يوضح أن غياب التنسيق بين الهيئات المتدخلة يعرقل أداء مكاتب العبور لمهامها سفيان جحنين لأصوات : توسعة ميناء مستغانم وتطوير بنيته التحتية لن تكون كافية دون منظومة لوجستية متكاملة

يطرح تخصيص ميناء مستغانم لخدمة عمليات الاستيراد والتصدير التي تقوم بها المؤسسات العمومية، وما يرافقه من توجه نحو تطوير قدراته، أسئلة حول الدور الذي يمكن أن يؤديه في دعم الصادرات الجزائرية وتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية في الأسواق الخارجية. وفي هذا الحوار يتناول الخبيرسفيان جحنين رئيس الاتحاد الوطني للمصدرين الجزائريين، أهمية الموقع الاستراتيجي للميناء، وحدود إمكاناته الحالية، والعوائق التي تواجه المصدرين، لاسيما ما يتعلق بالآجال وتعدد المتدخلين والخدمات اللوجستية، كما يتحدث عن أهمية تعميق الميناء وربطه بشبكات النقل ومناطق الإنتاج، بما يسمح بتحويله من مجرد نقطة عبور للسلع إلى منصة داعمة للإنتاج والتصدير
كيف ينظر المصدرون اليوم إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه ميناء مستغانم في رفع القدرة التصديرية للجزائر؟
يعد ميناء مستغانم من أهم الموانئ في غرب الجزائر وغرب المتوسط، نظرا لمساحته التي تقدر بـ60 هكتارا، وعمقه الذي يتراوح بين 8 و11 مترا، ما يسمح باستقبال السفن المتوسطة. كما أن مشروع التوسعة ، الذي سيرفع العمق إلى 15 مترا، سيسمح باستقبال السفن العملاقة التي تتراوح حمولتها بين 60 ألفا و80 ألف طن.
وتقدر قدرة الميناء على معالجة البضائع بحوالي 1.2 إلى مليوني طن سنويا، كما يعد بوابة لولوج الأسواق الأوروبية نظرا لقربه من الموانئ الإسبانية، فضلا عن كونه منفذا نحو دول غرب إفريقيا.
ويضاف إلى ذلك موقعه الاستراتيجي، حيث يتوسط عدة ولايات في غرب الجزائر، تضم مناطق صناعية مثل أرزيو ومصانع الإسمنت في الشلف ووهران وسعيدة، كما يتوسط مناطق الإنتاج الفلاحي، على غرار تيارت وسهل معسكر والشلف وعين الدفلى، وهو ما يؤهله ليكون مركزا لتصدير عدة منتجات، كاليوريا والمشتقات البترولية والمنتجات الفلاحية، مثل البطاطا والحمضيات.
هل الميناء، بإمكاناته الحالية يستجيب فعلا لاحتياجات المصدرين أم أن هناك نقائص ما تزال تحد من فعاليته؟
ميناء مستغانم حاليا يستجيب لبعض متطلبات المصدرين الجزائريين، لكن هناك بعض النقائص، خاصة ما يتعلق بعمق الميناء الحالي، الذي لا يسمح برسو السفن العملاقة وحاملات الحاويات الكبيرة.
وهذا ما يجعل هذه السفن تستعين بموانئ أجنبية، على غرار فالنسيا وبرشلونة، ثم يتم نقل الحاويات من وإلى ميناء مستغانم بواسطة سفن متوسطة الحجم، وهو ما يزيد من تكلفة النقل والبضائع، سواء في الاستيراد أو التصدير.
لكن بعد الانتهاء من مشروع التوسعة والوصول إلى عمق 15 مترا، سيتم تجاوز هذا الإشكال، ويمكن للسفن العملاقة التي تتراوح حمولتها بين 60 ألفا و80 ألف طن دخول الميناء.
ما أكثر العراقيل التي يواجهها المصدر عند مرور سلعته عبر ميناء مستغانم الإجراءات ،الآجال، الخدمات اللوجستية، التكلفة أم الربط بالنقل؟
في عمليات التصدير، يعد الوقت العدو الأول للمصدر، بالنظر إلى كثرة الإجراءات وتعدد الهيئات والإدارات المتدخلة، من بنوك وموانئ وجمارك ومصالح فلاحية وغيرها. ويزداد هذا الإشكال عندما تكون هذه المصالح متباعدة داخل الميناء نفسه، مع غياب التنسيق الفعّال بينها في بعض الأحيان، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير استكمال الإجراءات ويعيق مكاتب العبور عن أداء مهامها بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري إحداث شباك وحيد رقمي للتصدير يجمع مختلف الهيئات والمتدخلين في العملية التصديرية ضمن منصة إلكترونية موحدة، تُمكّن المتعاملين الاقتصاديين ومكاتب العبور من استكمال أكبر قدر ممكن من الإجراءات عن بُعد، دون الحاجة إلى التنقل بين مختلف المصالح. كما ينبغي العمل على توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في تسيير الموانئ، والانتقال تدريجياً نحو مفهوم «الموانئ الذكية»، بما يسمح بتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتبادل المعلومات بشكل آني، والتنبؤ بالاختناقات، وتسريع عمليات معالجة البضائع وتخزينها ورسو السفن ومغادرتها.
إن رقمنة هذه الإجراءات وتوحيدها ضمن منظومة متكاملة من شأنه أن يقلص آجال معالجة عمليات التصدير، ويخفض التكاليف، ويرفع مستوى الشفافية والنجاعة، ويمنح المؤسسات المصدّرة قدرة أكبر على احترام آجال التسليم والمنافسة في الأسواق الدولية.

 

إلى أي مدى يمكن لتطوير ميناء مستغانم أن يقلص تكاليف ومدة وصول المنتجات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية؟
إن تطوير وتوسعة ميناء مستغانم والوصول إلى عمق 15 مترا سيسمحان، كما ذكرنا من قبل، برسو السفن العملاقة وحاملات الحاويات الكبيرة التي تتراوح حمولتها بين 60 ألفا و80 ألف طن مباشرة، دون اللجوء إلى الموانئ الأجنبية، وهو ما سيقلل من تكاليف النقل عند الاستيراد أو التصدير، ومن وقت انتظار السفن، من أجل شحن البضائع بسرعة وبأقل تكلفة.
وهذا ما من شأنه أن يخلق خطوطا بحرية جديدة، خاصة للسفن الكبيرة القادمة من شرق آسيا والخليج والبحر الأسود، والمتجهة إلى الأمريكيتين أو غرب إفريقيا، إذ سيمكنها من الرسو في ميناء مستغانم وشحن البضائع الجزائرية إلى هذه الوجهات. وهو ما يسمح لنا، كمصدرين، بولوج هذه الأسواق البعيدة بأسعار تنافسية.
هل تحتاج الجزائر اليوم إلى إعادة التفكير في وظيفة الموانئ، من مجرد فضاءات لعبور السلع إلى منصات حقيقية لخدمة الإنتاج والتصدير؟
سؤال وجيه الميناء وحده في عالم اليوم لا يكفي، وإنما المهم هو ما يحيط بالميناء، فمعظم الموانئ الكبيرة في العالم مثل شنغهاي ودبي وفالنسيا ومالطا، نجدها محاطة بمناطق صناعية كبرى ومناطق حرة ومنصات لوجستية ومساحات لتوضيب وتخزين السلع وغرف تبريد وصوامع للقمح وصوامع لتخزين الإسمنت، إضافة إلى شبكات من الطرق والسكك الحديدية تربطها بمناطق الإنتاج الفلاحي والصناعي. وهذا ما يعرف بـ«Hub Port»، أي الميناء المحوري، وهو ما يخلق حركية أكبر، ويساهم في خلق مناصب الشغل ورفع سرعة وحجم السلع التي يعالجها ميناء مستغانم سنويا، من مليوني طن إلى 8 أو 10 ملايين طن، وهذا ليس بالمستحيل.
ما الذي ينتظره المصدرون تحديدا من ميناء مستغانم حتى يتحول إلى بوابة أكثر تنافسية نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية؟
إن ميناء مستغانم يمكن أن يصبح قطبا لتصدير المواد الفلاحية، كالبطاطا والحمضيات وزيت الزيتون، وبعض المواد الصناعية، كالاسمنت ومواد البناء، مثل الزليج الجزائري الذي أصبح ينافس المنتج الإسباني في عقر داره. وهذا يتطلب توفير الإمكانيات اللوجستية والاعتماد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
هل ترى أن البنية التحتية للميناء والربط بالطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية واللوجستية متكاملة بما يكفي لدعم التصدير؟
رغم المجهودات الجبارة التي تبذلها الدولة منذ الاستقلال إلى يومنا هذا في مجال البنية التحتية، إلا أن هناك بعض النقائص، خاصة بُعد مناطق الإنتاج الفلاحي، كأدرار وبسكرة بالنسبة إلى ميناء مستغانم، وهو ما يؤدي إلى تأخير وصول السلع وزيادة تكلفة النقل، الأمر الذي يؤثر على السعر النهائي عند التصدير. لكن هناك بعض المشاريع في الأفق، كالطريق المزدوج الذي سيربط تيسمسيلت وتيارت بالطريق السيار شرق-غرب، والطريق المزدوج الذي سيربط مستغانم بالطريق السيار شرق-غرب، وكذلك ازدواجية الطريق العابر للصحراء، وخط السكة الحديدية الذي سيربط شمال الجزائر بجنوبها. وكل هذه المشاريع ستقرب مناطق الإنتاج، مثل تيارت والمنيعة وبسكرة وغرداية وغيرها، من الموانئ في الشمال عامة وميناء مستغانم خاصة، الذي سيصبح رئة الاقتصاد في غرب الجزائر.
في ظل توجه الجزائر نحو تنويع الصادرات، ما القطاعات أو المنتجات التي يمكن لميناء مستغانم أن يخدم توسعها في الأسواق الخارجية؟
يتوسط ميناء مستغانم مناطق الإنتاج الفلاحي في الغرب الجزائري، خاصة سهل الشلف وعين الدفلى ومعسكر وتيارت وأفلو، التي أصبحت من الأقطاب المنتجة للبطاطا والبصل. إن توسيع مساحات التخزين والتبريد والتحويل بالقرب من الميناء أو في المناطق الصناعية القريبة منه، مثل المنطقة الصناعية بسيدي خطاب التي تبعد 70 كيلومترا عن ميناء مستغانم، سيجعل منه قطبا استراتيجيا في تصدير المنتجات الفلاحية. وكذلك فإن قرب هذا الميناء من منطقة أرزيو سيجعله قطبا في تصدير مادة اليوريا، خاصة بعد رفع الاستثمارات ووصول الإنتاج إلى 4 ملايين طن سنويا، ما سيحدث ضغطا كبيرا على الميناء، خاصة إذا علمنا أن أكثر من 90 بالمائة من هذه المادة موجهة للتصدير. لذا سيكون ميناء مستغانم متنفسا بديلا عن ميناء وهران. كما سيكون هذا الميناء مخرجا رئيسيا لعدة منتجات صناعية، نظرا للاستثمارات الكبيرة التي يشهدها غرب الجزائر، كالسيراميك والإسمنت والبلاستيك والورق وغيرها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *