اللجنة الوطنية لمراجعة قانون البلدية والولاية: أي رهانات مطروحة؟

 

بقلم الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام

نظرا لأهمية الموضوع، سبق وأن تناولنا موضوع الثقة بين الدولة والمواطن في مقالات سابقة ‏وربطه بدور الجماعات المحلية، على أساس أن مؤسسة البلدية والولاية هي نقطة الإنطلاق في إعادة ‏ترميم جسور هذه الثقة، ونعيد طرح نفس الموضوع لكن بصيغة أخرى تركز على الأطر القانونية، نظرا ‏لما عرفته الساحة السياسية في الأيام القليلة المنصرمة من تنصيبٍ لـ “اللجنة الوطنية لمراجعة قانون ‏البلدية والولاية”، التي ضمت في عضويتها بحسب بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية الأعضاء:‏

‏*السید دحو ولد قابلیة وزیر الداخلیة والجماعات المحلیة الأسبق، رئیسا للجنة، ‏

‏*السید عبد الله منجي الأمین العام لرئاسة الجمهوریة، نائبا لرئیس اللجنة،

‏*خمسة (05) أعضاء من مجلس الأمة؛ ‏

‏*خمسة (05) نواب من المجلس الشعبي الوطني؛ ‏

‏*خمسة (05) ولاة؛ ‏

‏*خمسة (05) رؤساء مجالس شعبیة ولائیة؛ ‏

‏*خمسة (05) مديري تقنین والشؤون العامة للولایات؛ ‏

‏*خمسة (05) رؤساء مجالس شعبیة بلدیة‎.‎

إذا كان للتنمية المحلية مرتكزات تكون الجماعات المحلية هي الأعمدة التي تستند عليها، لذلك ‏نكاد نجزم أنَّ أيَّ إخفاقٍ في تحسين الإطار المعيشي، قد يعود تفسيره إلى تراجع دور البلدية والولاية، ‏لأنهما بحسب ما ورد في إطارهما القانوني رقم 11/10 و12/07، تساهمان مع الدولة بصفة خاصة ‏في إدارة وتهيئة الإقليم والتنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والأمن، وكذا الحفاظ على الإطار ‏المعيشي للمواطنين وتحسينه.‏

جاء تنصيب هذه اللجنة من إعتبارات الوعود الانتخابية المقدمة من طرف الرئيس “عبد المجيد ‏تبون”، ونظرا لما شهده قطاع الجماعات المحلية من إختلالات في التسيير ميزت العشرية الماضية، ‏خاصة ظاهرة البلديات الفقيرة التي قارب عددها 958 بلدية من أصل 1541، بحسب ما ورد في ‏تقرير مجلس المحاسبة لسنة 2022، يضع هذا على عاتق اللجنة مسؤولية كبيرة تتعلق بضرورة تضمين ‏قانون البلدية والولاية القادمين بآليات قانونية ومؤسساتية للقضاء على هذه الإختلالات.‏

‏ ومنه سيكون تركيزنا في هذه المساهمة منصبا على نقد منطق القانونين 11/10 و12/07.‏

حافظ القانون رقم 11/10 المتعلق بالبلدية على مكانتها التي حظيت بها منذ الإستقلال، بل ‏وأعطاها مرتبةً أعلى من الولاية حين نص في المادة 01 على أن البلدية هي: “الجماعة الإقليمية ‏القاعدية للدولة، تتمتع بالشخصية المعنوية والذمة المالية المستقلة”. لو نركز هنا على كلمة قاعدية، ‏نلتمس إرادة السلطة المركزية الهادفة إلى إشراك المؤسسة البلدية في تحديد إحتياجاتها ووضع برامجها ‏وتنفيذها.‏

حمل القانون رقم 11/10 المتطلبات الضرورية لعمل المؤسسة البلدية من إدارة وتمويل، وأبلغ ‏صراحةً على وجوب تمتعها بكل الصلاحيات الضرورية لمباشرة مهامها، بقياداتٍ منتخبة تمثل الشعب ‏محلياً، فجاء في الباب الثاني المواد من 103 حتى 124 على أن صلاحيات البلدية تشمل: “التهيئة ‏والتنمية، التعمير والهياكل القاعدية والتجهيز، نشاطات البلدية في مجال التربية والحماية الإجتماعية ‏والرياضة والشباب والثقافة والتسلية والسياحة، النظافة وحفظ الصحة والطرقات البلدية…”. وهذه ‏الصلاحيات تبقى شكليةً إذا لم تنفذها البلدية كاملةً، ويقتضي تحقيق هذه الأهداف إعطاء البلدية ‏أدوات التأثير المناسبة (إدارة وتمويل) لمباشرة صلاحياتها.‏

من النقاط التي وجب تداركها من اللجنة هو نص المادة 180 من القانون 11/10، التي ‏يشوبها نوع من الغموض حقيقةً، حين نصت على أن: “يتولى الأمين العام للبلدية تحت سلطة ‏رئيس المجلس الشعبي البلدي إعداد مشروع الميزانية”، فإذا كان الأمين العام للبلدية المعين من ‏الوصاية، هو من يقوم بإعداد مشروع الميزانية تحت سلطة رئيس البلدية -ولا ندري إن كانت سلطةً ‏شكليةً أم حقيقيةً إذا ما ركزنا على مستوى رؤساء البلديات- فأين هي أدوار المجلس الشعبي البلدي؟ ‏ولماذا رئيس البلدية بالتحديد وليس المجلس كاملا؟.‏

يتطلب عمل “اللجنة الوطنية لمراجعة قانون البلدية والولاية” إعادة النظر في هذه المادة ‏وتصويبها، نحو إعطاء مكانة أفضل للمجلس الشعبي البلدي كاملا في إعداد مشروع ميزانية البلدية، ‏وليس التصويت عليها فقط، بغية ترسيخ مقاربة التسيير بالمشاركة المبني على إشراك جميع المنتخبين في ‏صياغة ميزانية البلدية وتنفيذها وتقييمها.‏

بقيت صلاحيات الأمين العام للبلدية محلَّ تضاربٍ في ظل القانون 11-10، فبالإضافة إلى ‏المادة 180، نصت المادة 129 على أن صلاحيات الأمين العام تشمل: “ضمان تحضير إجتماعات ‏المجلس الشعبي البلدي، تنشيط وتنسيق سير المصالح الإدارية والتقنية، ضمان تنفيذ القرارات ذات ‏العلاقة بالمداولات، تلقي التفويض بالإمضاء على جميع الوثائق المتعلقة بالتسيير الإداري والتقني ‏للبلدية”. فبالرغم من ورود الصلاحيات هذه تحت سلطة رئيس المجلس الشعبي البلدي، تبقى مساهمة ‏باقي المنتخبين ضعيفةً في تنظيم مصالح البلدية، ولا يكون المنتخب بهذا الشكل مخيراً في تنشيط ‏مصالح البلدية، بل بما يفرضه الأمين العام. ‏

نصت المادة 151 والمادة 205 من القانون 11-10 على أن: “يتولى أمين خزينة البلدية” ‏‏(المحاسب العمومي)، تحصيل الإيرادات وتصفية نفقات البلدية، وهو المكلف وحده وتحت مسؤوليته ‏بمتابعة تحصيل مداخيل البلدية، وكل المبالغ العائدة لها وصرف النفقات المأمور بدفعها. وهذه ‏ملاحظة أخرى تفيد بتراجع دور المجلس الشعبي البلدي في تحصيل إيرادات البلدية أو تصفية نفقاتها ‏أو تحصيل مداخيلها، على إعتبار أن هذه المسائل هي المرتكز المحوري في مالية البلدية. ‏

ضمن القانون رقم 11-10 بقيت المسائل المتعلقة بالميزانية وإتفاقيات التوأمة والحصول على ‏الهبات والوصايا والقروض والتسبيقات، تخضع للموافقة المُسَبَّقَة لوزير الداخلية والوالي معاً، طبقاً ‏للمواد 57، 171، 174. دون أن يقدم قانون البلدية رقم 11-10 أية ضمانة للبلدية في حال ‏فرض الوصاية منطقها، إذا كانت تتعارض مع منطق المجلس الشعبي البلدي في هذه المسائل.‏

‏ ومنه نرى أن المسائل المحورية (الإدارية والمالية) التي تساعد على السير الحسن للمؤسسة ‏البلدية، وتساعدها على الوصول إلى أهدافها تبقى خاضعةً لإرادة السلطة المركزية. فقد تتعارض ‏المصالح المحلية والوطنية، وقد تؤدي إلى حالات إنسدادٍ مثل ما شهدته بعض البلديات بعد إنتخابات ‏‏2021، وهو ما يزيد من حدة المشاكل السياسية داخلها، وفي هذه النقطة بالذات، هناك وجهتي ‏نظر يجب التوفيق بينهما نستعرضها في الجزء القادم. ‏

نواصل في سياق تقديم مقترحات تخص إثراء قانون البلدية، وتوقفنا المرة الماضية عند النقطة ‏المتعلقة بحالة تعارض المصالح الوطنية مع المصالح المحلية، وتحدثنا عن وجهتي نظر وجب التوفيق ‏بينهما، فما لا يظهر للعيان هو حالات الصدام بين المنتخبين وممثلي الوصاية (الولاة، الولاة ‏المنتدبون، الأمناء العامون، رؤساء الدوائر…التي غالباً ما تعطل برامج التنمية.‏

من وجهة النظر المحلية، القيام بالتنمية يتطلب وجود منتخبين على علمٍ بحاجات المنطقة، فتأتي ‏الفكرة نظرياً بإسناد السلطة إلى منتخبين ينتمون لتلك المناطق، كون أنهم الأدرى بالمتطلبات أكثر من ‏الإدارة المركزية، خاصة في دولة ذات مساحة جغرافية كالجزائر، يجعل من الصعوبة للسلطة المركزية ‏معرفة حاجات الإقليم كونها متواجدة على مستوى المركز، لذلك فإن التنمية يجب أن تتم بواسطة ‏المنتخَبين المحليين أنفسهم شريطة أن يضمن قانون الانتخابات كفاءتهم.‏

‏ لكن هل تصلح هذه الفكرة في الحالة الجزائرية؟ بمعنى ما الذي يضمن أن المنتخَب سيقوم ‏بدوره؟، ونقصد بالتحديد الإفرازات السلبية للنظام الإنتخابي قبل صدور القانون العضوي 21/01، ‏فبعض البلديات قد لا تصلح لها هذه الفكرة أساساً بالنظر إلى مستوى المنتخَبين، وهو ما يبرر وجهة ‏النظر المركزية.‏

فمن وجهة النظر المركزية وحفاظاً على الوحدة السياسية والإدارية والجغرافية للدولة وخوفاً من ‏تبديد المال العام، ترى السلطة المركزية بضرورة الوصاية على عمل البلديات، ولأن قانون الإنتخابات ‏لم يشترط أشخاصاً بمستويات علمية في الترشح -قبل 2021- فإن الوصاية والرقابة والسماح لممثلي ‏السلطة المركزية بالتدخل لضبط مسائل التسيير، يصبح أمراً أساسياً في مؤسسة البلدية ومثلها مؤسسة ‏الولاية، وليس الهدف هنا هو تقويض شرعية المنتخبين -لأن الإنتخابات ركن ضروري لصحة النظام ‏الديمقراطي- كما يراه معارضوا نظام الوصاية، بل لأن الوصاية ما هي إلا إجراءٌ إحترازي تضمن به ‏السلطة المركزية بقاءها على علم بمستجدات الأقاليم.‏

ومنه فالتوصية هنا تكون بوجوب مراعاة وجهتي النظر هذه عند تعديل قانون البلدية، وينطبق الأمر ‏على قانون الولاية الذي سنتحدث عنه في المساهمة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *