الثقة بين الدولة والمواطن: أي دور للجماعات المحلية ‏

بقلم : الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام

مع كل إستحقاق إنتخابي وبملاحظة مواقف الناخبين وتصريحاتهم في الواقع ومواقع التواصل ‏الإجتماعي، يظهر ميزان الثقة بين الدولة والمواطن، الثقة التي تعتبر أساس بناء الدول والمجتمعات مثل ‏ما أشار إليه المفكر الصيني “كونفوشيوس ‏CONFUCIUS‏” عندما سُئِل عن أركان الدولة، فأشار ‏إلى أنها تتكون من ثلاث أركان أساسية هي:‏

‏* الاقتصاد؛‏

‏* الجيش؛‏

‏* الثقة؛‏

ثم سئل عن أي الأركان يمكن أن يُتخلى عنه؟ فقال أنه يمكن التخلي عن الجيش والإقتصاد إلا ‏‏”الثقة”، التي تزول الدولة بزوالها وتشتد قوتها بمتانتها، وهو كان يقصد الثقة بين الحاكم والمحكوم أي ‏العلاقة بين الدولة والمجتمع.‏

إن تقسيم الدول عادة ما يكون مزدوجا، أي أن هناك حكومة مركزية في العاصمة الإدارية تدير ‏شؤون البلاد لعدة أقاليم منها بطريقة مباشرة، وهناك أقاليم بعيدة عن المركز لم تستطع الحكومات ‏المركزية إدارتها نظرا لشساعتها، فعهدت بإدارتها إلى حكومات محلية، وتختلف تسمية هذه الحكومات ‏المحلية من دولة إلى أخرى، مع العلم أنها تسمى في الجزائر بــ”الجماعات المحلية” المحصورة في “البلدية” ‏و”الولاية” بناء على الدستور.‏

الدور الأول للجماعات المحلية في الجزائر وفق ما نص عليه قانون البلدية 11-10 والولاية ‏‏12-07 هو تحسين الإطار المعيشي للمواطن، ما يعطي لهذه المؤسسات ميزة الإحتكاك المباشر ‏معه، ومن هنا يظهر مدى رضاه على الحكومة بصفة عامة بناء على الخدمات التي يتلقاها من البلدية ‏أو الولاية، لذلك فإن جزءً من تحليل مدى تراجع العلاقة بين الدولة والمواطن يجد تفسيره في تدهور ‏أوضاع البلديات والولايات، ولو مارست هذه المؤسسات أدوارها كما يجب بناء على الصلاحيات ‏الممنوحة لها وفق الدستور والقوانين واللوائح والتنظيمات، لوجدنا المشاركة السياسية في أعلى مستوياتها ‏أيام الإستحقاقات، رئاسيةً كانت أو تشريعيةً أو محليةً، لذلك نقول ونعيد ونكرر أن الرهان القادم ‏بعد رئاسيات 07 سبتمبر هو رهان الجماعات المحلية، بجعلها مؤسسات للتنمية وقاطرة لها وجزءًا لا ‏يتجزأ من الاقتصاد الوطني. ‏

منذ أول ندوة وطنية لرؤساء المجالس الشعبية البلدية المنعقدة بتاريخ 27 فيفري 1967، ‏توضحت مكانة الجماعات المحلية في الجزائر، كونها مؤسسات تربط السلطة بالمواطن، حيث قام ‏الرئيس “هواري بومدين” بعقد الندوة التي تحولت فيما بعد إلى هيئةٍ إستشارية، وشكلت مخرجاتها ‏أساسا لصياغة قانون البلدية رقم 67-24 والولاية 69-38، كانت السلطة المركزية بحاجة إلى ‏تكثيف إتصالاتها بالقاعدة الشعبية، للتعرف على الإنطباعات السائدة للجماهير جراءَ المحاولة ‏الإنقلابية سنة 1967، وللتعرف على موقف المواطن من النظام السياسي القائم، حيث يقول ‏الأستاذ “صالح بلحاج” رحمه الله في كتابه “المؤسسات السياسية والقانون الدستوري” ضمن ‏الصفحات 85 و86: “ما إن أفتتحت الجلسة الأولى حتى تناول الرئيس هواري بومدين الكلمة، ‏فحث المشاركين فيها ‏على عدم التهيب من طرح مشاكلهم…موضحا أن هذه الندوة مناسبة جديدة ‏لطرح المشاكل التي ‏تهمكم وتهم بلديتكم، كما أنها فرصة لكي تناقشوا هذه المشاكل بنزاهة مع ممثلي ‏الحزب والدولة…”‏، وهو ما يثبت طرحنا القاضي بأن أي إحتكاك بالمواطن يجب أن يكون إنطلاقا ‏من البلدية أو الولاية.‏

لطالما شكلت البلدية والولاية نقطة إرتكاز مهمة في تنفيذ السياسات العمومية من خلال ما ‏تنفذه من برامج للتنمية، كالمخططات البلدية للتنمية (‏PCD‏) والبرامج القطاعية للتنمية (‏PSD‏)، ‏المتضمنة أغلفة مالية تغطي 1541 بلدية و58 ولاية، وعلى الرغم من هذه التخصيصات، إلا أن ‏العشرية الماضية أفرزت لنا ما يقارب 951 بلدية فقيرة تنتظر الدعم من السلطة المركزية، ناهيك عن ‏مشاكل عقيمة في التسيير تشكل حالات الإنسداد في بعض المجالس الشعبية البلدية أهمها، ناهيك ‏عن ظاهرة المنازعات القضائية في قطاع الجماعات المحلية، التي أشار إليها مجلس المحاسبة كذلك في ‏تقريره لسنة 2023، أين بلغت قيمة الإقتطاعات الإجبارية الناتجة عن تنفيذ إدانات مالية ضد ‏الجماعات المحلية 41 مليار دج، وهي أمور مهمة جدا يجب أن تركز عليها قوانين البلدية والولاية ‏المزمع إصدارهما بعد إنتخابات 07 سبتمبر 2024.‏

نظرا لما شغلته الجماعات المحلية كمؤسسات تربط السلطة بالمواطن، فإن أي رضىً أو سخطٍ ‏على الخدمات الحكومية، أو حتى الإقتناع بضرورة مشاركة المواطن في الإنتخابات، تكون بالنظر إلى ‏القيمة التي حققتها الجماعات المحلية بالنسبة لإطاره المعيشي، ويتطلب هذا الطرح إلتفات السلطة ‏المركزية إلى إصلاح قطاع الجماعات المحلية، وتذليل الصعوبات القائمة بينه وبين الوصول إلى أهدافه، ‏خاصة وأن هذا القطاع ينتظر قانونا أساسيا جديداً يتوقع أنه سيحمل إصلاحات جديدة في ‏الصلاحيات والتمويل المحلي، والتخلص من ظاهرة البلديات الفقيرة التي تنتظر الدعم سنويا من ‏الدولة، نقدم في هذه المساهمة إقتراحات جديدة تثري القانون قبل صدوره، أو تُعِين المسؤولين المحليين ‏من ولاة ومنتخبين على إستثمار الفرص بعد صدور القانون الجديد:‏

‏1. تعديل القانون العضوي للإنتخابات خاصة في النقاط المتعلقة بشروط الترشح، مع إشتراط أن ‏يكون جل الأعضاء في القوائم الإنتخابية من الذين يمتلكون مؤهلاً علمياً أو عملياً؛

‏2. إعادة هندسة الكم الهائل من البلديات بإعتماد معايير إقتصادية وديموغرافية في التقسيم؛

‏3. تخفيف ثقل الوصاية الإدارية أثناء المصادقة على الميزانية المحلية، ناهيك عن الإجراءات المعقدة التي ‏تحكم تنفيذها؛

‏4. تطوير نقطة ضعف مكانة الجزائر على مؤشر الحكومة الإلكترونية (‏EGDI‏)، بتحسين مؤشر ‏خدمة الإنترنت (‏‎(OSI، والتحسين المستمر لباقي المؤشرات؛

‏5. التركيز على تفويض المرافق الإقتصادية التي عجزت البلديات أو الولايات عن تثمينها؛

‏6. تحيين نظم تكوين الموارد البشرية لتواكب المستجدات القانونية، مع التركيز على التكوين أكثر في ‏المجالات التقنية؛ ‏

‏7. رقمنة الضرائب، مداخيل الأملاك، سجلات العقارات، الرقابة على الميزانية، البيانات الشخصية؛

‏8. إعادة النظر في حصة البلديات والولايات من الضرائب والرسوم، مع إلزامية تثمين الجماعات المحلية ‏لجميع موارد جبايتها بما فيها الرسوم البيئية؛

09. إعادة النظر في معايير منح إعانات صندوق التضامن والضمان، وتغيير هدف منحها من إعانات ‏للتسيير والتجهيز، إلى –وإضافة لها- إعانات لتشجيع الإستثمار المنتج.‏

‏10. تغيير منطق منح تخصيصات ضخمة لبرامج التجهيز غير المنتجة على حساب برامج ‏الإستثمار…‏

نواصل دائماً في سياق إثراء مشروع إصلاح قانون البلدية والولاية، والتي تمس جوانب عديدة من ‏عمل الجماعات المحلية في الجزائر، بغية معالجة جوانب مهمة من إشكالية العلاقة بين الدولة والمواطن:‏

‏11. منح فرص تمويل أفضل للأحزاب السياسية بغية تفعيل دورها في تأطير المنتَخَبين وتكوينهم؛

‏12. رد الإعتبار دستورياً لنظام المقاطعات الإدارية والدوائر، والتوضيح أكثر في الإجراءات التي تمس ‏البلديات ذات التدابير الخاصة الواردة في التعديل الدستوري لسنة 2020؛

‏13. تشجيع الجماعات المحلية على إقامة مؤسسات عمومية محلية منتجة في إطار تعزيز مقاربة الأمن ‏الغذائي والصحي والطاقوي؛ ‏

‏14. إعادة النظر في برامج تكوين مكاتب الدراسات لتواكب المتطلبات القانونية، المتعلقة بضرورة مراعاة ‏عوامل النضج الكافي والإستشارات الفنية للمشاريع والصفقات؛

‏15. إلزام مصالح الصفقات العمومية بتبني بند “التسوية الودية للمنازعات”، للحيلولة من ظاهرة الإدانات ‏المالية ضد الجماعات المحلية في مجال الصفقات العمومية؛ ‏

‏16. إلزام الجماعات المحلية بتثمين أملاكها العقارية المنتجة للمداخيل، مع رقمنة سجل الأملاك العقارية ‏‏والمنقولة، يتم تحيينه دوريا بحسب ما يتم تثمينه أو إنجازه من أملاك، وبحسب ‏التغييرات الواردة في قانون ‏الأملاك الوطنية؛‏

‏17. منح الإعانات للجمعيات بشكلٍ متساوٍ دون تفضيل مجال على آخر، مع تبني معايير خاصة ‏بالقيمة ‏المضافة التي يمكن أن تقدمها الجمعيات، كأن توجه الإعانات للجمعيات المهنية المنتجة في مجال ‏الصناعات التقليدية، إضافةً للجمعيات البيئية والسياحية والصحية؛

‏18. نوصي بإعادة النظر في بعض الضمانات الممنوحة للجمعيات في ‏مجال التأسيس أو النشاط، والرجوع ‏لما تم منحه من ضمانات قضائية في ظل قانون الجمعيات 90/31؛ ‏

‏19. التقييم الدقيق للإعتمادات الممنوحة في إطار إنجاز برامج التجهيز بغية حماية المال العام؛‏

‏20. منح قروض للجماعات المحلية بغية إقامة مشاريع إقتصادية منتجة؛

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *