الباحثة في مقارنة الأديان والمتخصصة في دراسات الحوار الديني الدكتورة فيروز بيبي: زيارة البابا إلى الجزائر دبلوماسية روحية تعزز مكانتها كقوة استقرار وجسر للحوار
شكلت زيارة بابا الفاتيكان، ليون الرابع عشر، إلى الجزائر حدثًا بارزًا يحمل دلالات دينية وسياسية عميقة، في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتصاعد الحاجة إلى ترسيخ قيم الحوار والتعايش بين الشعوب. وتعكس هذه الزيارة المكانة التي باتت تحتلها الجزائر كفضاء آمن ومنصة فاعلة لتعزيز التقارب بين الأديان والثقافات.
وفي هذا الخصوص، كان لنا حوار مع الباحثة في مقارنة الأديان والمتخصصة في دراسات الحوار الديني، الدكتورة فيروز بيبي، – باحثة في مقارنة الأديان ومتخصصة في دراسات الحوار الديني، وعضو اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان والثقافات، وعضو شبكة “فام وايز إفريقيا” (FemWise-Africa). التي قدمت قراءة معمقة لأبعاد هذه الزيارة، معتبرة إياها خطوة تتجاوز الطابع البروتوكولي نحو تكريس “دبلوماسية روحية” تسهم في دعم السلم العالمي وتعزيز مكانة الجزائر كجسر للحوار والتوازن.
حاورتها : آسيا بن عزيزة
س1 كيف تقرئين دلالات زيارة بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى الجزائر في هذا التوقيت بالذات؟
تأتي زيارة البابا ليون الرابع عشر في لحظة فارقة يتخبط فيها العالم بين صراعات الهوية وتصاعد لغة الصدام، لتعيد الاعتبار للمركزية الجزائرية كحلقة وصل استراتيجية بين ضفتي المتوسط والعمق الأفريقي. إن اختيار هذا التوقيت ينم عن إدراك الفاتيكان لثقل الجزائر كقوة استقرار إقليمية، قادرة على صياغة خطاب ديني متوازن يتجاوز الاستقطابات الحادة. الزيارة تتجاوز البروتوكول لتكون “رسالة تضامن” مع المقاربة الجزائرية في مكافحة التطرف، وتأكيدا على أن الحوار أصبح ضرورة أمنية وروحية ملحة لإعادة ضبط بوصلة السلم العالمي.
س2: ما الذي تعكسه هذه الزيارة على مستوى العلاقات الروحية والحوار بين الأديان؟
على مستوى العلاقات الروحية، تعكس هذه الزيارة انتقالا من “حوار المجاملات” إلى “حوار العمل المشترك”، حيث يتم الاعتراف بالجزائر كشريك روحي أصيل يمتلك تجربة تاريخية في التعددية الواعية. تعزز الزيارة شرعية العيش المشترك وتكرس الاعتراف المتبادل بالخصوصيات الثقافية، مما يحول الحوار من إطار نظري إلى واقع ملموس يمس وجدان المؤمنين. كما أنها تمنح دفعة قوية للمؤسسات الدينية للتعاون في ملفات الأخوة الإنسانية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، مما يسهم في خلق جبهة موحدة ضد محاولات تسييس الدين أو تشويه الرموز المقدسة.
س3: هل تعتبرينها زيارة دينية بحتة أم تحمل أبعادا سياسية وثقافية أيضا؟
لا يمكن حصر هذه الزيارة في البعد الديني البحت، بل هي “دبلوماسية شاملة” تتقاطع فيها الأبعاد السياسية والثقافية بشكل عضوي ومدروس. سياسيا، هي اعتراف بمكانة الجزائر كلاعب محوري في الدبلوماسية الدولية، وثقافيا هي احتفاء بالتراث الإنساني المشترك الذي يجمعه فكر القديس أوغستين والأمير عبد القادر في هذه الأرض. إن حضور رأس الكنيسة الكاثوليكية يحمل دلالات استراتيجية تتعلق بملفات الهجرة، السلم في أفريقيا، والعدالة الاجتماعية، مما يجعل الزيارة وثيقة سياسية بلسان روحي، تهدف إلى بناء جسور تفاهم تتخطى الحواجز الأيديولوجية الضيقة.
س4: إلى أي مدى يمكن اعتبار الجزائر فضاء مناسبا لتعزيز الحوار بين الإسلام والمسيحية؟
تعتبر الجزائر فضاء نموذجيا لتعزيز الحوار الإسلامي المسيحي بفضل “عبقرية المكان” وتراكم الخبرات التاريخية التي جعلت منها نقطة التقاء للحضارات المتعاقبة عبر العصور. تمتلك الجزائر تجربة فريدة في الموازنة بين الأصالة والانفتاح، بالإضافة إلى وجود نخب فكرية تمارس “الأنثروبولوجيا الرمزية” في فهم الآخر وفهم الذات بعمق. إن البيئة الجزائرية، بتنوعها الثقافي وانتمائها المتوسطي-الأفريقي، توفر تربة خصبة لتطوير لغة حوارية تتسم بالندية والاحترام، بعيدا عن رواسب المركزية الغربية، مما يجعلها منصة دولية رائدة لمبادرات العيش المشترك المستدام.
س5: ما الرمزية التاريخية لزيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية إلى بلد له تجربة استعمارية مع فرنسا ذات الخلفية المسيحية؟
تحمل الزيارة رمزية تاريخية فارقة، فهي تأتي لبلد استطاع تفكيك الإرث الاستعماري الذي حاول توظيف المسيحية كأداة للهيمنة، ليعيد تعريف العلاقة مع الفاتيكان كعلاقة بين كيانات مستقلة ومحترمة. إن استقبال رأس الكنيسة في بلد الثوار يمثل انتصارا لمنطق “المصالحة التاريخية” القائمة على السيادة، حيث يتم التمييز بوضوح بين الإيمان كقيمة إنسانية والاستعمار كفعل عدواني. هذه الرمزية تؤكد أن الجزائر، برغم جراح الماضي، قادرة على قيادة حوار قيمي مع الغرب المسيحي من موقع القوة الأخلاقية، محولة الصراع التاريخي إلى تعاون مستقبلي بناء.
س6: ما القيم المشتركة التي يمكن أن يركز عليها الخطاب الديني بين الفاتيكان والجزائر اليوم؟
يركز الخطاب الديني بين الفاتيكان والجزائر اليوم على قيم “الأخوة الإنسانية”، العدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، وهي ملفات تشكل جوهر الاهتمامات المشتركة للطرفين في الألفية الثالثة. كما يتم التأكيد على “قدسية الحياة” ونبذ الكراهية، مع التركيز على دور الدين في تحقيق التنمية المستدامة وحفظ كرامة الإنسان في ظل التحولات المادية الكبرى. إن الخطاب المشترك يسعى لتأصيل فكرة “المواطنة العالمية” التي لا تلغي الانتماءات الوطنية، بل تعززها عبر قيم الرحمة والتعاون التي تزخر بها النصوص الإسلامية والمسيحية على حد سواء.
س7: كيف يمكن توظيف هذه الزيارات لتعزيز قيم السلام ونبذ العنف في ظل ما يشهده العالم من توترات؟
يمكن توظيف هذه الزيارات لتعزيز قيم السلام من خلال تحويل المخرجات الرمزية إلى برامج عمل ميدانية، تشمل التربية على الحوار في المناهج التعليمية وتفعيل دور الشباب في بناء السلم. في ظل التوترات العالمية، تعمل هذه اللقاءات كـ “صمامات أمان” تمنع انزلاق النزاعات السياسية إلى صراعات دينية مدمرة عبر تكريس لغة الاعتدال والمشترك القيمي. إن استثمار الزخم الإعلامي للزيارة في إطلاق مبادرات مشتركة لنبذ العنف، يرسل رسالة قوية بأن القوى الروحية في العالم تقف صفا واحدا ضد التطرف، مما يسهم في تبريد بؤر الصراع وتوجيه البوصلة نحو البناء الإنساني.
س8: هل تعتقدين أن الفاتيكان يوظف الدبلوماسية الدينية كأداة تأثير في العلاقات الدولية؟
نعم، الفاتيكان يوظف “الدبلوماسية الدينية” كأداة ناعمة للتأثير، مستفيدا من سلطته الأخلاقية العابرة للحدود
وقدرته على الوساطة في النزاعات المعقدة التي تعجز عنها الدبلوماسية التقليدية. هذه الدبلوماسية لا تهدف للهيمنة، بل لفتح قنوات اتصال إنسانية، مما يجعل البابا فاعلا دوليا بوزن ثقيل في قضايا السلم والأمن. ومن خلال اختيار الجزائر، يسعى الفاتيكان لتفعيل هذه الدبلوماسية في القارة الأفريقية، مستندا إلى “الحوار القيمي” لتعزيز الاستقرار عبر القوة الأخلاقية، وهو ما يفتح آفاقا للتعاون الدولي القائم على احترام السيادة الوطنية والخصوصية الدينية لكل شعب.
س9: كيف يمكن فهم اختيار الجزائر ضمن جولة بابا الفاتيكان من منظور جيوسياسي؟
من المنظور الجيوسياسي، يعكس اختيار الجزائر إدراكا لمركزيتها في معادلة الاستقرار والأمن في المتوسط، وبصفتها فاعلا رئيسيا في العمق الأفريقي. الجزائر تمثل “البوابة الذهبية” للقارة، واختيارها يعكس رغبة دولية في التنسيق مع قوة إقليمية تمتلك تجربة رائدة في مكافحة التطرف وصيانة الوحدة الوطنية. إنها محاولة لرسم خارطة طريق “روحية-سياسية” جديدة، تكون فيها الجزائر شريكا استراتيجيا في إدارة ملفات السلم والأمن الإقليمي، مما يعزز من توازن القوى ويمنح الحوار بين الأديان بعدا استراتيجيا يخدم الاستقرار العالمي.
س10: هل هناك حدود واقعية لتأثير الحوار الديني على أرض الواقع، أم أنه يظل رمزيا أكثر من كونه عمليا؟
تزول الحدود الرمزية حين يتحول الحوار إلى برامج ميدانية وسياسات عامة تلمس حياة الشعوب. الحوار يظل رمزيا ما لم يدعم بإرادة سياسية وبرامج اجتماعية تحارب الإقصاء والتهميش. كمقترح عملي، يمكن تحويل هذه اللقاءات إلى “مشاريع تنموية إنسانية مشتركة” وإدماج قيم العيش المشترك في المناهج التعليمية وتكوين القيادات الدينية. التحدي يكمن في نقل “روح الحوار” من القمم الدبلوماسية إلى القواعد الشعبية، وضمان أن التفاهمات الكبرى تترجم إلى ممارسات سلوكية يومية تعزز قبول الآخر، مما يحول الحوار من خطاب نظري إلى صمام أمان حقيقي للمجتمعات.
س11: ما التحديات التي قد تواجه تعزيز الحوار بين الأديان رغم هذه الزيارات الرمزية؟
أبرز التحديات هي تصاعد تيارات الانغلاق وتسييس الدين لخدمة أجندات ضيقة، ولذا تبرز الحاجة لتعزيز “دبلوماسية التراث المشترك” كحل عملي يتجاوز الرمزية. أوصي بإطلاق مسارات ثقافية وأكاديمية دولية، مثل “مسارات الفكر المتوسطي المشترك”، لتكون منصات تجمع الباحثين لدراسة القيم الإنسانية الجامعة. كما يجب مواجهة تحدي غياب التوازن في تمثيل الخبرات الأكاديمية والنسوية المتخصصة في لجان الحوار. التحدي الحقيقي هو التغلب على “فوبيا الآخر” عبر عمل مؤسسي مستدام يبني وعيا كونيا مشتركا، وهو الجوهر الذي تسعى إليه الجزائر في جميع محافلها الدولية لضمان استدام السلم ونبذ الكراهية.

