المحلل الاقتصادي الدكتور بوشيخي بوحوص “لأصوات”: ” الجزائر تراهن على مقاربة متكاملة تجمع بين الردع والوقاية والعلاج وتجفيف منابع الجريمة”

“البطالة والفراغ بيئة قد تستغلها شبكات الترويج”

 

أكد المحلل الاقتصادي الدكتور بوشيخي بوحوص أن الجزائر تعتمد على مقاربة وطنية شاملة في مواجهة آفة المخدرات والمؤثرات العقلية، تقوم على تحقيق التوازن بين الردع الأمني والقانوني الصارم من جهة، وتعزيز الوقاية والتوعية والعلاج وإعادة الإدماج من جهة أخرى، وذلك في إطار الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية 2025-2029 التي صادق عليها مجلس الوزراء.

رحمة حيقون

وأوضح الدكتور بوشيخي بوحوص، في تصريح “لأصوات”، أن هذه الاستراتيجية تعكس توجهاً يقوم على معالجة ظاهرة المخدرات من مختلف جوانبها، باعتبارها لم تعد مجرد قضية مرتبطة بالجريمة والاتجار غير المشروع، وإنما أصبحت تهديداً يمس الأسرة والشباب والمدرسة والجامعة وسوق العمل، فضلاً عن تداعياتها المباشرة على الأمن والاستقرار الاجتماعي.

وشدد المتحدث على أن مواجهة هذه الآفة تتطلب تضافر جهود مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، لأن المعركة ضد المخدرات لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، بل تستوجب الوقاية المبكرة، والتكفل بالمدمنين، ومرافقة المتعافين، وتجفيف منابع التهريب والاتجار، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

 

الوقاية خط الدفاع الأول لحماية الشباب

ويرى الدكتور بوشيخي بوحوص أن البعد الوقائي يمثل أحد أهم المحاور التي ينبغي التركيز عليها، بالنظر إلى أن حماية الشباب من الوقوع في دائرة التعاطي تبدأ قبل ظهور المشكلة، من خلال التوعية والتحسيس وبناء مناعة اجتماعية وأخلاقية لدى الأجيال الصاعدة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أهمية تكثيف الحملات التحسيسية داخل المدارس والجامعات، وعدم حصرها في المناسبات أو الحملات الظرفية، وإنما جعلها عملاً مستمراً يرافق التلميذ والطالب في مختلف مراحل تكوينه.

وأكد أن المدرسة والجامعة لا يمكنهما القيام بهذه المهمة بمفردهما، بل ينبغي إشراك الأسرة والمساجد والمجتمع المدني والفاعلين التربويين والنفسيين والإعلاميين، بما يسمح بإقامة جبهة مجتمعية واسعة للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية.

وأضاف أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول، من خلال متابعة الأبناء، والانتباه إلى التغيرات السلوكية والنفسية التي قد تظهر عليهم، وتعزيز الحوار داخل البيت، وتوفير بيئة أسرية سليمة تساعد الشباب على مواجهة الضغوط والمشكلات بعيداً عن المخدرات.

 

الردع القانوني وتشديد الخناق على شبكات الاتجار

وفي الجانب القانوني، أوضح المحلل الاقتصادي أن الاستراتيجية الوطنية تقوم كذلك على تعزيز الردع وتشديد العقوبات ضد شبكات الاتجار والمروجين والبارونات الذين ينشطون في هذه التجارة غير المشروعة.

وأشار إلى أهمية مواصلة تحديث المنظومة القانونية بما يتلاءم مع التطورات التي تعرفها أساليب التهريب والاتجار، إلى جانب التعامل مع المواد الاصطناعية الجديدة التي أصبحت تشكل تحدياً متزايداً للأجهزة المختصة.

وأكد أن المعركة الحقيقية لا تتوقف عند توقيف المستهلك أو المتعاطي، وإنما ينبغي أن تمتد أساساً إلى تفكيك الشبكات التي تقف وراء إدخال المخدرات وتوزيعها وتسويقها، وتجفيف مصادر تمويلها وضرب بنيتها التنظيمية.

ويرى بوشيخي بوحوص أن التعامل الصارم مع كبار المتاجرين والمروجين من شأنه أن يوجه رسالة قوية إلى الشبكات الإجرامية التي تحاول استهداف المجتمع الجزائري، خصوصاً فئة الشباب.

 

العلاج وإعادة الإدماج مواجهة الإدمان من زاوية إنسانية

وفي المقابل، شدد المتحدث على أن مكافحة المخدرات لا تعني العقاب فقط، بل تتطلب أيضاً توفير العلاج والتكفل بالأشخاص الذين وقعوا في دائرة الإدمان.

وأوضح أن شبكة مراكز معالجة الإدمان وإزالة التسمم تشكل جزءاً مهماً من هذه المقاربة، إلى جانب ضرورة توفير المرافقة النفسية والاجتماعية للمتعافين، حتى يتمكنوا من استعادة حياتهم الطبيعية والاندماج مجدداً في المجتمع.

وأكد أن نجاح عملية العلاج لا ينبغي أن ينتهي بخروج الشخص من مركز العلاج، وإنما يجب أن تتواصل المرافقة بعد ذلك، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة الإدماج الأسري والاجتماعي والمهني.

وأشار إلى أن توفير فرص العودة إلى الدراسة أو التكوين أو العمل يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في منع الانتكاس، لأن الفراغ والعزلة الاجتماعية قد يدفعان بعض المتعافين إلى العودة إلى البيئة التي قادتهم في السابق إلى الإدمان.

 

تعزيز الأمن الوقائي وتفعيل دور المجتمع

كما تطرق الدكتور بوشيخي بوحوص إلى أهمية تعزيز الأمن الوقائي والمجتمعي، من خلال تطوير آليات تسمح بالتبليغ المبكر عن الجرائم المرتبطة بالمخدرات والمؤثرات العقلية.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أهمية الآليات المخصصة للتبليغ والتحسيس داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب دراسة وسائل إضافية لتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن عمليات التهريب والاتجار، بما يساهم في رفع مستوى اليقظة المجتمعية.

وأكد أن المواطن يمكن أن يكون شريكاً أساسياً في مواجهة شبكات المخدرات، خاصة أن بعض عمليات الترويج تتم داخل الأحياء وفي محيط المؤسسات التعليمية والأماكن التي يرتادها الشباب.

وأضاف أن تفعيل ثقافة التبليغ المسؤول من شأنه أن يساعد الأجهزة الأمنية والقضائية على الوصول إلى المعلومات في وقت مبكر، وبالتالي التدخل قبل اتساع نشاط الشبكات الإجرامية.

 

تأمين الحدود معركة متواصلة ضد شبكات التهريب

وبحسب المتحدث، فإن الجانب الأمني يشكل محوراً أساسياً في الاستراتيجية الوطنية، خاصة في ما يتعلق بتأمين الحدود البرية والبحرية والتصدي لمحاولات إدخال المخدرات والمؤثرات العقلية إلى التراب الوطني.

وأشار إلى الدور الذي تضطلع به مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الجيش الوطني الشعبي، بالتنسيق مع مصالح الأمن الوطني والدرك الوطني والجمارك، من أجل إحباط محاولات التهريب ومراقبة المسالك التي يمكن أن تستغلها الشبكات الإجرامية.

وأكد أن اتساع وتنوع طرق التهريب يفرض تطوير آليات الرصد والمراقبة والاستباق، خصوصاً أن الشبكات الإجرامية تعمل باستمرار على تغيير أساليبها ومساراتها لتفادي الرقابة.

ويرى بوشيخي بوحوص أن تجفيف منابع المخدرات يبدأ من الحدود، لكنه لا ينتهي عندها، إذ يتطلب أيضاً متابعة مراحل التوزيع والترويج داخل المدن والأحياء، وصولاً إلى المستهلك النهائي.

 

تشديد الرقابة على مسار الأدوية والمؤثرات العقلية

وفي سياق متصل، شدد المتحدث على ضرورة ضبط مسار الأدوية التي يمكن إساءة استعمالها وتحويلها إلى السوق السوداء، من خلال تعزيز الرقابة على مختلف مراحل إنتاجها وتوزيعها وتسويقها.

وأشار إلى أهمية تشديد الرقابة على الصيدليات ومصانع الأدوية ومختلف المتعاملين في هذا المجال، لمنع تسريب بعض الأدوية التي تحتوي على مواد مؤثرة إلى السوق غير الشرعية.

وأكد أن هذه المسألة تتطلب يقظة مستمرة، بالنظر إلى أن شبكات الاتجار بالمخدرات قد تحاول استغلال بعض الثغرات في مسار توزيع الأدوية للحصول على مواد يمكن استعمالها بصورة غير قانونية.

ومن هذا المنطلق، يرى أن التنسيق بين القطاعات الصحية والأمنية والقضائية والجمركية يمثل عاملاً أساسياً في ضمان تتبع مسار هذه المواد ومنع تحويلها عن استعمالاتها الطبية المشروعة.

التعاون الدولي لملاحقة الشبكات العابرة للحدود

وفي ظل الطبيعة العابرة للحدود لشبكات الاتجار بالمخدرات، أكد الدكتور بوشيخي بوحوص أهمية تعزيز التعاون الدولي، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات والتنسيق القضائي والأمني.

وأشار إلى أهمية انخراط الجزائر في الجهود الدولية الرامية إلى مواجهة المخدرات الاصطناعية، وتكثيف التنسيق مع الدول والمنظمات المختصة من أجل ملاحقة الشبكات التي تنشط عبر أكثر من دولة.

وأوضح أن الشبكات الإجرامية لم تعد تعمل ضمن نطاق جغرافي محدود، وإنما تعتمد على هياكل ومسارات دولية، وهو ما يجعل التصدي لها يتطلب تعاوناً يتجاوز الحدود الوطنية.

وأكد أن التنسيق القضائي الدولي وتبادل المعلومات حول شبكات التهريب ومصادر التمويل والمسارات المستعملة يمكن أن يساعد في تفكيك هذه التنظيمات وضرب امتداداتها.

الشباب.. الفئة الأكثر استهدافاً

وفي حديثه عن الفئات الأكثر عرضة للاستهداف، أشار المحلل الاقتصادي إلى أن التركيبة السكانية للشعب الجزائري تجعل فئة الشباب محل اهتمام كبير من شبكات الاتجار بالمخدرات.

وأوضح، وفق تقديراته، أن الجزائر تضم نحو 45 مليون نسمة، وأن شريحة واسعة من السكان تقع ضمن الفئات العمرية الشابة والناشطة، وهو ما يجعل المجتمع الجزائري سوقاً مستهدفاً من طرف تجار المخدرات الذين يسعون إلى توسيع قاعدة المستهلكين.

وأشار إلى أن عوامل عديدة تحصن أعداداً كبيرة من الشباب من الوقوع في التعاطي، وفي مقدمتها العمل والتعليم والتكوين والوازع الديني والتربية الأسرية السليمة.

لكنه حذر في المقابل من أن فئة من الشباب قد تكون أكثر هشاشة أمام الإغراءات المرتبطة بالمخدرات، خصوصاً في ظل البطالة والفراغ وضعف التأطير الاجتماعي، داعياً السلطات المحلية والفاعلين في المجتمع إلى تكثيف الجهود لتوفير بدائل إيجابية لهذه الفئة.

 

البطالة والفراغ بيئة قد تستغلها شبكات الترويج

ويرى الدكتور بوشيخي بوحوص أن مكافحة المخدرات لا تنفصل عن معالجة بعض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تجعل الشباب أكثر عرضة للاستدراج.

وأوضح أن البطالة والفراغ والعزلة وضعف الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية يمكن أن توفر بيئة تستغلها شبكات الترويج لاستقطاب الشباب.

ومن هذا المنطلق، دعا إلى اعتماد سياسة وقائية متعددة الأبعاد، لا تكتفي بالتحذير من مخاطر المخدرات، وإنما توفر للشباب بدائل حقيقية، من خلال دعم التكوين المهني، وتشجيع النشاط الرياضي والثقافي، وخلق فضاءات للشباب، ومساعدتهم على بناء مستقبل مهني واجتماعي مستقر.

وأكد أن الاستثمار في الشباب يمثل في حد ذاته استثماراً في الأمن الوطني، لأن حماية هذه الفئة من الإدمان تعني حماية الأسرة والمدرسة وسوق العمل والمجتمع بأكمله.

 

المخدرات تضرب الأسرة وتهدد مستقبل الشباب

وحذر المحلل الاقتصادي من التداعيات الخطيرة للمخدرات على الأسرة، مؤكداً أن آثار الإدمان لا تتوقف عند الشخص المتعاطي، وإنما تمتد إلى أفراد أسرته ومحيطه الاجتماعي.

وأوضح أن الإدمان يمكن أن يؤدي إلى تفكك العلاقات الأسرية، وفقدان الثقة، وتزايد النزاعات داخل الأسرة، فضلاً عن الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتحملها العائلات.

كما أن المخدرات تهدد مستقبل الشباب الدراسي والمهني، إذ يمكن أن تؤثر في التركيز والقدرة على التعلم، وتؤدي إلى الغياب المتكرر وتراجع النتائج الدراسية، وقد تصل في بعض الحالات إلى الانقطاع النهائي عن الدراسة.

وأضاف أن الشاب الذي يقع في دائرة الإدمان قد يجد نفسه تدريجياً معزولاً عن أسرته وأصدقائه، وقد تظهر عليه تغيرات سلوكية ونفسية تؤثر في علاقاته بمحيطه.

 

من التعاطي إلى الجريمة مخاطر تتجاوز الفرد

وأكد بوشيخي بوحوص أن خطورة المخدرات لا ترتبط بالجانب الصحي فقط، بل يمكن أن تمتد إلى المجال الأمني والاجتماعي، خاصة عندما يقترن الإدمان بالجريمة والعنف والانحراف.

وأوضح أن فقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني يمكن أن يدفع بعض المتعاطين إلى سلوكيات خطيرة، كما أن الحاجة المستمرة إلى الحصول على المخدرات قد تجعل الشخص عرضة للاستغلال من طرف شبكات الترويج.

وأشار إلى أن هذه الوضعية قد تؤدي إلى ضياع فرص العمل والدراسة، ودخول بعض الأشخاص في مسارات إجرامية، وهو ما يضاعف من الأعباء التي تتحملها الأسرة والدولة والمجتمع.

 

مواجهة المخدرات مسؤولية جماعية

و شدد الدكتور بوشيخي بوحوص على أن مواجهة المخدرات والمؤثرات العقلية مسؤولية جماعية، لا يمكن أن تتحملها مؤسسة واحدة أو قطاع واحد.

وأكد أن نجاح الاستراتيجية الوطنية يقتضي استمرار التنسيق بين مختلف القطاعات والمؤسسات، إلى جانب إشراك الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، مع الحفاظ على الحزم الأمني والقانوني في مواجهة شبكات الاتجار والتهريب.

وأضاف أن المعركة ضد المخدرات هي في جوهرها معركة من أجل حماية الإنسان الجزائري، والحفاظ على تماسك الأسرة، وضمان مستقبل الشباب، وتعزيز الأمن والاستقرار.

وبذلك، فإن المقاربة الأكثر فاعلية، وفق طرحه، هي التي تجمع بين الوقاية قبل التعاطي، والردع ضد المروجين والمهربين، والعلاج بالنسبة للمدمنين، وإعادة الإدماج بالنسبة للمتعافين، والتعاون الدولي ضد الشبكات العابرة للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *