الخبيرالاقتصادي هواري تيغرسي لأصوات: تخصيص ميناء مستغانم يمثل فرصة لإعادة تعريف وظيفة الميناء داخل الاقتصاد الجزائري
اعتبر اللوجيستيك تكلفة غير مرئية قد تلتهم تنافسية المنتج الخبيرالاقتصادي تيغرسي:
تخصيص ميناء مستغانم يمثل فرصة لإعادة تعريف وظيفة الميناء داخل الاقتصاد الجزائري
يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن قرار إعادة تنظيم الموانئ الجزائرية على أساس التخصص أضحى مجرد مسألة تقنية مرتبطة بتوزيع السفن والبضائع بين الأرصفة. فقرار تخصيص ميناء مستغانم لخدمة عمليات الاستيراد والتصدير التي تقوم بها المؤسسات العمومية يفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل التجارة الخارجية الجزائرية، وحول قدرة البنية التحتية اللوجستية على مواكبة التحول الذي تعرفه البلاد في مجال الاستثمار والإنتاج وتنويع الصادرات. وإذا كان مستغانم يمثل أول تجربة عملية لهذا التوجه، فإن نجاح التجربة لن يقاس بعدد السفن التي يستقبلها الميناء ولا بعدد الحاويات التي يعالجها فقط، وإنما بقدرته على خفض تكلفة التجارة الخارجية، تقليص آجال وصول المدخلات إلى المؤسسات، وتحويل الميناء إلى حلقة فعالة في سلسلة إنتاج وتصدير القيمة المضافة.
حاورته نوال الهواري
وتأتي هذه التجربة حسب تيغرسي في ظرف تعرف فيه الصادرات الجزائرية خارج المحروقات مسارًا تصاعديًا. فقد تجاوزت قيمتها 4.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025، مسجلة نموًا قدره 26 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من 2024، وفق معطيات وزارة التجارة الخارجية نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية. كما سجلت هذه الصادرات نموًا إضافيًا قدره 16 بالمائة خلال الثلاثي الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن تحدي الجزائر لم يعد فقط هو خلق منتجات قابلة للتصدير، وإنما أصبح أيضًا توفير البنية التحتية القادرة على إخراج هذه المنتجات إلى الأسواق الخارجية في الوقت والتكلفة المناسبين. فكل طن إضافي تصدره الجزائر يحتاج إلى منظومة نقل وموانئ وجمارك وتخزين وتأمين وتمويل تعمل في سلسلة واحدة، وأي تأخير في إحدى حلقاتها يمكن أن يمحو جزءًا من الميزة التنافسية التي حققها المنتج داخل المصنع.
مستغانم.. لماذا يمثل التخصص تحولًا اقتصاديًا؟
تكمن أهمية تخصيص ميناء مستغانم في أنه يضع الجزائر أمام تجربة عملية للانتقال من نموذج الموانئ متعددة الوظائف إلى نموذج أكثر تخصصًا. والفكرة الاقتصادية وراء التخصص بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في نتائجها: عندما يعرف الميناء بدقة نوع التدفقات التي يتعامل معها، يصبح بالإمكان تصميم الأرصفة والتجهيزات ومناطق التخزين والرقمنة والموارد البشرية والعمليات الجمركية وفق احتياجات محددة، بدل محاولة جعل كل ميناء قادرًا على التعامل مع كل أنواع النشاطات.
وهذا ما يجعل قرار مستغانم يتجاوز مسألة توزيع حركة السفن. فالتخصص يسمح بتركيز الاستثمار، ويتيح قياس الأداء بصورة أكثر دقة، ويجعل من الممكن بناء سلسلة لوجستية متكاملة حول نشاط محدد. وإذا نجحت التجربة، يمكن أن تصبح مستغانم نموذجًا لتوزيع الأدوار بين الموانئ الجزائرية وفق طبيعة البضائع، وحجم التدفقات، والمناطق الصناعية، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، والأسواق المستهدفة.
والأهم أن التخصص يجب ألا يُفهم باعتباره تقييدًا لنشاط الميناء، بل باعتباره وسيلة لرفع إنتاجيته. فالميناء المتخصص لا ينبغي أن يكون ميناءً أقل نشاطًا، وإنما ميناءً أكثر تركيزًا وأسرع معالجة وأقل تكلفة.
أرقام مستغانم تكشف أن الميناء دخل بالفعل مرحلة نمو
تملك هذه التجربة قاعدة مادية مهمة. فقد شهد نشاط الحاويات في ميناء مستغانم تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد الحاويات المعالجة من حوالي 18.3 ألف حاوية سنة 2023 إلى أكثر من 60.8 ألف حاوية سنة 2025، أي أكثر من ثلاثة أضعاف خلال عامين.
وهذه القفزة ليست تفصيلًا إحصائيًا بسيطًا؛ فهي تعني أن الطلب على الخدمات اللوجستية في الميناء كان يتوسع أصلًا، وأن قرار التخصص يأتي في سياق نمو حقيقي في النشاط وليس في إطار محاولة تنشيط منشأة غير مستغلة.
وفي سبتمبر 2026، دخلت حيز الخدمة منصة جديدة لتخزين الحاويات والأرصفة التابعة لها، في إطار برنامج تطوير الميناء. وتضم المنصة الجديدة طاقة تخزين معلنة تصل إلى 10 آلاف حاوية و700 ألف طن، مع برمجة توسعة إضافية على مساحة تقارب خمسة هكتارات.
وهنا تظهر أهمية الاستثمار في التخزين. فالميناء الذي يستقبل السفن دون أن يمتلك مساحة كافية لتخزين ومعالجة الحاويات قد يتحول إلى نقطة اختناق. أما عندما تتكامل الأرصفة مع التخزين والمناولة والرقمنة، فإن الطاقة الفعلية للميناء ترتفع حتى قبل بناء أرصفة جديدة.
العمق.. ليس مجرد رقم هندسي
ومن بين أهم عناصر تطوير ميناء مستغانم مسألة تعميق الأرصفة والأحواض. فالانتقال إلى أعماق أكبر، وصولًا إلى حدود 15 مترًا في المشاريع المبرمجة، يسمح باستقبال سفن ذات حمولة أكبر، ويمنح الميناء قدرة أعلى على التعامل مع خطوط بحرية أكثر تنافسية.
لكن يجب هنا تجنب النظر إلى العمق باعتباره هدفًا قائمًا بذاته. فوجود رصيف عميق لا يخلق نشاطًا اقتصاديًا تلقائيًا. الاستفادة من السفن الأكبر تحتاج إلى حمولات منتظمة، خطوط بحرية منتظمة، تدفقات تصدير واستيراد كافية، وسرعة في عمليات التفريغ والشحن.
بمعنى آخر، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم مترًا بلغ عمق الميناء؟ وإنما: كم طنًا إضافيًا يمكن أن تمر عبر الميناء سنويًا، وكم يمكن أن تنخفض تكلفة الطن الواحد؟وهنا يتحول الاستثمار الهندسي إلى استثمار اقتصادي.
المصدرون.. الحلقة التي يجب أن تكون في قلب سياسة الموانئ
الجزائر تملك قاعدة متنامية من المصدرين، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه القاعدة إلى مصدرين منتظمين قادرين على دخول الأسواق الخارجية باستمرارية.
وقد تجاوز عدد المصدرين الجزائريين الذين تم تسجيلهم خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 نحو 1,800 مصدر وفق معطيات رسمية، مع تسجيل انتشار مهم في الأسواق الأوروبية والإفريقية والآسيوية. ولا ينبغي جمع أعداد المصدرين حسب المناطق لأن المصدر الواحد يمكن أن يصدر إلى أكثر من سوق.
هذه النقطة بالغة الأهمية بالنسبة لميناء مستغانم. فالمصدر الصغير والمتوسط لا يحتاج فقط إلى مصنع جيد ومنتج مطابق للمعايير، وإنما يحتاج أيضًا إلى خدمة مينائية يمكن التنبؤ بها: موعد واضح للسفينة، تكلفة واضحة، تخليص سريع، حاوية متاحة، تخزين مناسب، وسلسلة تبريد عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الغذائية والفلاحية.
ولهذا فإن تطوير الميناء يمكن أن يصبح عاملًا حاسمًا في الانتقال من مصدرين موسميين أو محدودي العمليات إلى مصدرين منتظمين.
الصادرات خارج المحروقات تنمو.. لكن التركيبة تحتاج إلى مزيد من التنويع
رغم النمو المسجل، لا تزال بنية الصادرات الجزائرية خارج المحروقات تتركز بدرجة معتبرة في عدد من المنتجات، خصوصًا الأسمدة والحديد والصلب والإسمنت والمنتجات المرتبطة بالموارد الطبيعية والصناعات التحويلية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تركز فقط على رفع قيمة الصادرات، وإنما على توسيع قاعدة المنتجات والأسواق والمصدرين.
وهنا يمكن لميناء مستغانم أن يؤدي دورًا مهمًا في قطاعات متعددة، من الصناعات الغذائية والمنتجات الفلاحية إلى مواد البناء والمنتجات المعدنية والميكانيكية والبلاستيكية والكهربائية والإلكترونية، بشرط أن تكون هذه القطاعات مدعومة بمناطق إنتاج وتخزين وخدمات لوجستية مرتبطة بالميناء، فالميناء لا يصنع المنتج، لكنه يمكن أن يصنع جزءًا من القدرة التنافسية للمنتج.
من الإسمنت والحديد إلى المنتجات ذات القيمة المضافة
تعطي العمليات المسجلة في ميناء مستغانم مثالًا على قدرة الميناء على التعامل مع تدفقات تصديرية متنوعة، فقد شهد الميناء في إحدى العمليات شحن أكثر من 13 ألف طن من الصادرات غير النفطية في يوم واحد، تضمنت حوالي 6,900 طن من الإسمنت و3,500 طن من حديد التسليح و3,000 طن من نوى الزيتون.
هذا التنوع مهم لأنه يوضح أن وظيفة الميناء يمكن أن تمتد من تصدير المواد والمنتجات الصناعية الثقيلة إلى منتجات زراعية أو شبه مصنعة.
لكن الرهان الأكبر هو أن تنتقل الجزائر تدريجيًا من تصدير المواد الأقل تصنيعًا إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. فكلما زادت القيمة المضافة داخل الجزائر قبل وصول المنتج إلى الميناء، زادت قيمة العملة الصعبة التي تدخل الاقتصاد، وارتفع أثر الصادرات على التشغيل والاستثمار.
اللوجستيك.. تكلفة غير مرئية قد تلتهم تنافسية المنتج
المشكلة الأساسية التي يجب أن تعالجها سياسة تخصص الموانئ هي الزمن.
البنك الدولي، في بيانات تتبع سلاسل الإمداد المستخدمة في مؤشر الأداء اللوجستي لعام 2023، سجل للجزائر متوسط زمن بقاء الشحنة في الميناء بلغ 20.9 يومًا، بوسيط قدره 16.4 يومًا، اعتمادًا على 2,362 ملاحظة خلال مايو–أكتوبر 2022. وهذه ليست بيانات خاصة بميناء مستغانم وحده، بل مؤشر وطني من قاعدة تتبع سلاسل الإمداد، ولذلك ينبغي استخدامها كمؤشر مرجعي لا كوصف مباشر للوضع الحالي في مستغانم.
وتكمن أهمية الرقم في أن البنك الدولي نفسه يؤكد أن سرعة وموثوقية سلاسل الإمداد عنصران حاسمان في الأداء اللوجستي.
بالنسبة للمصدر، يوم إضافي قد يعني تكاليف تخزين ومناولة وتمويل وتأمين، وقد يعني في بعض المنتجات خسارة جزء من القيمة التجارية، خصوصًا المنتجات القابلة للتلف.
لذلك فإن اختصار يوم واحد في سلسلة التصدير قد يكون أحيانًا أكثر أهمية من تخفيض بسيط في سعر المناولة.
من «زمن الميناء» إلى «زمن المنتج»
المؤشر الذي يجب أن تتبناه الجزائر مستقبلاً هو ليس فقط زمن بقاء السفينة أو الحاوية، وإنما الزمن الكلي من المصنع إلى الزبون الخارجي.
المصدر يريد أن يعرف:متى خرج المنتج من المصنع؟متى وصل إلى الميناء؟متى دخل منطقة التخزين؟متى أنجزت الوثائق؟متى صعد إلى السفينة؟متى غادرت السفينة؟ومتى يصل المنتج إلى المستورد؟
إذا أمكن رقمنة هذه السلسلة وربطها في منصة واحدة، يصبح بإمكان المصدر أن يتنبأ بموعد التسليم، ويصبح بإمكان الدولة أيضًا اكتشاف مواضع الاختناق بصورة فورية.
وهنا تلتقي سياسة تخصص الموانئ مع سياسة الرقمنة.
الميناء والاستثمار.. لماذا يمكن لمستغانم أن يصبح قطبًا اقتصاديًا؟
المستثمر لا يبحث فقط عن الأرض والكهرباء والتمويل والتحفيزات. في الصناعات المنتجة، يبحث أيضًا عن المسافة إلى الميناء وتكلفة الوصول إليه.
ولهذا فإن تطوير ميناء مستغانم يمكن أن يخلق أثرًا مضاعفًا في الولايات الغربية، لأن كل تحسن في اللوجستيك يرفع جاذبية المنطقة للمصانع التي تستورد مدخلات وتصدر منتجاتها.
ومن هنا يمكن أن تنشأ حول الميناء منظومة اقتصادية تشمل التخزين، النقل، المناولة، التبريد، التأمين، الخدمات الجمركية، الصيانة، التغليف، وإعادة التوزيع.
الفرق بين ميناء يخدم الاقتصاد وميناء يصبح جزءًا من اقتصاد الميناء
في الحالة الأولى، الميناء يستقبل البضائع ويخرجها. أما في الحالة الثانية، فإنه يولد حوله نشاطًا اقتصاديًا وفرصًا استثمارية وخدمات جديدة.
تخصيص الميناء للمؤسسات العمومية.. فرصة لتحسين إدارة الاستيراد
إن تخصيص مستغانم لخدمة عمليات المؤسسات العمومية يمكن أن يمنح الدولة فرصة لبناء مسار أكثر وضوحًا للاستيراد العمومي.
فبدل أن تكون عمليات الاستيراد موزعة بين مواقع متعددة، يمكن بناء منظومة تتكامل فيها بيانات المؤسسة العمومية مع بيانات المورد والسفينة والميناء والجمارك والنقل.وهذا يفتح الباب أمام رقابة أكثر دقة على الكمية والقيمة والآجال والوجهة النهائية للسلع.
لكن يجب الانتباه إلى أن التخصص وحده لا يكفي. فإذا بقيت الإجراءات الورقية أو تعددت نقاط التدخل الإداري، فإن الاختناق يمكن أن ينتقل من ميناء إلى آخر.لذلك يجب أن يكون تخصص مستغانم مصحوبًا بتخصص في الإجراءات أيضًا.
ميناء متخصص بلا سكك حديدية فعالة.. نصف إصلاح
هناك خطأ ينبغي تجنبه: الاعتقاد بأن زيادة الأرصفة والمخازن تكفي.فالميناء جزء من شبكة، وليس جزيرة مستقلة.إذا خرجت آلاف الحاويات من السفن ثم واجهت اختناقًا في الطرق أو السكك الحديدية، فإن قدرة الميناء البحرية ستصبح أكبر من قدرة الاقتصاد البري على استيعابها.لذلك يجب أن يسير تطوير مستغانم في أربعة اتجاهات متزامنة: الميناء، السكك الحديدية، الطرق، والمناطق اللوجستية والصناعية.
عندها فقط يمكن تحويل الموقع الجغرافي لمستغانم إلى ميزة تنافسية حقيقية للولايات الغربية.
الاستثمار في الميناء يجب أن يخضع لمنطق العائد
من أهم المشاريع المرتبطة بميناء مستغانم منصة تخزين الحاويات، إضافة إلى الاستثمارات في التجهيزات وتطوير الأرصفة والحوض الثالث وتعميق الغاطس. لكن السؤال الاقتصادي ليس فقط: كم استثمرنا؟ السؤال هو:
كم دولارًا إضافيًا من الصادرات سيولد كل مليار دينار مستثمر في الميناء؟وكم مؤسسة جديدة ستستفيد؟وكم سينخفض متوسط زمن التخليص؟وكم ستنخفض تكلفة تصدير الطن؟وكم سيرتفع عدد المصدرين المنتظمين؟
هذه المؤشرات هي التي ينبغي أن تصبح أساس تقييم السياسة الجديدة.مستغانم يمكن أن يكون مختبرًا لخريطة وطنية جديدة للموانئ، إذا نجحت تجربة مستغانم، يمكن للجزائر أن تنتقل إلى مرحلة أكثر طموحًا: إعداد خريطة وطنية لتخصص الموانئ.
ليس بالضرورة أن تكون كل الموانئ متشابهة. فميناء يخدم منطقة صناعية ثقيلة لا ينبغي أن تكون وظيفته مطابقة لميناء يخدم المنتجات الفلاحية أو الحاويات أو الطاقة. التخصص يسمح بتوجيه الاستثمارات وفق احتياجات كل منطقة، بدل توزيع التجهيزات بصورة متشابهة على جميع الموانئ. وهنا تصبح الخريطة المينائية جزءًا من الخريطة الاقتصادية الوطنية.
الرهان الحقيقي: من ميناء للاستيراد إلى منصة للإنتاج والتصدير
أكبر خطر على التجربة هو أن يتحول مفهوم التخصص إلى مجرد إعادة توزيع للاستيراد.
فالجزائر لا تحتاج فقط إلى استيراد أسرع، وإنما إلى استيراد أكثر ذكاءً؛ أي استيراد الآلات والمواد الأولية والتجهيزات التي تسمح بزيادة الإنتاج، ثم استخدام الموانئ نفسها لتصدير المنتجات الناتجة. وهنا تصبح المعادلة الاقتصادية أكثر وضوحًا:
استيراد مدخلات الإنتاج → إنتاج محلي → قيمة مضافة → تصدير → عملة صعبة → استثمار جديد.
أما إذا اقتصرت النتيجة على تسريع دخول السلع الاستهلاكية، فلن يكون الأثر التنموي بالعمق نفسه.
المصدر الصغير يحتاج إلى ميناء يمكن التنبؤ به
وهذه ربما واحدة من أهم الرسائل التي يجب أن تصل إلى صانع القرار.
الشركات الكبرى تستطيع أحيانًا تحمل بعض التكاليف الإضافية، بينما المصدر الصغير والمتوسط أكثر حساسية لكل دينار إضافي ولكل يوم تأخير. ولهذا فإن نجاح سياسة الموانئ يجب أن يُقاس أيضًا بمدى استفادة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمصدرين الجدد.
إذا أصبح بإمكان مؤسسة صغيرة في مستغانم أو وهران أو معسكر أو غليزان أو سيدي بلعباس أن تعرف تكلفة تصدير منتجها وموعد وصوله إلى الميناء وموعد تحميله على السفينة، فإن الميناء يكون قد ساهم فعليًا في توسيع قاعدة المصدرين.
أما إذا بقيت الخدمة مناسبة أساسًا للمتعاملين الكبار، فإن أثر التخصص على تنويع الاقتصاد سيكون محدودًا.
المطلوب: مؤشرات أداء معلنة
حتى تتحول التجربة إلى سياسة اقتصادية قابلة للتقييم، أقترح اعتماد لوحة مؤشرات سنوية لميناء مستغانم تتضمن على الأقل:
عدد السفن، عدد الحاويات، حجم الصادرات، حجم الواردات، قيمة الصادرات، عدد المصدرين، عدد الأسواق الخارجية، متوسط زمن بقاء الحاوية، متوسط انتظار السفينة، زمن التخليص الجمركي، تكلفة المناولة، تكلفة نقل الطن، نسبة استخدام الطاقة الاستيعابية، وحصة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من النشاط.ويضاف إليها مؤشر بالغ الأهمية: قيمة الصادرات الإضافية التي يمكن ربطها مباشرة بتحسن الخدمات اللوجستية. بهذه الطريقة يصبح تقييم القرار قائمًا على النتائج، وليس على حجم الإنفاق. نحو ميناء يخدم «القيمة المضافة» لا مجرد حركة البضائع
المؤشر النهائي لنجاح سياسة تخصص الموانئ ليس عدد الحاويات، لأن الحاوية قد تحمل سلعة منخفضة القيمة أو آلة إنتاج عالية القيمة. وهو ليس عدد السفن، لأن السفينة قد تكون محملة بواردات أو صادرات.
المؤشر الأهم هو القيمة الاقتصادية التي يولدها كل تدفق عبر الميناء
إذا دخلت آلة إلى الجزائر وتمكنت بفضلها مؤسسة من إنتاج سلع تنافسية وتصديرها، فإن أثرها الاقتصادي أكبر بكثير من مجرد قيمة الآلة عند دخولها.
وإذا خرجت حاوية تحمل منتجًا جزائريًا بقيمة مضافة عالية إلى سوق إفريقية أو أوروبية أو آسيوية، فإن الميناء يكون قد ساهم في خلق قيمة للاقتصاد الوطني.
وهنا نصل إلى جوهر فلسفة التخصص أن مستغانم أمام اختبار اقتصادي وليس مينائيًا فقط
قرار تخصيص ميناء مستغانم يمثل فرصة لإعادة تعريف وظيفة الميناء داخل الاقتصاد الجزائري. فالأرقام تظهر أن نشاط الحاويات في الميناء ارتفع من نحو 18 ألف حاوية في 2023 إلى أكثر من 60 ألفًا في 2025، في وقت تجاوزت فيه الصادرات خارج المحروقات 4.3 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، واستمرت في تسجيل نمو خلال بداية 2026.
لكن الجزائر أمام تحدٍ أكبر: كيف تجعل نمو الصادرات يترافق مع نمو في الكفاءة اللوجستية؟
فالبنك الدولي سجل في بيانات تتبع سلاسل الإمداد متوسط زمن بقاء الشحنة في الميناء عند 20.9 يومًا للجزائر في عينة 2022، بينما بلغ مؤشر الأداء اللوجستي العام للجزائر 2.5 من 5 في 2023، مع ترتيب إجمالي بلغ 97 عالميًا في ذلك المؤشر. وهذه أرقام مرجعية وليست قياسًا مباشرًا لأداء مستغانم في 2026، لكنها تبرز حجم الرهان على تحسين السرعة والموثوقية
فالميناء الذي يستقبل السفينة فقط هو بنية تحتية، أما الميناء الذي يخفض تكلفة الإنتاج، يسرّع وصول المدخلات، يرفع تنافسية المصدر، يجذب الاستثمار، ويوسع الأسواق الخارجية، فهو أداة من أدوات السياسة الاقتصادية الوطنية.
والاختبار الحقيقي لميناء مستغانم يبدأ من هنا: ليس كم حاوية يستطيع استقبالها، بل كم قيمة مضافة وصادرات واستثمارات جديدة يستطيع أن يساعد الجزائر على خلقها.

