دحماني يدعو إلى مراجعة برامج تكوين الصحفيين لمواكبة الذكاء الاصطناعي

يؤكد على ضرورة الانتقال من الدورات الظرفية إلى منظومة تكوين مستمر تجمع بين الكفاءة الرقمية وأخلاقيات المهنة

دعا البروفيسور محمد دحماني، الباحث في علوم الإعلام والاتصال والميديا الرقمية، إلى مراجعة برامج التكوين الجامعي في علوم الإعلام والاتصال وإرساء منظومة مؤسساتية للتكوين المستمر للصحفيين، بما يستجيب للتحولات التكنولوجية المتسارعة ومتطلبات سوق العمل، خاصة مع تنامي استخدام الذكاء الاصطناعي وانتشار التضليل الرقمي.

وأكد دحماني في حديثة لجريدة أصوات أن تطوير الأداء المهني للصحفيين لم يعد يقتصر على إتقان الكتابة والتحرير ونقل الأخبار، بل أصبح يتطلب اكتساب مهارات رقمية متجددة، تشمل تحليل البيانات، والتحقق من المعلومات والصور ومقاطع الفيديو، وفهم آليات عمل أدوات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها بصورة مسؤولة داخل غرف الأخبار.

وأوضح الباحث أن التحدي لا يكمن في توفير التكنولوجيا الحديثة فحسب، بل في قدرة الصحفي على استخدامها لتحسين جودة المحتوى الإعلامي، دون المساس بمصداقية المعلومات أو استقلالية القرار التحريري أو أخلاقيات المهنة، مشددا على أن الأدوات الرقمية تظل وسائل مساعدة لا يمكنها تعويض التفكير النقدي والتحقق من المصادر وفهم السياقات.

وفي هذا السياق، استند دحماني إلى المادة 31 من القانون العضوي رقم 23-14 المتعلق بالإعلام، الصادر في 27 أوت 2023، والتي تلزم الهيئة المستخدمة بضمان التكوين المتواصل وتحسين المستوى وتجديد المعارف للصحفيين ومهنيي وسائل الإعلام، معتبرا أن تجسيد هذا الالتزام يستدعي الانتقال من المبادرات التكوينية الظرفية إلى برامج منتظمة تستند إلى تحديد الاحتياجات الفعلية للمؤسسات الإعلامية ومواكبة التطورات المهنية والتكنولوجية.

وأشار المتحدث إلى أن برامج التكوين ينبغي أن تشمل الصحافة الرقمية والتحقيق الاستقصائي وصحافة البيانات والأمن السيبراني والتحقق من الأخبار والمحتويات المتداولة عبر المنصات، إلى جانب الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في البحث وتفريغ التسجيلات وتحليل الوثائق ومعالجة البيانات، مع ضمان الرقابة البشرية والتحقق من النتائج قبل النشر.

كما شدد على ضرورة إخضاع هذه البرامج للتقييم المستمر لقياس أثرها في الأداء التحريري وجودة المحتوى، مع تعزيز الشراكة بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومخابر البحث العلمي، من خلال إعداد برامج مشتركة وورشات تطبيقية تسمح بربط المعرفة الأكاديمية بالاحتياجات العملية لغرف الأخبار.

مراجعة التكوين الجامعي لمواكبة سوق العمل

وبخصوص التكوين الأكاديمي، اعتبر دحماني أن علوم الإعلام والاتصال من التخصصات التي تستوجب المراجعة الدورية لبرامجها وتحيين محتوياتها، بالنظر إلى التحولات العميقة التي يشهدها مجال الاتصال بفعل التطور التكنولوجي، وما يصاحبه من تغيرات فكرية ومهنية تفرض إعادة النظر في بعض المقاييس ومضامينها.

ويرى الباحث أن مواءمة التكوين الجامعي مع متطلبات سوق العمل تقتضي تطوير المضامين البيداغوجية بما يسمح للطلبة باكتساب مهارات تطبيقية تتماشى مع التحولات التي تعرفها المؤسسات الإعلامية، وتعزز قدرتهم على الاندماج المهني والتعامل مع الأدوات والتقنيات الحديثة.

وفي المقابل، حذر دحماني من اختزال التكوين في الجانب التقني على حساب القيم المهنية والأخلاقية، مؤكدا أن مواجهة الأخبار المضللة والمحتويات المولدة بالذكاء الاصطناعي تتطلب صحفيين يمتلكون مهارات التحقق والتحليل النقدي، إلى جانب الكفاءة الرقمية والخبرة الميدانية.

كما ربط نجاح استراتيجية التكوين المستمر بتوفير بيئة مهنية واجتماعية مستقرة، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على الاستثمار في مواردها البشرية والتكنولوجية، بما يتيح للصحفيين فرصا منتظمة لتطوير مهاراتهم وتجديد معارفهم.

ويخلص دحماني إلى أن بناء صحافة جزائرية قادرة على مواكبة التحولات المستقبلية يمر عبر الاستثمار في العنصر البشري وتعزيز التكامل بين الخبرة المهنية والمعرفة الأكاديمية والابتكار التكنولوجي، بما يضمن إنتاج محتوى موثوق ويحافظ على استقلالية الصحافة وحق المواطن في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والمسؤولة.

ويشغل محمد دحماني، الأكاديمي والباحث والصحفي الجزائري، منصب أستاذ بجامعة المسيلة، وتولى إدارة مخبر البحوث والدراسات في الميديا الجديدة، كما يشغل منصب مدير نشر المجلة العلمية «بحوث ودراسات إعلامية» ومدير تحرير الجريدة الإلكترونية «جزائريون»، ويتمتع بخبرة صحفية تفوق 30 سنة، إلى جانب تنسيقه الشبكة الجزائرية للدراسات الإعلامية بالمنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين.

نوال الهواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *