أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية البروفيسور ارديس عطية “لأصوات”:” الجزائر رسخت نموذجًا تضامنيًا سريع الاستجابة لحماية المواطنين وتعويض المتضررين”
“استجابة فورية تعكس قرب الدولة من المواطن”
“المواطن شريك أساسي في مواجهة الحرائق”
“حماية الأرواح أولوية الدولة و التضامن الوطني رهان استراتيجي”
قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، البروفيسور إدريس عطية، في تصريح “لأصوات”، إن الدولة الجزائرية أثبتت مرة أخرى أنها حاضرة إلى جانب المواطن، وأنها كرست نموذجًا يقوم على التضامن والاستجابة السريعة في مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية.
رحمة حيقون
استجابة فورية تعكس قرب الدولة من المواطن
أوضح البروفيسور إدريس عطيةفي تصريح لأصوات أن الجزائر ظلت، في مختلف المحطات، تجسد صورة الدولة القريبة من مواطنيها، مشيراً إلى أن التعامل مع الحرائق الأخيرة جاء وفق مقاربة تعتمد على السرعة في التدخل والتكفل بالمتضررين.
وأكد أن رئيس الجمهورية أولى أهمية كبيرة لهذا الملف منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرائق، حيث حرص على إعطاء تعليمات بالإحصاء الفوري للأضرار، والتكفل السريع بالمواطنين، مع مباشرة إجراءات التعويض دون تأخير، وهو ما شمل مختلف الولايات التي تضررت من هذه الحرائق.
ويرى المتحدث أن هذه القرارات تعكس الإرادة السياسية في حماية المواطنين والتخفيف من آثار الكوارث الطبيعية، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع ويؤكد أن المواطن يبقى في صدارة الأولويات.
منظومة وطنية فعالة لمواجهة الكوارث
وأشار أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية إلى أن الجزائر برهنت كذلك على امتلاكها منظومة وطنية فعالة للاستجابة للأزمات، وهو ما ظهر من خلال التنسيق الكبير بين مختلف الهيئات والمؤسسات المعنية.
وأوضح أن أسباب الحرائق تبقى في كثير من الأحيان معقدة ومتعددة، إذ قد تكون ناجمة عن عوامل بشرية مباشرة أو غير مباشرة، أو نتيجة الإهمال، فضلاً عن التأثير الكبير للعوامل الطبيعية والمناخية.
وأضاف أن هذه الظاهرة ليست حكراً على الجزائر، وإنما أصبحت ظاهرة عالمية تعرفها مختلف القارات، لاسيما دول حوض البحر الأبيض المتوسط التي شهدت خلال الفترة الأخيرة حرائق متفاوتة الخطورة، نتيجة موجات الحر الاستثنائية التي تضرب المنطقة.
المواطن شريك أساسي في مواجهة الحرائق
وأكد البروفيسور عطية أن إحدى أهم نقاط القوة في التجربة الجزائرية تتمثل في الروح التضامنية التي تجمع بين الدولة والمجتمع، حيث يشارك المواطنون إلى جانب مختلف الأجهزة النظامية في عمليات مكافحة الحرائق.
وأشار إلى أن أفراد الحماية المدنية، والجيش الوطني الشعبي، ومصالح المديرية العامة للغابات، إضافة إلى السلطات المحلية والمتطوعين والمواطنين، شكلوا جميعاً جبهة واحدة لمواجهة النيران والحد من انتشارها.
وأوضح أن هذا التلاحم يعكس درجة عالية من الوعي الوطني وروح المسؤولية، ويؤكد أن حماية الأرواح والممتلكات مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الجميع.
حماية الأرواح أولوية الدولة
وفي تحليله للوضع، شدد البروفيسور إدريس عطية على أن الدولة الجزائرية حرصت منذ البداية على طمأنة المواطنين، معتبراً أن محدودية الخسائر البشرية مقارنة بحجم الحرائق دليل على فعالية التدخلات الميدانية ومستوى الجاهزية.
وأوضح أن الخسائر التي مست الغطاء النباتي والثروة الغابية والممتلكات الاقتصادية تبقى كبيرة ومؤلمة، غير أن الحفاظ على الأرواح البشرية ظل الهدف الأول لكل التدخلات.
وأكد أن الممتلكات يمكن تعويضها، بينما تبقى حياة الإنسان أغلى من كل الخسائر المادية، وهو ما يفسر تركيز السلطات على عمليات الإجلاء والتدخل السريع قبل أي شيء آخر.
التضامن الوطني رهان استراتيجي
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تراهن باستمرار على ترسيخ العلاقة التضامنية بين الدولة والمواطن، معتبراً أن هذه الرابطة أصبحت إحدى ركائز إدارة الأزمات في البلاد.
وأوضح أن هذه الثقافة التضامنية ظهرت بشكل واضح خلال جائحة كورونا، حين برزت الدولة بمختلف مؤسساتها إلى جانب المواطنين، واستمرت بنفس الروح خلال مختلف الأزمات التي عرفتها البلاد في السنوات الأخيرة.
وأضاف أن التجارب المتراكمة خلال أعوام 2020 و2021 و2024 و2025، وصولاً إلى سنة 2026، ساهمت في تطوير آليات التدخل والاستجابة، ومنحت مختلف المؤسسات خبرة أكبر في إدارة الكوارث الطبيعية.
موجة حر استثنائية وراء اتساع رقعة الحرائق
وأكد البروفيسور عطية أن موجة الحر الحالية تختلف عن سابقاتها، سواء من حيث شدتها أو مدتها الزمنية، وهو ما جعلها من أصعب الموجات التي شهدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن درجات الحرارة التي لامست 49 و50 درجة مئوية في بعض المناطق، واستمرارها لفترات طويلة، ساهمت بشكل كبير في انتشار الحرائق واتساع رقعتها، الأمر الذي فرض تعبئة وطنية غير مسبوقة لمواجهتها.
وأشار إلى أن التغيرات المناخية أصبحت اليوم عاملاً رئيسياً في ارتفاع وتيرة الكوارث الطبيعية، وهو ما يفرض تعزيز سياسات الوقاية والاستعداد المسبق.
تعبئة وطنية شاملة خلال الأيام الأخيرة
وأضاف البروفيسور إدريس عطية أن الجهد الوطني المبذول خلال الأيام الخمسة عشر الأخيرة كان كبيراً جداً، حيث سخرت الدولة مختلف الإمكانيات البشرية والمادية واللوجستية للتعامل مع الحرائق في أسرع وقت ممكن.
وأوضح أن السلطات لم تكتف بإخماد النيران، بل حرصت كذلك على مرافقة المواطنين المتضررين من خلال تعويض أصحاب المزارع والمساكن والمستثمرات الفلاحية، فضلاً عن تقديم الدعم النفسي والمعنوي للعائلات التي مستها هذه الحرائق.
وأكد أن هذه المقاربة الشاملة تعكس حرص الدولة على حماية الإنسان أولاً، ثم إعادة بعث النشاط الاقتصادي والاجتماعي في المناطق المتضررة، بما يضمن عودة الحياة الطبيعية في أقرب الآجال.
نموذج جزائري في إدارة الأزمات
وأكد البروفيسور إدريس عطية على أن ما أظهرته الجزائر خلال هذه الحرائق يعكس وجود منظومة وطنية متكاملة لإدارة الكوارث، تقوم على سرعة التدخل، وتنسيق الجهود، والتكفل بالمتضررين، وتعزيز قيم التضامن الوطني، وهي عناصر تجعل من مواجهة الأزمات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وتجسد في الوقت نفسه تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على تجاوز مختلف التحديات.

