المعارض و الصالونات الدولية: رافعة لترقية الاقتصاد وأداة إستراتيجية للدبلوماسية الاقتصادية

الخبير الاقتصادي المستشار الدولي عبد الرحمان هادف في حوار لجريدة أصوات :

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، باتت المعارض والصالونات الدولية تتجاوز مفهومها التقليدي كفضاءات عابرة لعرض المنتجات والخدمات، لتتحول إلى أدوات استراتيجية لتعزيز الحضور الاقتصادي للدول، واستقطاب الاستثمارات، وفتح الأسواق. وبالنسبة للجزائر، التي تخوض رهاناً حقيقياً لتنويع اقتصادها، وتعزيز صادراتها خارج المحروقات، وتوسيع حضور مؤسساتها دولياً، تكتسب هذه التظاهرات أهمية بالغة تتداخل فيها أبعاد التجارة الخارجية مع أدوار الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية.

في هذا الحوار الشامل، يضعنا المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أمام قراءة تحليلية دقيقة لواقع هذه التظاهرات، مستشرفاً سبل تطوير مردوديتها وتحويلها إلى قاطرة حقيقية لخدمة الاقتصاد الوطني.

حاورته : قرباج وسيلة

•هل تمتلك الجزائر استراتيجية واضحة لتوظيف المعارض الدولية كأداة للدبلوماسية الاقتصادية والثقافية؟

تمتلك الجزائر قاعدة مؤسساتية وتنظيمية مهمة لتوظيف المعارض والصالونات في خدمة أهدافها الاقتصادية والتجارية، مدعومة بعدد من الهياكل والآليات التي تضطلع بأدوار متكاملة، على غرار وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، ووزارة الشؤون الخارجية، والغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة، والشركة الجزائرية للمعارض والتصدير «صافكس».

وتشمل هذه الأدوار إعداد برامج المشاركة في التظاهرات الاقتصادية الدولية، ومرافقة المؤسسات الوطنية، وتنظيم المعارض والصالونات المتخصصة، وتطوير علاقات التعاون التجاري، وتسهيل التواصل بين المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين ونظرائهم الأجانب.

كما أن تنصيب اللجنة متعددة القطاعات المكلفة بإعداد برنامج المشاركة الجزائرية في التظاهرات الاقتصادية بالخارج لسنتي 2027 و2028، والتوجه نحو إعطاء الأولوية للأسواق ذات الإمكانات الاقتصادية والتجارية، لاسيما الإفريقية منها، يعكس توجهاً نحو تعزيز البعد الاستراتيجي لهذه المشاركات.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية، بما يسمح بتوحيد الجهود وتوجيه المشاركات وفق رؤية اقتصادية واضحة، ترتبط بأولويات التنمية الوطنية والفرص المتاحة في الأسواق الدولية.

والأهم من ذلك هو الانتقال نحو مقاربة أكثر تكاملاً، تجعل من المعارض جزءاً من استراتيجية وطنية للدبلوماسية الاقتصادية، تقوم على تحديد الأسواق المستهدفة، والقطاعات ذات الأولوية، والشركاء المحتملين، والأهداف التجارية والاستثمارية المنتظرة من كل مشاركة.

كما ينبغي توسيع توظيف هذه التظاهرات ليشمل الدبلوماسية الثقافية، من خلال إبراز الهوية الجزائرية والتراث الوطني والصناعات التقليدية والمنتجات المحلية، بما يعزز جاذبية الجزائر وصورتها لدى الشركاء الدوليين.

فالمعارض تمثل فرصة لتقديم الجزائر ليس فقط باعتبارها بلداً يمتلك موارد وإمكانات اقتصادية، وإنما أيضاً كفضاء للاستثمار والإنتاج والشراكة، وكمحطة مهمة للتواصل بين إفريقيا وأوروبا ومنطقة المتوسط.

•كيف يمكن للمعارض الدولية أن تتحول إلى فضاءات لبناء شراكات استراتيجية وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية للجزائر؟

تكتسب المعارض الدولية أهميتها من قدرتها على جمع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين في فضاء واحد، بما يوفر فرصاً مباشرة للتواصل والتفاوض واستكشاف الأسواق وبناء علاقات الأعمال.

وبالنسبة للجزائر، يمكن لهذه التظاهرات أن تؤدي دوراً محورياً في دعم ثلاثة توجهات اقتصادية أساسية.

يتعلق التوجه الأول بترقية الصادرات خارج المحروقات، من خلال تمكين المؤسسات الجزائرية من التعرف على الأسواق الخارجية ومتطلباتها، والتواصل المباشر مع المستوردين والموزعين والشبكات التجارية الدولية، وتطوير فرص تسويق المنتجات والخدمات الوطنية.

أما التوجه الثاني فيرتبط باستقطاب الاستثمارات والشراكات الصناعية والتكنولوجية، عبر التعريف بالمؤهلات الاقتصادية للجزائر، والفرص الاستثمارية المتاحة، والمزايا التنافسية التي توفرها في عدد من القطاعات، لاسيما الصناعة والطاقة والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والمناجم والخدمات.

ويتمثل التوجه الثالث في تعزيز الحضور الاقتصادي الجزائري في المحيطين الإفريقي والمتوسطي، من خلال بناء علاقات مستدامة مع المؤسسات الاقتصادية والغرف التجارية ومراكز الأعمال والمستثمرين، وتوسيع فرص التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تطوير طبيعة المشاركة في المعارض، بحيث لا تقتصر على حضور المؤسسات وعرض منتجاتها، بل تتحول إلى برامج عمل اقتصادية متكاملة، تسبقها دراسات للسوق المستهدفة، وتحديد للشركاء المحتملين، وتحضير للقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف.

وهنا تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها حلقة وصل بين التمثيل الدبلوماسي والفاعلين الاقتصاديين. فالسفارات والبعثات الدبلوماسية الجزائرية يمكن أن تؤدي دوراً استباقياً في استكشاف الفرص، والتعريف بالمؤسسات الوطنية، وتحضير اللقاءات مع المستثمرين والشركاء المحتملين، وتسهيل التواصل الاقتصادي والتجاري.

كما أن المعارض الدولية المنظمة بالجزائر تمثل بدورها فرصة لتعزيز جاذبية البلاد، واستقطاب المؤسسات الأجنبية، والتعريف بالإمكانات الصناعية والاستثمارية الوطنية.

ومن المهم أيضاً تثمين البعد الثقافي لهذه التظاهرات، من خلال إدماج المنتجات التقليدية والحرفية والموروث الثقافي ضمن فضاءات العرض والترويج، بما يعزز القوة الناعمة للجزائر ويدعم صورتها الاقتصادية والحضارية.

إن التحول المطلوب هو الانتقال من المعرض باعتباره فضاءً للعرض والترويج إلى المعرض باعتباره منصة لبناء علاقات الأعمال، وتطوير الشراكات، وإطلاق مشاريع اقتصادية ذات قيمة مضافة.

•ما الآليات الكفيلة بتحويل نتائج المشاركة في المعارض إلى اتفاقيات تعاون ومشاريع اقتصادية ملموسة؟

يمثل هذا المحور أحد أهم عناصر تطوير منظومة المعارض والصالونات، لأن القيمة الحقيقية للمشاركة لا تقاس فقط بعدد الزوار أو المؤسسات والدول المشاركة، وإنما بمدى قدرتها على خلق فرص اقتصادية جديدة وتحويل الاتصالات الأولية إلى اتفاقيات تجارية واستثمارية قابلة للتجسيد.

ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى اعتماد مقاربة متكاملة تشمل مختلف مراحل المشاركة، ابتداءً من التحضير وصولاً إلى متابعة النتائج وتقييم أثرها.

في مرحلة التحضير، ينبغي تحديد الأهداف الاقتصادية لكل مشاركة، بناءً على دراسة للأسواق والقطاعات المستهدفة، مع إعداد قوائم بالمؤسسات والمستثمرين والموزعين والشركاء المحتملين. كما يتعين تحضير المؤسسات الجزائرية المشاركة وتوجيهها نحو الفرص التي تتناسب مع قدراتها الإنتاجية والتنافسية.

وخلال التظاهرة، من الضروري تنظيم لقاءات أعمال ثنائية، ومنتديات استثمارية وندوات قطاعية، بما يسمح بتطوير التواصل المباشر بين المؤسسات الجزائرية ونظيراتها الأجنبية، ومناقشة مشاريع واتفاقيات تعاون محددة.

أما المرحلة الأكثر أهمية تتمثل في متابعة مخرجات المشاركة بعد انتهاء المعرض. وفي هذا الإطار، يمكن إرساء آلية تنسيق مؤسساتية تجمع وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، ووزارة الشؤون الخارجية، والغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة، والشركة الجزائرية للمعارض والتصدير، إلى جانب الهيئات القطاعية المعنية.

وتتولى هذه الآلية متابعة الاتصالات والفرص التي تم تحديدها، وتصنيفها حسب درجة نضجها، وتحديد الجهات المكلفة بمرافقتها، والحرص على تحويلها إلى مفاوضات واتفاقيات وعقود تجارية ومشاريع استثمارية.

كما يمكن إنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة لمتابعة فرص الأعمال والشراكات التي تنشأ خلال المعارض، بما يسمح بتوفير رؤية واضحة حول تطورها، وتحديد العراقيل التي قد تواجه تجسيدها، وتسهيل التنسيق بين مختلف المؤسسات المتدخلة.

وفي هذا المسار، يتعين تعزيز دور البعثات الدبلوماسية الجزائرية في مرحلة ما بعد المعرض، من خلال مواصلة التواصل مع الشركاء الأجانب، وتنظيم لقاءات متابعة، وتوفير المعلومات المتعلقة بالأسواق والبيئة القانونية والتجارية، والمساهمة في تذليل الصعوبات التي قد تواجه المؤسسات الجزائرية.

ومن جهة أخرى، فإن تطوير آليات الدعم والمرافقة المالية للمؤسسات المشاركة يمثل عاملاً مهماً في تحسين مردودية هذه التظاهرات. فالجهود المبذولة في دعم المشاركة الجزائرية في المعارض الدولية، لاسيما من خلال الصندوق الخاص لترقية الصادرات، توفر قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع استفادة المؤسسات الوطنية، وخاصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمصدرة منها.

ويستدعي ذلك ربط الدعم المالي ببرامج تجارية واضحة، ومرافقة المؤسسات في مجالات المطابقة للمعايير الدولية، والتسويق، والخدمات اللوجستية، والتمويل، بما يعزز قدرتها على تحويل فرص المشاركة إلى عمليات تصدير فعلية.

كما ينبغي اعتماد مؤشرات موضوعية لتقييم النتائج، لا تقتصر على عدد التظاهرات والمشاركين، بل تشمل قيمة العقود التجارية المبرمة، وعدد الشراكات الصناعية والتكنولوجية، وحجم الاستثمارات المستقطبة، والأسواق الجديدة التي تم الولوج إليها، ومناصب الشغل التي تساهم المشاريع المنبثقة عن هذه الشراكات في خلقها.

إن اعتماد هذه المقاربة من شأنه أن يعزز استمرارية العلاقات الاقتصادية، ويمنح للمشاركة الجزائرية في المعارض الدولية بعداً استثمارياً وتجارياً أكثر فعالية.

كلمة ختامية نحو دبلوماسية اقتصادية قائمة على النتائج

في الختام أظن أن تطوير دور المعارض والصالونات في الجزائر يندرج ضمن رؤية أوسع تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وتنويع الصادرات، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع الحضور الاقتصادي الجزائري في الأسواق الدولية.

وتتوفر الجزائر على مؤسسات تنظيمية وتجارية ودبلوماسية، وعلى خبرة متراكمة في تنظيم التظاهرات الاقتصادية والمشاركة فيها. وتمثل هذه المكتسبات قاعدة مهمة للانتقال إلى مرحلة جديدة، قوامها تعزيز التنسيق المؤسساتي، وتوجيه المشاركات وفق أولويات اقتصادية واضحة، وتطوير آليات متابعة وتقييم النتائج.

كما أن التحولات التي تشهدها الأسواق الإفريقية، والفرص التي تتيحها مشاريع التكامل الإقليمي والقاري، تجعل من المعارض والمنتديات الاقتصادية فضاءات مهمة لتعزيز حضور المؤسسات الجزائرية وتطوير الشراكات مع الفاعلين الاقتصاديين في القارة.

ومن هذا المنطلق، فإن التوجه المستقبلي ينبغي أن يقوم على ترابط السياسات التجارية والاستثمارية والصناعية مع أدوات الدبلوماسية الاقتصادية والثقافية، بما يجعل كل تظاهرة اقتصادية فرصة لتعزيز مكانة الجزائر وبناء علاقات تعاون مستدامة.

إن الرهان الاستراتيجي لا يكمن في تنظيم المزيد من المعارض أو توسيع حجم المشاركة فيها فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تحول هذه التظاهرات إلى أدوات لإنتاج الفرص الاقتصادية، واستقطاب الاستثمارات، وتدويل المؤسسات الجزائرية.

فالمعرض الناجح ليس الذي ينتهي بانتهاء فعالياته، بل الذي تبدأ نتائجه الحقيقية بعد اختتام أبوابه، من خلال الشراكات التي يطلقها، والاستثمارات التي يستقطبها، والأسواق التي يفتحها، والقيمة المضافة التي يساهم في خلقها للاقتصاد الوطني.

وهكذا، يمكن للمعارض والصالونات أن تتحول من مجرد فضاءات للترويج الاقتصادي إلى أدوات استراتيجية للدبلوماسية الاقتصادية، تساهم في تعزيز إشعاع الجزائر، وترقية مصالحها الاقتصادية، وترسيخ حضورها كشريك فاعل في محيطها الإقليمي والدولي.

wassila kerbadj

صحافية بقسم الإقتصاد بجريدة أصوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *