الاعلامي عبد الجبار يكشف لأصوات تفاصيل التغطية الميدانية وأصعب اللحظات التي عاشها..” ما رأيته في الميدان أكد لي أن التلاحم الوطني هو السلاح الأقوى في مواجهة الحرائق”
“دموع رجال الحماية المدنية كانت أبلغ مشهد عشته وسط الحرائق”
“المعلومة الصحيحة في زمن الأزمات لا تقل أهمية عن جهود الإنقاذ”
قال الإعلامي بالتلفزيون الجزائري عبد الجبار بن يحي إن تغطية حرائق الغابات الأخيرة في عدد من ولايات الوطن كشفت حجم التحديات التي تواجه مختلف فرق التدخل، في ظل سرعة انتشار النيران وصعوبة التضاريس وارتفاع درجات الحرارة، مؤكداً أن العمل الميداني في مثل هذه الظروف يتطلب جاهزية كبيرة ومهنية عالية لنقل الحقيقة كما هي، وأضاف في حوار أجرته معه جريدة “أصوات” أن ما عايشه خلال مرافقته لفرق الحماية المدنية في ولايات بجاية وجيجل وسطيف وميلة وسكيكدة والبويرة وعنابة، رسخ لديه قناعة بأن المعلومة الدقيقة والمسؤولة تعد جزءاً أساسياً من منظومة مواجهة الأزمات، تماماً كجهود الإنقاذ والإغاثة، مشدداً على ضرورة تطوير صحافة متخصصة في تغية الكوارث والابتعاد عن الشائعات والإثارة.
حاورته: رحمة حيقون
كيف كانت الأوضاع الميدانية في المناطق التي شهدت الحرائق؟
من خلال التغطيات التي أنجزتها لصالح التلفزيون الجزائري في عدد من الولايات، على غرار بجاية وسطيف وجيجل وميلة وسكيكدة والبويرة وعنابة، كانت الأوضاع الميدانية معقدة ومتغيرة باستمرار. كنا أمام حرائق سريعة الانتشار تتأثر بعوامل متعددة، أبرزها سرعة الرياح وارتفاع درجات الحرارة وطبيعة التضاريس الجبلية والغطاء النباتي الكثيف. في كثير من الأحيان كانت جبهة الحريق تتغير خلال دقائق معدودة، ما يفرض على فرق التدخل إعادة تقييم الوضع العملياتي بشكل متواصل. هذه الحرائق لا تتعلق بالإخماد فقط، بل تشمل أيضاً حماية السكان والممتلكات، وتأمين المسالك، ومرافقة عمليات الإجلاء عند الضرورة.
وما أبرز المشاهد التي لفتت انتباهك أثناء التغطية؟
من بين أكثر المشاهد تأثيراً تلك التي عايشتها في سرايدي بولاية عنابة. فبعد ساعات طويلة من مواجهة النيران وإجلاء المرضى والسكان من المناطق المهددة، شاهدت أعواناً من الحماية المدنية وقد أنهكهم التعب إلى درجة الاستلقاء على الأرض لالتقاط أنفاسهم بعد تدخلات متواصلة في ظروف قاسية. كما رأيت رجالاً تأثروا إلى حد البكاء وهم يشاهدون النيران تلتهم أجزاء واسعة من الغطاء الغابي، ويتحسرون على أشجار ومساحات طبيعية يعرفونها جيداً وقد تحولت إلى رماد. لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع رجال يدركون حجم الخسارة التي تلحق بالأرض التي يسهرون على حمايتها.
كما لفتت انتباهي صور التضامن الشعبي، حيث هب المواطنون لتقديم المياه والمؤونة والدعم للمتدخلين والعائلات المتضررة. في تلك اللحظات يتجسد التلاحم الوطني بأوضح صوره، ويتحول الجميع إلى جبهة واحدة في مواجهة الخطر.
ما أبرز الصعوبات والتحديات التي واجهتك أثناء أداء مهامك في ظل انتشار الحرائق؟
أبرز التحديات كانت مرتبطة بطبيعة الميدان. الوصول إلى بعض المناطق كان صعباً بسبب وعورة التضاريس وإغلاق بعض المسالك لأسباب عملياتية. كما أن الدخان الكثيف ودرجات الحرارة المرتفعة كانا يشكلان تحدياً حقيقياً أمام العمل الصحفي، وقد انتقلنا في العديد من المرات إلى مناطق معزولة وسط الكتل الغابية والمرتفعات، حيث لم تكن هناك تغطية للهاتف أو لشبكات الاتصال، وهو ما صعّب عمليات البث المباشر وإرسال الصور والمعلومات إلى التلفزيون الجزائري في الوقت المناسب. وكنا أحياناً نضطر إلى مغادرة منطقة الحريق مؤقتاً والبحث عن نقطة تتوفر فيها التغطية لإرسال المادة الإعلامية أو إجراء المداخلات المباشرة، والعمل الميداني في تغطية الكوارث يضع الصحفي أمام ظروف استثنائية. فكما غطيت زلزال تركيا سنة ألفين وثلاثة وعشرين لصالح التلفزيون الجزائري تحت درجة حرارة بلغت ناقص ثلاث عشرة درجة مئوية، وفي ظروف مناخية شديدة القسوة، وجدت نفسي اليوم أتنقل بين جبهات الحرائق تحت درجات حرارة تتجاوز الخمسين مئوية. بين الصقيع واللهب، يبقى التحدي واحداً: نقل الحقيقة من الميدان بكل دقة ومسؤولية.
بحكم مرافقتك المتكررة لفرق الحماية المدنية، كيف كانت علاقتك بهم في الميدان؟
كثرة التغطيات الميدانية جعلتني أرافق أعوان الحماية المدنية في ظروف مختلفة، من حرائق الغابات إلى الكوارث الطبيعية. ومع مرور الوقت أصبحت وجوهاً كثيرة تعرفنا قبل أن نعرّف بأنفسنا. وفي كثير من الأحيان كان بعض الأعوان يمازحونني قائلين: “لم يبق لك سوى ارتداء بدلة الحماية”. كنت أبتسم لهذه العبارة، لكنها في الحقيقة تعكس سنوات من المرافقة الميدانية والاحتكاك اليومي برجال يعيشون الخطر في كل تدخل. هذا القرب منحني فهماً أعمق لثقافة التدخل والإنقاذ، ولحجم التضحيات التي تُبذل بعيداً عن عدسات الكاميرات، وساعدني على نقل صورة أكثر دقة وواقعية للمشاهد.
كيف تقيّم سرعة استجابة مختلف المصالح، خاصة الحماية المدنية والسلطات المحلية، في التعامل مع الحرائق؟
من خلال ما عاينته ميدانياً، كانت الاستجابة سريعة ومنظمة، حيث تم تفعيل مخططات التدخل وتسخير إمكانيات بشرية ومادية معتبرة منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرائق. الحماية المدنية كانت في الخطوط الأمامية مدعومة بوسائل برية وجوية، فيما ساهم الجيش الوطني الشعبي في الإسناد العملياتي واللوجستي، إلى جانب تدخل السلطات المحلية في مجالات الإيواء والمتابعة الميدانية والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
طبيعة هذه الحرائق تجعل المهمة معقدة للغاية، لكن ما كان واضحاً هو وجود تنسيق مستمر بين مختلف الأجهزة على مستوى غرف العمليات والميدان من أجل احتواء الحرائق وتقليص آثارها.
ما الرسالة التي تود توجيهها للمواطنين ووسائل الإعلام بشأن أهمية التحلي بالوعي وتجنب نشر الأخبار غير الموثوقة خلال مثل هذه الأزمات؟
أعتقد أن حرائق الغابات والكوارث الطبيعية تفرض علينا اليوم التفكير بجدية في تطوير صحافة متخصصة في تغطية الكوارث والأزمات. فالصحفي في مثل هذه الظروف لا يقتصر دوره على نقل الصور أو البحث عن المشاهد المؤثرة، بل يجب أن يكون ملماً بمراحل التدخل والإنقاذ والإجلاء وآليات مكافحة الحرائق والمصطلحات التقنية المرتبطة بها، حتى يقدم للمواطن معلومة دقيقة ومفيدة، ما نحتاجه هو صحافة كوارث مهنية ومسؤولة، لا تبحث عن الإثارة أو صناعة “الترند”، ولا تقوم على القصص المفبركة أو استغلال معاناة الناس من أجل تحقيق نسب مشاهدة أكبر. المطلوب هو الالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة، واحترام كرامة المتضررين، والتحقق من المعلومات قبل نشرها.
ففي أوقات الأزمات، تصبح المعلومة الصحيحة جزءاً من منظومة الحماية، تماماً كما هي الحال بالنسبة لفرق الإنقاذ والإغاثة العاملة في الميدان. ومن هذا المنطلق، أرى أن دور وسائل الإعلام، وفي مقدمتها التلفزيون الجزائري، لا يقتصر على نقل الحدث فقط، بل يمتد إلى التوعية ومرافقة الجهود المبذولة في الميدان وتقديم المعلومة الدقيقة التي تساعد المواطن على فهم ما يجري بعيداً عن الشائعات والتهويل.

