ماجدة الرومي وجوليا بطرس: الفن بين العاطفة والخطاب السياسي في الذائقة الجزائرية

لم يكن تذوق الأغنية العربية في الجزائر يوماً فعلاً سطحياً أو استهلاكاً عابراً لصوت جميل، بل هو امتداد لطبقات من الذاكرة الجماعية التي تشكّلت عبر التاريخ، حيث يتداخل الخاص بالعام، والعاطفي بالسياسي، والذاتي بالجمعي. في هذا السياق المركّب، لا يحضر الصوت العربي بوصفه ترفاً فنياً، بل بوصفه جزءاً من الحياة اليومية، ومن طريقة فهم العالم والتصالح معه أو الاعتراض عليه.

بقلم : سارة محمد  مرزوقي

داخل هذا الفضاء السمعي، تبرز تجربتان لبنانيتان لافتتان، تمثلهما ماجدة الرومي وجوليا بطرس، بوصفهما نموذجين متمايزين في فهم وظيفة الغناء: هل هو مساحة للعاطفة الخالصة التي تعيد تشكيل الحنين، أم أداة للتعبير عن الموقف والالتزام وإعادة صياغة الوعي؟

ماجدة الرومي تمثل امتداداً واضحاً لمدرسة الطرب العربي الكلاسيكي، حيث تقوم الأغنية على بناء موسيقي متدرج، وصوتٍ يتعامل مع النص بوصفه قصيدة قابلة للتصعيد والانكسار والامتداد. هذا النوع من الغناء يجد صداه في الذائقة الجزائرية التي تربّت على أصوات كبرى جعلت من الأغنية تجربة شعورية طويلة، لا لحظة استهلاك سريع. لذلك، فإن حضور ماجدة الرومي في الوجدان الجزائري لا يرتبط فقط بجمال الصوت، بل بطبيعة هذا الجمال نفسه: جمال يُصغي إلى الداخل، ويعيد ترتيب الإحساس بالعالم بدل أن يعلّق عليه.

في المقابل، تقدّم جوليا بطرس نموذجاً مختلفاً تماماً، حيث يتحول الغناء إلى خطاب مباشر، وإلى صياغة فنية للموقف السياسي والوجداني في آن واحد. هنا لا تكون الأغنية مجرد مساحة للتأمل، بل امتداداً لصوت جماعي يرى في الفن وسيلة للتعبير عن الانحياز والهوية والموقف. هذا النمط من الغناء، رغم قوته التعبيرية، يظل غالباً مرتبطاً بسياقات محددة، ويُستدعى أكثر مما يُعاش يومياً، لأنه يتطلب لحظة شعورية أو تاريخية خاصة ليأخذ كامل حضوره.

ومع ذلك، فإن الفرق بين التجربتين لا يمكن اختزاله في ثنائية “طرب مقابل التزام”، بل يجب قراءته داخل طبيعة الذائقة الجزائرية نفسها، التي تتسم بتعدد طبقاتها وعدم خضوعها لمنطق واحد. فهذه الذائقة لا ترفض الغناء الملتزم، ولا تتخلى عن الغناء العاطفي، لكنها توزّع كل نوع داخل زمنه الخاص: زمن للحنين، وزمن للموقف، وزمن للاحتجاج الصامت، وزمن للهدوء الداخلي.

من هنا يمكن فهم سبب اقتراب ماجدة الرومي من الاستماع اليومي الهادئ لدى شرائح واسعة من الجمهور، مقابل حضور جوليا بطرس في لحظات أكثر كثافة وجدانية أو سياسية. فالأولى تُستدعى كصوت يرافق الحياة، والثانية كصوت يعلّق على لحظاتها الحاسمة.

وفي النهاية، لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقاً بمن “يفوز” في الذائقة الجزائرية، بل بكيفية اشتغال هذه الذائقة نفسها. فهي ليست ذائقة مغلقة أو أحادية، بل فضاء مفتوح يعيد تعريف العلاقة بين الفن والحياة باستمرار. بين العاطفة والخطاب، بين الحنين والموقف، تتشكل الأغنية العربية في الجزائر كمرآة لوعي لا يختار بين الجمال والفكرة، بل يحاول أن يحتفظ بكليهما، كلٌّ في لحظته الخاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *