تغيّر تدريجي في خارطة الشركاء التجاريين وتفاؤل حكومي بإنتاج محلي واعد يغني عن الاستيراد
في خطوة أثارت انتباه الأسواق الدولية، كشف متعاملون أوروبيون أن الجزائر أبرمت صفقة ضخمة لشراء نحو 420 ألف طن من القمح اللين، عبر الديوان المهني الجزائري للحبوب، وذلك في إطار مناقصة دولية أُغلقت أول أمس الصفقة، التي نُقلت تفاصيلها عن وكالة “رويترز”، تعكس تحركًا استباقيًا من قبل الجزائر لتأمين احتياطاتها الغذائية في ظل التحديات العالمية التي تعرفها سوق الحبوب، لاسيما في ما يتعلق بالتقلبات المناخية والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على سلاسل التوريد.
قرباج وسيلة
ورغم أن الكمية المُعلن عنها في المناقصة لم تتجاوز 50 ألف طن، إلا أن الجزائر فاجأت المتابعين بشراء ما يقارب تسعة أضعاف هذه الكمية، وهو ما اعتبره خبراء اقتصاديون إشارة إلى رغبة الدولة في تأمين احتياطي مريح من القمح اللين استعدادًا لأي اضطرابات محتملة في السوق العالمية.
وبحسب مصادر مطلعة، فقد تم التعاقد على الصفقة بسعر يقارب 244.5 دولارًا للطن شاملة تكلفة الشحن، مع ترجيحات قوية بأن الجزء الأكبر من الكمية سيتم توريده من منطقة البحر الأسود، خاصة من رومانيا، بلغاريا وأوكرانيا، وهي دول أصبحت خلال السنوات الأخيرة تتنافس بقوة على حصة من السوق الجزائرية التي كانت تُعد حتى وقت قريب حكرًا شبه مطلق على القمح الفرنسي.
ويأتي هذا التحول في الموردين ضمن تغير تدريجي في موازين التجارة الدولية للحبوب، لا سيما مع دخول روسيا ودول أوروبا الشرقية كلاعبين أساسيين في سوق التوريد نحو الجزائر، ما يُقلص الاعتماد التاريخي على فرنسا، شريك الجزائر الرئيسي في هذا المجال لعقود طويلة.
وفق المعطيات المتوفرة، من المنتظر أن تصل الشحنات إلى الجزائر على فترتين خلال شهر أوت المقبل، مع إتاحة إمكانية التوريد من مناطق أخرى مثل أمريكا الجنوبية أو أستراليا، شريطة أن يتم الشحن قبل الموعد المحدد بشهر كامل على الأقل، ما يعكس مرونة في دفتر الشروط الجزائري الجديد، وهو ما يشجع الموردين العالميين على تقديم عروضهم التنافسية.
ويرى خبراء في الاقتصاد الزراعي أن تنويع مصادر الاستيراد لا يُعزز فقط الأمن الغذائي، بل يقلل أيضًا من التبعية لمورد واحد، ويضع الجزائر في موقع تفاوضي أفضل في ظل اضطرابات الأسواق الدولية وارتفاع تكاليف النقل البحري.
في سياق متصل، وبالتزامن مع إطلاق حملة حصاد القمح في ولايات الشمال والهضاب العليا، أعلن وزير الفلاحة والتنمية الريفية، السيد يوسف شرفة، أن إنتاج القمح الصلب خلال الموسم الفلاحي 2024-2025 يسير نحو تحقيق نتائج قياسية، يُتوقع أن تسمح بتغطية احتياجات الجزائر من هذه المادة الاستراتيجية طوال عام 2026، دون الحاجة إلى استيرادها من الخارج.
وقال الوزير في تصريح له خلال متابعته لانطلاق الحملة: “نحن أمام موسم واعد، وكل المؤشرات تُشير إلى أن الإنتاج سيكون أفضل بكثير من الموسم الماضي، مما يكرّس الديناميكية الإيجابية التي نسجلها من سنة إلى أخرى”.
أما بخصوص إنتاج الشعير، فقد كشف الوزير أن الجزائر “حققت تقدمًا كبيرًا” على مستوى هذا المحصول أيضًا، مما سيمكن من تغطية فترة معتبرة من استهلاك العام المقبل بفضل الإنتاج الوطني، في إشارة إلى تحسّن تدريجي في أداء القطاع الفلاحي، الذي يُعد أحد ركائز الاستراتيجية الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي.
تعكس التطورات الأخيرة اعتماد الجزائر لنهج مزدوج في مقاربتها للأمن الغذائي، يجمع بين تعزيز الإنتاج المحلي من جهة، عبر دعم الفلاحين وتحفيز المساحات المزروعة، وإبرام صفقات استيراد استراتيجية في الوقت المناسب من جهة أخرى، لضمان وفرة المخزون وتفادي أي أزمة مستقبلية، خاصة في ظل تواتر الأزمات المناخية وارتفاع الطلب العالمي.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن هذا التوجه سيساعد الجزائر على التحكم في ميزانها الغذائي، ويُجنّبها اللجوء إلى الاستيراد العشوائي أو الاستعجالي في فترات الذروة، مما ينعكس إيجابًا على استقرار الأسعار داخل السوق الوطنية.

