مقتضيات إصلاح قانون الولاية
بقلم الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام
ليست مؤسسة الولاية أكثر حظاً من المؤسسة البلدية في نصيبها من التحديات أو المشاكل، لأنه وبالمقارنة مع العديد من البلديات، تعتبر الولايات أكبر مستهلك لتخصيصات السلطة المركزية سواءً في شكل ميزانية أو إعانة، ما يحتم تسليط النظر على مقتضيات إصلاح إطارها القانوني كذلك، ولأن هذا الإصلاح يأتي من مسلمة الترابط الوظيفي بين البلدية والولاية، فإن إصلاح قانون البلدية يحتم كذلك التطرق إلى قانون الولاية رقم 12-07.
ظلت الولاية أيضاً مؤسسة إدارية أكثر منها سياسية في ظل القانون رقم 12-07، فعلى عكس الأمر رقم 69-38 الذي عرفها بأنها: “جماعة عمومية إقليمية ذات شخصية معنوية وإستقلال مالي، ولها إختصاصات سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية…”. وفق ما نصت عليه المادة 01. هذا الكم من الأهمية التي سطرها الأمر رقم 69-38 يكاد ينعدم في ظل القانون رقم 12-07، فمجال التأثير المسجل في ظل الأمر، يختفي نسبيا مع المادة 160 من القانون 12-07، حين نصت على أنْ: “يتولى الوالي إعداد مشروع ميزانية الولاية وعرضها على المجلس الشعبي الولائي، الذي يصوت ويصادق عليها وفق الشروط المنصوص عليها في هذا القانون”. وهو الآمر بصرف الميزانية طبقاً للمادة 107…ومن هنا فإن عصب نشاط الولاية الذي هو ميزانيتها يبقى مرتبطا بمركز الوالي.
إختلف الحال كثيرا في الأمر رقم 69-38، إذ كانت المبادرة بالدراسة والمصادقة على ميزانية الولاية من إختصاص المجلس الشعبي للولاية، حيث جاء في نفس القانون صفحة 517 على أنْ: ”يحدد مجلس الولاية -لكي يقوم بدوره في التنمية- أهداف العمل والتخطيط وتقدير الخطوط الرئيسية لبرنامجه المقبل، كما يدرس ويصادق على ميزانيته المعدة والمقررة والمنسقة، في إطار جديد ينطبق على الهياكل الإدارية الجديدة والإختصاصات الهامة للولاية…
ومنه فإن أردنا إعطاء المجالس الشعبية الولائية قوة الطرح والمساهمة في ميزانية الولاية، لابد من منحها أدوات التأثير المناسبة لذلك، والإعتراف بمهام ممثلي السلطة المركزية (الوالي) في مجالات التوجيه والتنسيق عند إعداد الميزانية.
نواصل دائما في نهج إثراء مقترحات إصلاح قانون الولاية 12-07، مركزين على أهمية إعطاء المجلس الشعبي الولائي أدوات التأثير المناسبة في التنمية المحلية.
لاحظنا دور الوالي في إعداد الميزانية وضبطها وتقديمها للمجلس الشعبي الولائي للتصويت عليها، في حين يتراجع دور رئيس المجلس الشعبي الولائي، بل لا نكاد نجد له أية صلاحيات في قانون الولاية 12-07، ولو على الأقل بصفته ممثلا للدولة أو الشعب، كما تم في قانون البلدية 11-10، الذي يعطي لرئيس البلدية صفة التمثيل المزدوج للدولة والشعب.
الشيء الذي ركز عليه قانون الولاية رقم 12-07 هو تنظيم مركز رئيس المجلس الشعبي الولائي من ناحية الإنتخاب، أو نهاية العهدة، أو إنهاء المهام، أو تمثيل الولاية في المحافل والتشريفات (المادة 72)، كما ركز قانون الولاية على الوالي ومنحه صلاحيات ضمن فصلٍ خاص به في الباب الثالث أسماه “سلطات الوالي” بصفته ممثلا للولاية والدولة.
وننوه هنا إلى أن مركز رئيس المجلس الشعبي الولائي بالنسبة للوالي ضعيف بالمقارنة مع مركز رئيس البلدية بالنسبة للأمين العام للبلدية، ونستدعي هنا مضمون المادة 180 من قانون البلدية 11-10، حين نصت على أن: “يتولى الأمين العام للبلدية تحت سلطة رئيس المجلس الشعبي البلدي إعداد مشروع الميزانية”، هذه المادة وإن أشرنا إلى جملة من التحفظات حولها في المساهمات السابقة، إلا أنها تعطي لرئيس البلدية مركز قوة عند إعداد الميزانية مقارنة بالأمين العام للبلدية، شيءٌ لم نجده عند النظر إلى مركز رئيس المجلس الشعبي الولائي والوالي، الذي يغلب الكفة لوالي الولاية.
نقول هذا بعد ملاحظتنا محاولة المشرع تغيير الولاية من جماعة إقليمية لامركزية في الأمر رقم 69-38 المتضمن قانون الولاية إلى “جماعة إقليمية للدولة… وهي الدائرة غير الممركزة…” في القانون 12-07، عكس الأمر 69-38، الذي إعترف صراحةً بلامركزية الولاية حين نص على أن الولاية: ”يجب أن تكون إذن الجماعة اللامركزية المزودة بجميع الصلاحيات التي تتطلبها مأموريتها الخاصة…”.
لا يمكن إنكار ما حققه قانون الولاية رقم 12-07 من ضمانات مقدمة لصالح المجلس الشعبي الولائي، وسنحاول هذه المرة أن نوصي بالإبقاء على أحد الآليات الجوهرية في حماية نظام المداولات، الذي يتشكل من مجموعة القرارات التي يتخذها المجلس الشعبي الولائي، ومن هذه الآليات هي التخفيف من فرط الوصاية الإدارية وإستبدالها بالرقابة القضائية كشرط للإبطال المداولات بصفة مطلقة من والي الولاية، وتمارس الرقابة القضائية هذه، المحاكم الإدارية المختصة.
نصت المادة 53 من قانون الولاية 12-07 على أن إعتبار بطلان مداولات المجلس الشعبي الولائي يكون في حالة: “المداولات المخالفة للدستور وغير المطابقة للقوانين والتنظيمات، التي تمس برموز الدولة وشعاراتها، غير المحررة باللغة العربية، الخارجة عن إختصاصه، المتخذة خارج الإجتماعات القانونية للمجلس، المتخذة خارج مقر المجلس الشعبي الولائي…”، مع إشتراط قيام الوالي برفع دعوى أمام المحكمة الإدارية المختصة إقليميا لإبطالها. عكس حالة البلدية التي يعلن الوالي بطلان المداولة بقرار معلل مباشرة وفق المادة 59 من القانون 11-10.
وفيما يخص البطلان النسبي، أكدت المادة 56 من قانون الولاية 12-07 على أنه: “لا يمكن لرئيس المجلس الشعبي الولائي أو أي عضو في المجلس يكون في وضعية تعارض مصالحه مع مصالح الولاية، بأسمائهم الشخصية أو أزواجهم أو أصولهم أو فروعهم إلى الدرجة الرابعة أو كوكلاء، حضور المداولة التي تعالج هذا الموضوع، وفي حالة المخالفة تكون هذه المداولة باطلة”، وبموجب المادة 57 يثير الوالي بطلان المداولة بموجب دعوى أمام المحكمة الإدارية قصد إلغائها ضمن الآجال المحددة بـ: 15 يوماً من صدورها بالنسبة للولاية. عكس ما أشارت إليه المادة 60 من قانون البلدية حين نصت: ”تبطل المداولة (المتخذة وفق حالة التعارض) بموجب قرار معلل من الوالي…” مباشرة.
ومنه فتبني الرقابة القضائية كشرط لبطلان مداولات المجلس الشعبي الولائي، وجب إبقائها في الإصلاح القادم وتبنيها كذلك في قانون البلدية، لأنها تعطي للمجالس المحلية المنتخبة ضمانة تحميها عند ممارسة صلاحياتها.
نستكمل تقديم مقترحات عملية يمكن تبنيها في إصلاح قانون الولاية، وهذه المرة مع حق الإطلاع على المعلومات المكرس بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020 وبالتحديد المواد 51، 52، و54.
عند المقارنة بين القانون 11-10 و12-07، نجد أن قانون البلدية كان أكثر تنظيما لإجراءات الإطلاع على المعلومات أكثر من قانون الولاية، فنصت الفقرة 02 من المادة 11 من القانون 11-10 على أن: “يتخذ المجلس الشعبي البلدي كل التدابير لإعلام المواطنين بشؤونهم وإستشارتهم حول خيارات وأولويات التهيئة…ويمكن إستعمال الوسائط والوسائل الإعلامية…”، أما المادة 14 فنصت على أن: “يمكن لكل شخص الإطلاع على مستخرجات مداولات المجلس الشعبي البلدي…”.
وأستتبع هذا الإجراء بالمرسوم التنفيذي رقم 16-190، المحدد لكيفيات الإطلاع على مستخرجات مداولات المجلس الشعبي البلدي والقرارات البلدية، حيث نص المرسوم في المادة 02 على أن: “يتخذ المجلس الشعبي البلدي كل التدابير لتسهيل إعلام الجمهور حول تسيير الشؤون المحلية…ويجب على المجلس إستعمال وتطوير كل الدعائم الرقمية الملائمة قصد ضمان نشر وتبليغ القرارات البلدية…”.
هذا تنظيم لم يمس مؤسسة الولاية في إطار ترقية حق الإطلاع على المداولات وفق الحالات المحددة قانوناً، المادة 18 من القانون 12-07، نصت بصفة ضمنية على أن: “يلصق جدول أعمال الدورة فور إستدعاء أعضاء المجلس…عند مدخل قاعة المداولات وفي الأماكن المخصصة لإعلام الجمهور…”، ثم نجد مبدأ علنية الجلسات في المادة 26 من نفس القانون، غير أن كيفيات الإطلاع على المداولات بقيت دون تنظيم عكس حالة البلدية التي نضمها المرسوم التنفيذي رقم 16-190.
في هذه الحالة وكما لاحظناه في العديد من البلديات والولايات (وليس كلها)، هو أنها لا تحتوي على موقع رسمي، كما أن نشرها لمداولاتها عن طريق الدعائم الرقمية نادرا ما يكون، لذلك وجب التأسيس لإطار قانوني يخص تنظيم كيفيات قيام المجالس الشعبية الولائية بنشر مداولاتها بإستخدام الدعائم الرقمية، وتجسيدا لحق الحصول على المعلومات المكرس بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020.
تعتبر موارد ميزانية الولاية من الأمور المهمة التي يجب التركيز على إصلاحها، إذ هي عصب نشاط الولاية، وتتنوع موارد وحجم تحصيلات الولاية بحسب قدراتها الضريبية والتنظيمية والإستثمارية، حيث نص القانون 12-07 في المادة 151 على أن: “تتكون موارد الميزانية والمالية للولاية بصفة خاصة مما يأتي:
1. التخصيصات؛
2. ناتج الجباية والرسوم؛
3. الإعانات وناتج الهبات والوصايا؛
4. مداخيل ممتلكاتها؛
5. مداخيل أملاك الولاية؛
6. القروض؛
7. ناتج مقابل الخدمات الخاصة التي تؤديها الولاية؛
8. جزء من ناتج حق الإمتياز للفضاءات العمومية، بما فيها الفضاءات الإشهارية التابعة للأملاك الخاصة للدولة؛
9. الناتج المحصل مقابل مختلف الخدمات”.
وحددت المواد من 152 إلى 156 تنظيم هذه الموارد.
بهدف ترقية الإستثمار كذلك أشارت المادة 146 إلى إمكانية قيام المجلس الشعبي الولائي أن ينشئ مؤسسات عمومية ولائية تتمتع بالشخصية المعنوية والإستقلال المالي، قصد تسيير المصالح العمومية. على أن تأخذ هذه المؤسسات شكل مؤسسة عمومية ذات طابع إداري أو مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي أو تجاري حسب الهدف المرجو منها.
الملاحظ لهذه المواد يرى حجم الفرص الممنوحة للولاية في إطار تنويع مواردها بعيداً عن الإعانات المركزية، أو إعانات صندوق التضامن والضمان للجماعات المحلية (CSGCL)، وهو ما يجب التركيز عليه في الإصلاح القادم، إذ على الولايات الإعتماد على نفسها في تنويع مواردها، لتتحول من مؤسسة لتلقي الإعانات المركزية إلى مؤسسة توفر مداخيل للخزينة العمومية، خاصة في شق مواردها الضريبية التي يجب أن تثمن وتحصل جميعها، أو عن طريق تشجيع إستثماراتها بإنشاء مؤسسات عمومية محلية ذات طابع إقتصادي وتجاري، خاصة وأن القانون يمنحها حق اللجوء إلى قرض إذا كان هدف الحصول عليه إقتصادي محض.
حاولنا الإحاطة بأهم النقاط التي يجب التركيز عليها في إصلاح قانون الولاية القادم، وكل ذلك يندرج ضمن ترقية مؤسسة البلدية والولاية من مجرد مؤسسات إدارية إلى مؤسسات تواكب بيئتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية.

