القطيعة الجزائرية ـ الإماراتية تفتح ملف الاستثمارات.. هل تبدأ مراجعة الشراكات والامتيازات؟

– من الموانئ والصناعات الاستراتيجية إلى التبغ والعقار.. خبراء ونواب يرسمون حدود الفصل بين السيادة الوطنية والالتزامات الاقتصادية

أعاد قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في 10 سبتمبر 2026، فتح واحد من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية، والمتعلق بمستقبل الاستثمارات الإماراتية في الجزائر، وحدود تأثرها بالتحولات السياسية والدبلوماسية التي دخلت فيها العلاقات بين البلدين. فبعد سنوات من إقامة شراكات شملت قطاعات متعددة، من الموانئ والخدمات اللوجستية إلى الصناعات الاستراتيجية والتبغ والعقار والفندقة، باتت هذه الاستثمارات أمام تساؤلات جديدة تتجاوز مجرد استمرار النشاط الاقتصادي، لتلامس طبيعة الامتيازات الممنوحة، ومدى جدواها، وشروط إعادة ترتيبها بما يتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة.

قرباج وسيلة

وبينما تفرض القطيعة السياسية إعادة قراءة واقع العلاقات الثنائية، يبرز التحدي الأساسي في كيفية إدارة الملف الاستثماري ، بالنظر إلى اختلاف طبيعة المشاريع القائمة، وتباين أوضاعها القانونية والتعاقدية، فضلاً عن تفاوت مستويات إنجازها ومردوديتها الاقتصادية. فالاستثمارات الأجنبية، مهما كانت جنسية أصحابها، لا تختزل في المواقف السياسية للدول، كما أن احترام الالتزامات التعاقدية لا يعني بالضرورة تحصين جميع الشراكات من المراجعة أو إعادة التفاوض، متى أظهرت المعطيات الاقتصادية والقانونية ضرورة ذلك.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى حساسية بعض الأصول التي ارتبط بها الاستثمار الإماراتي في الجزائر، لاسيما الموانئ والمنشآت اللوجستية، التي تتجاوز وظيفتها حدود النشاط التجاري لتتصل بأمن سلاسل الإمداد وتنافسية الاقتصاد الوطني. كما تطرح المشاريع الصناعية ذات الصلة بالقدرات الإنتاجية والاستراتيجية تساؤلات بشأن مستقبل الشراكات القائمة، وكيفية ضمان استمرارية النشاط ونقل الخبرات وحماية القدرات الوطنية، في حال طرحت مراجعة تركيبة المساهمين أو شروط الاستثمار.

وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع مجمل الحضور الاستثماري الإماراتي باعتباره كتلة واحدة، إذ إن بعض المشاريع القائمة تختلف عن أخرى لم تتجاوز مرحلة الإعلان أو لم تجسد التصورات الأولية التي رافقت إطلاقها. وهو ما يجعل تحديد الحجم الحقيقي لهذه الاستثمارات، والتمييز بين الأموال المعلن عنها والأصول المنجزة فعلياً، خطوة أساسية قبل الخوض في أي خيارات تتعلق بإعادة هيكلة الشراكات أو مراجعة الامتيازات.

وفي هذا السياق، يفتح الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، في حواره مع «أصوات»، النقاش حول أربعة مسارات محتملة لإعادة ترتيب الشراكات الإماراتية، تبدأ باستمرار العقود التي تثبت سلامتها القانونية وجدواها الاقتصادية، مروراً بإعادة التفاوض بشأن بعض الامتيازات، وعدم تجديد العقود عند انتهاء آجالها، وصولاً إلى إعادة هيكلة الملكيات في الحالات التي تبرر فيها المراجعة الاقتصادية والقانونية في هذا التوجه. ويشدد تيغرسي على أن أي قرار بهذا الشأن ينبغي أن يستند إلى تدقيق استراتيجي للأصول والاستثمارات، وتحديد قيمتها الفعلية ومردوديتها، بعيداً عن الاعتماد على أرقام تاريخية أو تقديرات لا تعكس بالضرورة واقع المشاريع القائمة في الوقت الراهن.

وعلى مستوى الموانئ والخدمات اللوجستية، يبرز ملف الشراكات المرتبطة بموانئ دبي العالمية باعتباره أحد أبرز محاور النقاش، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لهذه المرافق، وطبيعة عقود التسيير والامتيازات المرتبطة بها. وهنا تتقدم مسألة إعادة تقييم شروط الشراكة ومردوديتها، ومدى تناسب الامتيازات الممنوحة مع القيمة الاقتصادية المحققة، دون إغفال الآثار المحتملة لأي تغيير على استمرارية الخدمات وحركة التجارة الخارجية. فخصوصية هذا القطاع تجعل أي مراجعة محتملة مرتبطة بضرورة الموازنة بين متطلبات الرقابة والسيادة الاقتصادية من جهة، وضمان استقرار النشاط اللوجستي من جهة أخرى.

ولا تتوقف التساؤلات عند الموانئ، بل تمتد إلى بعض المشاريع الصناعية ذات الطابع الاستراتيجي، والشراكات المرتبطة بإنتاج المركبات والتجهيزات ذات الاستخدامات العسكرية وشبه العسكرية، فضلاً عن المؤسسات الناشطة في قطاع التبغ. وتفرض هذه المجالات، بحكم طبيعتها واختلاف أطرها التنظيمية، مقاربة قطاعية دقيقة تميز بين طبيعة المساهمة الأجنبية، والالتزامات القائمة، والخيارات المتاحة لضمان استمرارية الإنتاج وحماية المصالح الوطنية. كما أن وضع المشاريع العقارية التي لم تتجسد وفق التصورات الأولية يختلف عن وضع الاستثمارات التي لا تزال قائمة وتزاول نشاطاً فعلياً، وهو ما يعزز ضرورة الابتعاد عن أي معالجة موحدة لجميع الملفات.

وفي هذا الإطار، يبرز موقف أستاذ الاقتصاد والبرلماني السابق عبد القادر بريش، الذي يؤكد أن القطيعة السياسية لا تعني تلقائياً مصادرة الاستثمارات الإماراتية أو إلغاء العقود القائمة، مشيراً إلى أن خيار التخارج أو بيع الحصص قد يشكل أحد المسارات الممكنة في بعض الحالات، بما يسمح باستمرار النشاط الاقتصادي مع تغيير تركيبة المساهمين. ويطرح هذا التصور إمكانية انتقال بعض الحصص إلى مستثمرين جزائريين، خواصاً أو مؤسسات عمومية، أو إلى مستثمرين أجانب، وفق طبيعة كل مشروع ووضعه القانوني والتعاقدي، بما يفصل بين استمرارية النشاط الاقتصادي وهوية المساهمين فيه.

وعلى الصعيد البرلماني، تتعدد زوايا النظر إلى تداعيات القطيعة على العلاقات الاقتصادية، بين التشديد على ضرورة الفصل بين المسارين السياسي والاقتصادي، والتأكيد على أولوية السيادة الوطنية في تحديد مستقبل الاستثمارات. إذ يدعو النائب عن حركة مجتمع السلم عمر معمر إلى احترام الالتزامات الاقتصادية والتعاقدية القائمة، وعدم الخلط بين الخلافات السياسية وحقوق الأطراف المتعاقدة، معتبراً أن وضوح الموقف السياسي لا يتعارض مع الوفاء بالتعهدات الاقتصادية، ولا مع التمسك بمبدأ التضامن العربي القائم على الصدق والاحترام المتبادل.

في المقابل، يثمن النائب عن حزب البناء الوطني فريد

معسكري قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، ويربط مستقبل الاستثمارات الإماراتية بما ستقرره السلطات الجزائرية من إجراءات سيادية، وفق ما تقتضيه حماية المصالح العليا للبلاد. ومع تأكيده أن ملف الاستثمارات يختلف في طبيعته عن القرار السياسي، يترك معسكري تحديد مصير هذه الشراكات للسلطات المختصة، بالنظر إلى ما تتطلبه من دراسة للالتزامات القائمة والآثار المحتملة لأي إجراء على الاقتصاد الوطني.

وتعكس هذه المواقف، على اختلاف منطلقاتها، اتساع النقاش حول كيفية إدارة المرحلة الجديدة، وحدود الفصل بين الاعتبارات السياسية والاقتصادية، دون أن يعني ذلك وجود تصور موحد أو قرار نهائي بشأن مصير الاستثمارات الإماراتية. فبين مقاربة تدعو إلى مراجعة موضوعية للعقود والامتيازات، وأخرى تركز على احترام الالتزامات القائمة، وثالثة تؤكد أن القرار النهائي يظل من صلاحيات الدولة ومؤسساتها، تتقدم الحاجة إلى تقييم دقيق لكل حالة على حدة، بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة.

وعليه، فإن الرهان المطروح أمام الجزائر لا يتعلق فقط بتحديد مصير الاستثمارات الإماراتية، وإنما أيضاً بكيفية تحويل المراجعة المحتملة إلى فرصة لتعزيز المردودية الاقتصادية، وتحسين شروط الشراكات، وتوسيع القيمة المضافة المحلية، مع ضمان استقرار المؤسسات والنشاطات القائمة. فالمعيار الأساسي لا ينبغي أن يكون جنسية المستثمر وحدها، بل مدى احترامه للقانون، وحجم مساهمته في الاقتصاد الوطني، وطبيعة الامتيازات التي يستفيد منها، ومدى انسجامها مع المصالح الاستراتيجية للجزائر.

وبين السيادة الاقتصادية والالتزامات التعاقدية، يفتح هذا الملف نقاشاً يتجاوز تداعيات القطيعة الدبلوماسية إلى مستقبل إدارة الاستثمارات الأجنبية في الجزائر، وحدود سلطة الدولة في إعادة تقييم شراكاتها، دون المساس باستقرار مناخ الأعمال. وهي معادلة تجعل من التدقيق القانوني والاقتصادي، والشفافية في تقييم الأصول، وتحديد البدائل الممكنة، عناصر أساسية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، بما يضمن أن تكون أي مراجعة محتملة مدروسة، ومتدرجة، ومبنية على المصلحة الوطنية.

wassila kerbadj

صحافية بقسم الإقتصاد بجريدة أصوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *