محمد بوعزارة يحاضر عن دور الإعلام الخطاب السياسي في تحصين الهوية وتعزيز الوحدة الوطنية
شهرزاد,ج
ألقى الكاتب والإعلامي محمد بوعزارة محاضرة بالمكتبة الوطنية بالحامة في إطار ندوة للمنظمة الوطنية للمحافظة على الذاكرة التاريخية التي ترأسها عبد الكريم خضري و نشطها ا حمدي بركاتي و حضرتها عدة شخصيات إلى جانب العديد من تنظيمات المجتمع المدني، و قد نشط هذه الندوة التي شارك فيها عدد من الأساتذة بمحاضرات تركزت حول موضوع تعزيز الوحدة الوطنية، وقد اختار بوعزارة الحديث عن دور الإعلام الخطاب السياسي في تحصين الهوية وتعزيز الوحدة الوطنية .
الربيع العربي أبهر قاصري النظر ومحدودي الفكر فقط
وانطلق محمد بوعزارة في محاضرة من الربيع العربي الذي قال أنه أبهر بعض قاصري النظر محدودي الفكر سواء في بلادنا أو في بعض البلدان العربية و من بينها تونس و سوريا و اليمن و ليبيا و مصر مع مطلع 2011 بما وُصف بثورة الربيع العربي، حيث ساهم عدد من الشباب ليس في الإطاحة بأنظمة تلك الدول التي كان بعض حكامها للأسف يسعون إلى تكريس ما وُصف بالجملكيات مما أدى إلى تقبل بعض الأفكار الهدامة التي كانت تحمل شعاراتُها البراقة تلك الثورات المضادة التي أطاحت بأنظمة تلك الدول و تسببت في حالات تدميرية لتلك الدول حيث ما تزال آثارها و ارتداداتها متلاحقة إلى اليوم.
وقد أكد في مداخلته أن مسألة الانبهار هذه و التي تحمل الكثير من المخاطر على الشباب و على البلد ككل و التي يمكن أن تُضعف الهوية و تعمل على ضرب الوحدة الوطنية و المسِ بالأمن القومي لبلدنا و لبلدان أخرى كما حدث في بلدان الربيع العربي لا يمكن مواجهتها إلا بالعمل الفكري و الإعلامي و السياسي و الديني و الثقافي لتحصين الهوية و تعزيز قيم الوطنية، لأن الانبهار بالآخر قد يصبح مدمرا للدول و مُفتِّتًا لوحدة ا لشعوب .
الهوية الجزائرية الضاربة في عمق التاريخ عامل قوي لتعزيز الوحدة الوطنية
,اكد بوعزارة على مسألة الهوية قائلا ” إذا كانت الهوية الجزائرية الضاربة في عمق التاريخ هي ما تميزنا عن الآخرين في هذا الوطن الذي نتقاسم تربته و نقيم فيه و تجمعنا مع ساكنيه المصالح و الأهداف و الحقوق و الواجبات ، فإن بين من عناصر هذه الهوية كذلك اللغة و الدين و التاريخ و الثقافة و العادات و التقاليد ، و هي جميعها تجعلنا نتقاسم الحاضر و نتطلع للمستقبل ، و هذه العناصر المشكِّلة للهوية هي عاملٌ قوي و فعال لتعزيز قيم الوطنية.و الأكيد أن الوطنية هي التكريس النهائي لحب الوطن و التعلق به و الدفاع عن مصالحه المختلفة اقتصاديا و ثقافيا و معرفيا و العمل على رقيه في أوقات السلم و الذود عن حماه و التصدي لأعدائه وقت الحرب أو خلال العدوان عليه بأي شكل من الأشكال الظاهرة أو الخفية.
مضيفا “و بالنسبة لي فإن تعزيز قيم الوطنية تتقاسمها عدة أطراف تشترك في هدفٍ واحد وهو خدمة مصلة الوطن حمايته و الدفاع عنه في أوقات السلم و أثناء الحرب ، و في اعتقادي أن المسَّ بعناصر الهوية من شأنه أن يتسبب في إضعاف الروح الوطنية أو النيل منها” .
دور الاتصال و الإعلام و رجال و نساء السياسة في تحصين الهوية و تعزيز الوطنية من خلال ممارسة الوطنية الواعية
وجاء في المداخلة أن الإعلام و الاتصال بمختلف وسائطه في مختلف العصور و المراحل يشكل دورا مهما في هذه العملية، و تزداد أهمية و قيمة هذه الوسائل في الوقت الراهن خصوصا بعد التطورات التي شهدها العالم بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت توصف بأنها (إعلام من لا إعلام له ) نظرا لأسباب عدة أبرزها السرعة في عملية التدفق و البث أو النشر للخبر أو للمعلومة ، و من ثمة الانتشار الواسع للمعلومة التي يمكن أن تُلهم الناس في حالة الإيجاب و تحفزهم أو تجعلهم يقتنعون و يواجهون في المقابل أي خطر يتهدد بلادهم ، بل إن المعلومة يمكن أن تشكل في حالة السلب عنصرا عكسيا مما يحتم على مختلف الوسائل و بالخصوص ما يوصف بالقنوات الثقيلة عمومية كانت أو خاصة أن تعمل على استحداث برامج نوعية عالية الجودة من حيث المضمون و الشكل ، و تكون هذه البرامج موجهة لمختلف الفئات و الشرائح، و أن تبتعد عن التهريج و الشعارات الجوفاء و أن تكون الرسائل المرسلة بسيطة و لكنها عميقة في مضامينها ، وأن تسند عملية القيام بها للمتخصصين في مختلف العلوم و المعارف و خاصة في علم الاتصال و التاريخ خصوصا الذين يحسنون استخدام المعلومة و يتفننون في طريقة إرسالها و إيصالها بكيفية مقنعة و بشكل جذاب بالأسلوب غير المباشر لإحداث أثر إيجابي في نفوس المتلقين .
مؤكدا أن استحداث برامج دينية ذات مستوى عال و برامج ثقافية و تاريخية تعمق مفهوم الناس في فهم و إدراك تاريخ بلدهم و ثقافته و بمساهماته في صنع الحضارة الإنسانية و دورها الريادي في صنع التاريخ العالمي ككل من شأنه أن يجعل الهوية لا تتعرض للخدش أو الذوبان ، بل و يجعل الوطنية بمنأى عن التشوهات و التي قد تصيبها من الباعثين على استحداث الفرقة و بث الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ، بل إن كل ذلك يجعل الناس يعتزون بوطنهم و بتاريخهم و هو ما يُقوي لحمة الوطنية بينهم.
السياسة عنصر أساسي في تهذيب الحياة العامة للشعوب
ولم يهمل محمد بوعزارة في المحاضرة التي ألقاها الدور الفعال للسياسة حيث قال أنه ما من شك أن السياسة عنصر أساسي في تهذيب الحياة العامة للشعوب و قيادة الأمم و رشادة التسيير، و إذا كانت الأحزاب السياسية قد وُجدت لممارسة السياسة وفق القواعد القانونية لدستور كل دولة و سعيا لتكريس قيم الديمقراطية القائمة على المنافسة الشريفة ، فإن من أهداف الأحزاب السعي إلى الوصول للسلطة عن طريق الانتخابات .
و من هذا المنظور حسب بوعزارة فإن الأحزاب التي هي مؤسسات قائمة بذاتها و تسعى للوصول إلى السلطة محكوم عليها وضعُ برامجَ شاملة يسهر على إعدادها نخبة من القيادات الحزبية المتشبعة بالفكر و النضال و الوطنية و تمتلك الرؤية الفكرية و البرامج و الخطاب المقنع الذي يقوم به رجالات و نساء قادرون على فن الخطابة و على الحوار و على الإقناع .
إن هذا الخطاب السياسي هو واحد من عناصر قوة الأحزاب في التأثير على الناس و جعلهم يؤمنون بالبرامج و بسياسة هذا الحزب أو ذاك و يسعون لتطبيقه في الميدان ، و من ثمة فإن الخطاب السياسي لهذا الحزب أو ذاك من خلال منظومة الأفكار التي يحملها يشكل بوتقة لغرس مجموعة من القيم بما فيها تحصين الهوية و تعزيز الوحدة الوطنية.
و في المقابل فإن الخطاب الأجوف الفارغ سيتحول إلى خطاب باعث على النفور و انعدام الثقة ، بل قد يصبح عنصرا يبعث على استحداث بؤر توتر داخل الحي و داخل القرية و المدينة، و ربما في الوطن بأسره، ويساهم في تأزيم الوطنية كما نلاحظه في خطابات بعض الرديئين الذين لا يعرفون فنيات السياسة، و لدى بعض المرتزقة والموتورين الذين ينفذون برامج و أجندات أجنبية حاقدة على هذا الوطن تسعى إلى الفرقة والتشتيت. و لذلك فلابد من بر وز نخبة تظم مختلف الفئات المجتمعية لمواجهة التهديدات التي تحاول المس بأمن ترابنا و بوحدة وطننا و تماسك شعبنا .
مضيفا éفقد كانت هذه الوحدة بالأمس هي الجدار السميك الذي واجه به شعبنا مختلف الحملات و الاعتداءات الاستعمارية المسعورة، و تصدى لها عبر العصور منذ جسد الإسلام وحدة هذه الأمة عربها و أمازيغها قبل أربعة عشر قرنا، و لنا في العديد من المقاومات الشعبية ثم في ثورة أول نوفمبر العظيمة و في مواقف رجالاتها و نسائها و خطابهم المقنع الجامع و الموحد الأثر الطيب الذي نقتدي به و الذي جعل انتماء شعبنا للإسلام و للجزائر يَقِوى على الجهة و العرش و على الدشرة و على القرية و المدينة ، بل و جعل الشعب الجزائري في غالبيته الساحقة يلتف حول تلك الصفوة من الرجال الصادقين المتشبعين بالوطنية و بمجموعة الأفكار التي حملوها معهم في بيان أول نوفمبر الذي بات يشكل اليوم مرجعية فكرية وسياسية لكل من يؤمن بوحدة الشعب و الانتماء للوطن ، و هي العناصر التي مكنت شعبنا من أن يفتك حريته و يستعيد استقلاله و أمجاده .
و قد كانت هذه الوحدة على الدوام هي الصخرة التي تحطمت أمامها كل المحاولات التي قام بها الاستعمار و أذنابه لتأبيد احتلال الأرض و استعباد الشعب .
و ختم محمد بوعزارة مداختنه بالقول أنه لابد من الحفاظ على هذه الوحدة الوطنية و تعزيز مقوماتها و تفويت الفرصة على كل من يحاول النيل منها في بعدها الشامل الترابي و الإنساني و الذي رسمت معالمه تضحيات المقاومين و الشهداء على امتداد تاريخ هذا الوطن . دور الإعلام و الخطاب السياسي في تحصين الهوية و تعزيز الوحدة الوطنية.

