الدكتور محمد كواش، طبيب مختص في الصحة العمومية “لأصوات”: “المخدرات حرب تستهدف صحة المجتمع وأمن الجزائر”

اعتبر الدكتور محمد كواش، طبيب مختص في الصحة العمومية، أن ظاهرة المخدرات بمختلف أشكالها وأنواعها لم تعد مجرد آفة اجتماعية أو مشكلة صحية فحسب، وإنما أصبحت تمثل شكلاً جديداً من أشكال الحروب التي تستهدف المجتمعات من الداخل، من خلال تدمير الشباب والقوة العاملة والعقول والصحة ومستقبل الدول، فضلاً عن تفكيك الأسر ونشر مختلف الآفات الاجتماعية. وأضاف في حوار أجرته معه جريدة “أصوات”، أن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي اعتماد مقاربة شاملة تبدأ بالوقاية، ثم الاكتشاف المبكر والتكفل والعلاج، وصولاً إلى إعادة الإدماج الاجتماعي والمهني والنفسي، مشدداً على أن الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمجتمع والأجهزة الأمنية جميعها معنية بالتصدي لهذه الآفة.

 

حاورته: رحمة حيقون

 

بداية كيف تنظرون إلى تنامي ظاهرة المخدرات وتعاطي مختلف أنواع المخدرات والمؤثرات العقلية، وما مدى خطورتها على المجتمع؟

بالنسبة لقضية المخدرات وتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية بمختلف أشكالها وأنواعها، يجب أن نفهم أولاً أن الحروب الكلاسيكية التي كانت تعتمد على الطائرات والبواخر والقنابل والصواريخ لم تعد هي النموذج الوحيد للحروب في عالم اليوم، بل أصبحنا أمام نموذج جديد من الحروب، وهو حروب تدمير الشباب، وتدمير القوة العاملة، وتدمير مستقبل البلد، واستهداف العقول والصحة والإيرادات وتفكيك الأسر.

وأنا أعتبر أن المخدرات أصبحت إحدى الأدوات الخطيرة التي يمكن أن تستعمل في هذا النوع من الحروب، لأنها تبدأ بالقضاء على الجانب الصحي والنفسي للفرد، ثم تنتقل آثارها إلى الأسرة والمجتمع، فتؤدي إلى انتشار العديد من الآفات الاجتماعية.

فالشخص الذي يدخل عالم المخدرات لا يتأثر صحياً فقط، وإنما يتأثر نفسياً وعصبياً واجتماعياً، ومع مرور الوقت يمكن أن يصبح ضعيف الإرادة، ضعيف المناعة، معرضاً لأمراض مختلفة، وغير قادر على القيام بدوره الطبيعي داخل الأسرة والمجتمع.

كما أن الشخص المدمن يجد نفسه تدريجياً غير قادر على العمل والإنتاج بصورة طبيعية، وقد يفقد اهتمامه بالدراسة أو التكوين أو العمل، وتصبح المخدرات بالنسبة إليه أولوية، وهو ما قد يدفعه إلى البحث عن المال بأي طريقة للحصول عليها.

ومن هنا تبدأ دائرة خطيرة، لأن الحاجة إلى المخدرات قد تؤدي إلى السرقة والجريمة ومختلف السلوكيات المنحرفة، وبالتالي فإننا لا نتحدث فقط عن مشكلة فردية، وإنما عن ظاهرة يمكن أن تكون لها تداعيات على الأسرة والمجتمع والاقتصاد وحتى الأمن.

 

هل يمكن اعتبار نشر المخدرات واستهداف فئة الشباب شكلاً من أشكال الحروب الحديثة التي تستهدف المجتمعات؟

بالتأكيد، ويمكننا أن نتحدث عن المخدرات باعتبارها من أخطر الأسلحة الحديثة غير التقليدية التي يمكن أن تستعمل في تدمير المجتمعات بصورة تدريجية. فبدلاً من أن يتم تدمير المجتمع بالقنابل والطائرات، يمكن أن يتم تدميره من الداخل من خلال استهداف أفراده، وخاصة فئة الشباب.

عندما يتم نشر المخدرات على نطاق واسع وجعلها في متناول فئات واسعة من المجتمع، فإن النتائج لا تظهر بالضرورة في يوم أو شهر، وإنما تتراكم مع مرور السنوات.

وهنا تكمن الخطورة، لأنك عندما تدمر صحة الإنسان وعقله وإرادته وقدرته على العمل والإنتاج، فأنت لا تستهدف فرداً فقط، بل تستهدف الأسرة والمجتمع ومستقبل الدولة.

وقد شهد العالم حالات تم فيها الترويج للمخدرات أو تقديمها مجاناً لفترات معينة، بهدف جعلها في متناول الجميع، ثم بعد انتشارها وإحداث نوع من الاعتماد عليها يتم إيقاف التوزيع المجاني، فيجد الشخص نفسه مضطراً إلى البحث عن المال للحصول عليها.

وهنا تبدأ مرحلة أخرى أكثر خطورة، وهي انتشار الجريمة والسرقة والآفات الاجتماعية، لأن الشخص الذي أصبح أسيراً للإدمان قد يفعل أشياء لم يكن يفكر في القيام بها قبل دخوله هذا العالم.

لذلك أقول إن المخدرات ليست مجرد مادة يتعاطاها شخص وينتهي الأمر، وإنما يمكن أن تتحول إلى منظومة متكاملة لتدمير الإنسان والأسرة والمجتمع.

 

في ظل انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، كيف يمكن مواجهة هذه الظاهرة والحد من توسعها داخل المجتمع الجزائري؟

يجب أن نحارب المخدرات في مختلف مراحلها، لأن انتشارها يمر بمراحل، ولكل مرحلة طريقة خاصة في الوقاية والتدخل.

المرحلة الأولى، وهي في رأيي الأهم، تتمثل في منع الوصول إلى المخدرات أصلاً، خاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين والتلاميذ والشباب.

يجب أن نمنع أبناءنا من الوصول إلى هذه المواد، وأن نحميهم من محاولات استدراجهم إليها، خاصة وأن أساليب الترويج أصبحت متنوعة، وقد يتم أحياناً تقديم المخدرات بشكل مجاني أو محاولة جعلها تبدو وكأنها شيء عادي أو غير خطير.

وهناك محاولات لاستهداف الأطفال والشباب في مختلف المراحل العمرية، ولذلك لا بد من اليقظة، خصوصاً داخل المحيط المدرسي والاجتماعي.

لكن الوقاية لا تقع على عاتق جهة واحدة، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والأجهزة الأمنية والإعلام والمسجد وكل مؤسسات المجتمع.

 

وما الدور الذي يمكن أن تقوم به الأسرة تحديداً في الوقاية من المخدرات؟

الأسرة لها دور محوري وأساسي، وأول خطوة هي مرافقة الأبناء والتواصل معهم.

يجب على الوالدين أن يعرفا أبناءهما، وأن يعرفا أصدقاءهم، وأن ينتبها إلى محيطهم الاجتماعي، لأن الصحبة يمكن أن تكون عاملاً مهماً جداً في حماية الطفل أو دفعه نحو الطريق الخطأ.

علينا أن نشجع أبناءنا على الصحبة الحسنة، وأن نساعدهم على اختيار أصدقائهم، لأن صديق السوء يمكن أن يكون مدخلاً إلى العديد من السلوكيات السلبية، ومن بينها المخدرات.

وقد ورد في الحديث الشريف المعنى المعروف الذي يشبه الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير، وهي صورة واضحة لأهمية تأثير الصحبة في الإنسان.

لذلك فإن الأسرة مطالبة بأن تكون قريبة من أبنائها، وأن تستمع إليهم، وتفهم مشكلاتهم، ولا تكتفي بتقديم الأوامر والنواهي، لأن الحوار والمرافقة والثقة عوامل أساسية في حماية الأبناء.

 

وماذا عن دور المؤسسات التربوية والإعلام والمسجد في تعزيز الوقاية؟

كل هذه المؤسسات لها دور مهم جداً.

المدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط، وإنما هي أيضاً فضاء للتربية والتوعية واكتشاف المشكلات في بدايتها. ولذلك يجب تعزيز التوعية بمخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية، ومساعدة التلاميذ على فهم آثارها الصحية والنفسية والاجتماعية.

أما الإعلام، فعليه أن يساهم في نشر ثقافة الوقاية، وأن يقدم رسائل توعوية تصل إلى مختلف الفئات العمرية، خصوصاً الشباب، مع ضرورة التعامل مع الموضوع بطريقة علمية ومسؤولة.

كما أن للمسجد دوراً مهماً في تعزيز الجانب الروحي والقيمي لدى أفراد المجتمع، لأن الجانب النفسي والروحي يمكن أن يساعد الإنسان على مواجهة القلق والتوتر والانهيارات النفسية وبعض الظروف التي قد تدفعه إلى البحث عن المخدرات كوسيلة للهروب من مشاكله.

لذلك يجب أن تكون الوقاية شاملة، فلا يمكن أن نواجه المخدرات بالجانب الأمني وحده، رغم أهمية الدور الأمني، وإنما يجب أن نعمل أيضاً على الجانب الصحي والنفسي والتربوي والاجتماعي والروحي.

 

ننتقل إلى المرحلة الثانية، ماذا يجب أن نفعل عندما يكون الشخص قد بدأ فعلاً في تعاطي المخدرات؟

هنا تأتي أهمية الاكتشاف المبكر والتكفل السريع.

في بعض الأحيان، وللأسف، لا تنتبه الأسرة إلى التغيرات التي تحدث في سلوك الابن أو الابنة إلا بعد أن تتفاقم المشكلة.

قد يصبح الشخص منعزلاً ومنطوياً، أو سريع الانفعال، أو تتغير علاقته بأسرته وأصدقائه، وقد ينخفض مستواه الدراسي أو المهني، وتتدهور حالته الصحية والنفسية.

هذه كلها علامات يجب أن تدفع الأسرة إلى الانتباه والتدخل.

كلما تم اكتشاف المشكلة في مرحلة مبكرة، كانت فرص العلاج والتكفل أفضل، لأننا نمنع الشخص من الوصول إلى مرحلة الإدمان الشديد.

وهنا يجب ألا يكون التعامل مع الشخص على أساس العقاب أو الوصم الاجتماعي فقط، وإنما يجب أن يحصل على المرافقة النفسية والطبية والاجتماعية اللازمة.

كما أن الأسرة مطالبة بأن تكون سنداً له، لأن الدعم الأسري يساعد كثيراً في رحلة العلاج.

 

وماذا عن المرحلة الثالثة، أي بعد علاج الشخص من الإدمان؟ وهل ينتهي الخطر بمجرد العلاج؟

لا، وهنا أعتقد أن المرحلة الثالثة من أهم مراحل مواجهة المخدرات، لأنها تتعلق بمنع الانتكاس والعودة إلى التعاطي.

بعد العلاج والابتعاد عن المخدرات، يحتاج الشخص إلى مرافقة أسرية ونفسية واجتماعية، لأن خروجه من الإدمان لا يعني أن المشكلة انتهت بشكل نهائي، يجب أن نساعده على العودة إلى حياته الطبيعية، وإعادة بناء علاقاته الأسرية والاجتماعية، وتشجيعه على الاندماج في المجتمع.

كما يجب إبعاده عن رفقاء السوء والبيئة التي كانت سبباً في دخوله عالم المخدرات، وتشجيعه على بناء علاقات جديدة مع أشخاص إيجابيين.

ومن المفيد أيضاً أن يجد الشخص بيئة تساعده على الاستقرار النفسي والروحي، ويمكن أن يكون للمسجد والرفقة الحسنة دور في ذلك، خصوصاً إذا كان الشخص يجد في الجانب الروحي عاملاً يساعده على الاستمرار في طريق التعافي.

 

تحدثتم عن الإدماج، ما أهمية الإدماج المهني والاجتماعي بالنسبة للمتعافي؟

الإدماج العملي والاجتماعي مهم جداً، لأن الفراغ يمكن أن يكون أحد الأسباب التي تدفع الشخص إلى العودة إلى المخدرات.

يجب أن نساعد الشخص المتعافي على العودة إلى الدراسة أو التكوين أو العمل، حسب حالته وإمكاناته، حتى يشعر بأنه عضو فعال في المجتمع، عندما يكون الإنسان مشغولاً بعمل مفيد، ويشعر بأن له قيمة ودوراً ومستقبلاً، فإن ذلك يساعده على الاستمرار في التعافي. كما يمكن تشجيعه على العمل الإنساني والجمعوي والخيري، والمشاركة في الأنشطة التطوعية، وحتى التبرع بالدم، لأن هذه الأنشطة تمنحه شعوراً بأنه يقدم شيئاً للآخرين وللمجتمع.

والهدف هو أن نساعده على بناء حياة جديدة، وليس فقط أن نمنعه من المخدرات.

 

ذكرتم الفراغ، هل تعتبرونه من العوامل التي يمكن أن تزيد من خطر الوقوع في المخدرات؟

نعم، وأعتبرها نقطة محورية في مجال الوقاية من المخدرات.هناك مثل معروف في العلوم الطبيعية يقول إن الطبيعة لا تقبل الفراغ، وكذلك الإنسان إذا تركناه في فراغ دون توجيه أو نشاط إيجابي، يمكن أن يبحث عن أشياء أخرى لملء هذا الفراغ.

لذلك أقول للأولياء والمجتمع: تجنبوا الفراغ، لأن الفراغ قد يكون قاتلاً، وقد يفتح الباب أمام السلوكيات السلبية. يجب أن نرافق أبناءنا ونشغلهم ونملأ وقتهم بالأشياء الإيجابية.

يمكن أن يكون ذلك من خلال ممارسة الرياضة، أو النشاط الكشفي، أو النشاط الثقافي، أو النشاط الجمعوي، أو الأنشطة البدنية والتطوعية.

كما يمكن تشجيع الأبناء على تطوير مواهبهم، سواء في الموسيقى أو الرياضة أو السباحة أو مختلف الهوايات، كل طفل أو شاب لديه طاقة، وإذا لم نوجه هذه الطاقة نحو الأشياء الإيجابية، فمن الممكن أن يبحث عن بدائل أخرى.

 

ما الرسالة التي توجهونها إلى الأولياء والشباب والمجتمع عموماً في مواجهة المخدرات؟

رسالتي الأساسية هي أن مواجهة المخدرات مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية الأجهزة الأمنية أو القطاع الصحي وحده.

نحن بحاجة إلى الوقاية قبل العلاج، وإلى الأسرة قبل أن تتفاقم المشكلة، وإلى المدرسة والإعلام والمسجد والمجتمع المدني وكل المؤسسات.

  1. وعلى الأولياء أن يكونوا قريبين من أبنائهم، وأن يحسنوا الاستماع إليهم ومرافقتهم، وأن ينتبهوا إلى أي تغير في سلوكهم أو دراستهم أو علاقاتهم الاجتماعية.أما الشباب، فأقول لهم إن المخدرات لا تقدم حلاً للمشاكل، وإنما تضيف مشكلات جديدة إلى حياة الإنسان، وقد تؤثر على صحته وعقله ومستقبله وعلاقاته وأسرته. علينا أن نواجه هذه الآفة بالوعي والوقاية والعلاج وإعادة الإدماج، وأن نحارب الفراغ بالعمل والرياضة والتكوين والهوايات والعمل التطوعي، وفي النهاية، يجب أن نفهم أن حماية الشباب من المخدرات هي حماية لصحة المجتمع ومستقبله، لأن الشباب هم القوة العاملة والعقول التي يبنى بها المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *