فيروز ووردة ..حين غنّت الأوطان بصوت امرأتين
ليست الأوطان دائماً خرائط وحدوداً وأعلاماً ترفرف فوق المباني الرسمية، فبعض الأوطان تختصرها أغنية، أو يحملها صوت يعبر البحار والجبال دون جواز سفر. هكذا كانت فيروز للبنان، وهكذا كانت وردة للجزائر.
بقلم : سارة محمد مرزوڨي
لم تكن فيروز مجرد مطربة لبنانية، بل كانت صورة لبنان الذي حلم به أبناؤه: جبال خضراء، وقرى معلقة على سفوح الزمن، وأجراس كنائس تمتزج بنداءات المآذن في سمفونية شرقية نادرة. حين كانت تغني لبيروت، كانت المدينة تخرج من الحرب أكثر جمالاً مما كانت عليه في الواقع، وحين كانت تغني للحب، كان لبنان كله يبدو كأنه قصيدة طويلة كتبت على ضوء القمر.
أما وردة الجزائرية، فقد حملت في صوتها شيئاً من شخصية الجزائر نفسها؛ القوة والعاطفة والكبرياء. جاءت من بلد صنع تاريخه بالدم والتضحيات، فكان صوتها ممتلئاً بالحياة، قادراً على الانتقال من الرقة إلى العنفوان في لحظة واحدة. كانت وردة تغني للحب كما لو أنها تدافع عن قضية، وتغني للوطن كما لو أنها تروي سيرة شعب كامل.
اللافت أن كلاً منهما تجاوزت حدود بلدها دون أن تتخلى عنه. ففيروز أصبحت صوتاً عربياً جامعاً، لكنها بقيت تحمل لبنان في كل نبرة من نبرات صوتها. ووردة صنعت مجدها الفني في القاهرة، لكنها ظلت تحمل اسم الجزائر أينما ذهبت، حتى أصبح لقب “الجزائرية” جزءاً من هويتها الفنية لا ينفصل عنها.
لم تدخل فيروز ووردة في منافسة حقيقية، لأنهما كانتا تنتميان إلى عالمين مختلفين. كانت فيروز تشبه الصباح الهادئ الذي يتسلل إلى النوافذ دون استئذان، بينما كانت وردة تشبه المساء العربي الصاخب المليء بالشجن والحنين. الأولى همسة عذبة، والثانية موجة من المشاعر المتدفقة، لكنهما التقتا في شيء واحد: القدرة على تمثيل أوطانهما بأبهى صورة.
في زمن أصبحت فيه الشهرة سريعة الزوال، ما زال صوت فيروز يوقظ المدن العربية كل صباح، وما زالت أغنيات وردة تسكن الأفراح والذكريات. وكأن لبنان والجزائر اتفقا، دون موعد مسبق، على أن يقدما للعرب سفيرتين استثنائيتين لا تحملان حقائب دبلوماسية، بل تحملان الموسيقى.
وربما لهذا السبب، كلما غنت فيروز شعر اللبناني أن وطنه أجمل مما يراه، وكلما غنت وردة شعر الجزائري أن وطنه أكبر من الجغرافيا. وذلك هو الانتصار الحقيقي للفن: أن يجعل الناس يحبون أوطانهم أكثر.


