هاني

الاستعمار الفرنسي لم يكن صفحة عابرة في سجلّ الأمم، ولا أخطاء معزولة لجنودٍ أو إداريين. كان مشروعًا كامل الأركان، صيغ بالقانون، ونُفّذ بالقوة، واستُكمل بمحاولات محو الإنسان قبل الأرض. مشروعًا يُقصي اللغة، ويُصادر الاسم، ويُجرّد الذاكرة من حقّها في الاستمرار. لذلك لم يكن الخراب مادّيًا فقط، بل أخلاقيًا وحضاريًا، طال الإنسان الجزائري في جوهره قبل أن يطاله في خبزه ومسكنه.

قرنٌ ونيف من الاحتلال لم يمرّ كريح عابرة. مرّ كإعصارٍ اقتلع القرى، وأفرغ الحقول من أهلها، وملأ السجون والمنافي والمقابر. قوانين استُحدثت لا لتنظيم الحياة، بل لإدارة الإذلال، وجُعل الجزائري فيها مواطنًا من درجة لا تُذكر. أمام هذا كله، يصبح الحديث عن “منافع الاستعمار” لونًا من إعادة الجريمة، لا قراءة للتاريخ.

المصادقة على قانون تجريم الاستعمار لم تأتِ كردّ فعل ظرفي، ولا استجابة لخطاب انفعالي. جاءت في لحظة وعي سياسي وتاريخي، بعد أن تكرّرت محاولات تبييض الاستعمار، وتحويله إلى تجربة قابلة للتأويل الأخلاقي. هنا، لم يعد الصمت خيارًا، لأن الصمت في قضايا الذاكرة ليس حيادًا، بل تنازلًا عن الحقيقة.

هذا القانون ليس تشريع كراهية، ولا إعلان خصومة مع شعب أو دولة، بل تثبيتٌ لحقيقة تاريخية، وحمايةٌ لذاكرة وطنية من التلاعب. هو قانون للكرامة قبل أن يكون قانونًا للعقوبة. فالأمم التي لا تُجرّم ما أُهينت به، تترك أبوابها مفتوحة لإهانة جديدة، وإن تغيّرت الأدوات واللغات.

الجزائر، وهي تصادق على هذا القانون، لم تطلب المستحيل. لم تطلب محاكم شعبية، ولا محو تاريخ الآخر، ولا تصفية حسابات مؤجلة. طالبت، ببساطة الدولة الواثقة، باعتراف أخلاقي صريح بأن ما حدث كان جريمة، لا “رسالة حضارية”، وبأن الشعوب لا تُستعبد باسم التقدّم. في عالم يعترف بجرائم كبرى ويُشرّع لمنع تكرارها، يصبح استغراب هذا الموقف مفارقة أخلاقية لا تفسير لها.

الذاكرة ليست عبئًا على الدولة، بل أحد أعمدتها السيادية. كما تحمي الجزائر أرضها وحدودها، تحمي ذاكرتها من المصادرة والتشويه. ومن يرفض تجريم الاستعمار، إمّا لا يعرف ماذا حدث، أو يعرف جيدًا، ويخشى الاعتراف. وبين الجهل والإنكار، تضيع الحقيقة إن لم تجد من يحرسها بالقانون.

هذا القانون، في جوهره، موجّه إلى الأجيال القادمة بقدر ما هو موجّه إلى الخارج. رسالة مفادها أن ما دُفع ثمنه دمًا لا يجوز التفريط فيه نسيانًا، وأن الاستقلال ليس لحظة احتفال عابرة، بل وعيٌ دائم بمعناه. لم تصادق الجزائر على القانون لأنها أسيرة الماضي، بل لأنها ترفض أن يُسرق المستقبل من ذاكرة بلا حراسة.

التاريخ قد لا يعتذر، لكن الدول الحيّة تُجبره على الاعتراف. والمصادقة على قانون تجريم الاستعمار ليست نهاية معركة الذاكرة، بل تثبيت لموقف: أن الجزائر، التي دفعت ثمن حريتها كاملًا، لن تقبل بعد اليوم أن تُسمّى الجريمة بغير اسمها، ولا أن يُطالَب الضحية مرة أخرى بالصمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *