من الحليب المحلي إلى الأجبان التقليدية.. وردية بوزيدي تراهن على تطوير مشروعها وخلق مناصب شغل
من تيزي وزو، تخوض وردية بوزيدي تجربة في صناعة الأجبان الحرفية، انطلقت من مطبخها الخاص لتتحول تدريجيا إلى نشاط مهني يستند إلى تثمين الحليب المحلي وتنويع منتجاته. وتقوم تجربتها على جمع الحليب من مربي الأبقار والماعز في منطقتها، وتحويله إلى أجبان طبيعية متنوعة، بما يربط الإنتاج الحرفي بالنشاط الفلاحي المحلي، ويفتح فرصا لتحسين دخل العائلات الريفية، لا سيما النساء اللواتي يمارسن تربية الماشية. ومع تزايد الطلب على منتجاتها، تتجه بوزيدي إلى توسيع ورشتها وتطوير نشاطها، بالتوازي مع نقل خبرتها من خلال التكوين، في مسار يجمع بين الحفاظ على الحرفة وبناء مشروع اقتصادي قابل للنمو.

كيف تعرفين بنفسك وبطبيعة مشاركتك في الفعالية التي نظمها الاتحاد الأوروبي بالجزائر؟
أنا وردية بوزيدي، من قرية بورني بولاية تيزي وزو، وأعمل في صناعة الأجبان الحرفية والطبيعية. أشارك في هذه الفعالية بمجموعة من منتجاتي المصنوعة من حليب الأبقار والماعز، وهي فرصة للتعريف بعملي وتقاسم تجربتي مع المشاركين.
وأغتنم هذه المناسبة لأشكر السيدة سليمة مكراني على دعوتها، كما أشكر الاتحاد الأوروبي على تنظيم هذه الفعالية التي تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم والتعريف بجهودهم.
انطلقت تجربتك من نشاط بسيط، كيف تحولت فكرة استغلال الحليب إلى مشروع متخصص في صناعة الأجبان؟
كانت عائلتي تربي الأبقار، ولذلك كنت على دراية بالحليب ومشتقاته التقليدية، مثل اللبن والزبدة. لكنني فكرت في إمكانية الذهاب أبعد من ذلك، من خلال تحويل الحليب إلى أجبان، خاصة أن هذا المجال واسع ومتنوع، وقد استلهمت الفكرة أيضا مما كنت أراه من تنوع في صناعة الأجبان في أوروبا.
بدأت التجربة في مطبخي بإمكانات بسيطة، ثم شاركت تدريجيا في بعض الفعاليات المحلية. وفي سنة 2012، استفدت من تكوين مكثف في صناعة الأجبان بولاية تيزي وزو، نظمته إحدى الجمعيات، وهو ما ساعدني على تطوير معارفي والانتقال إلى مراحل أكثر تقدما في هذا النشاط.
بعد ذلك، أصبحت أشارك في التظاهرات التي تنظم في المنطقة، حتى عندما كانت مشاركتي تقتصر على نوعين أو ثلاثة من الأجبان. كنت أعتبر كل مشاركة فرصة للتعريف بمنتجاتي واكتساب الخبرة، ولم يكن حجم العرض هو الأهم بالنسبة إلي، بل الاستمرار في العمل وتطويره.
تعتمد صناعة الأجبان على تقنيات متنوعة، ما أبرز المنتجات التي تعملين على إعدادها؟
أنتج عدة أنواع من الأجبان، منها الأجبان ذات العجينة الطرية، مثل الكامامبير، والأجبان الصلبة، على غرار أجبان التوم المصنوعة من حليب الأبقار أو الماعز، إضافة إلى الأجبان الطازجة ذات التخمر اللبني.
كما أعمل على إعداد الأجبان المحفوظة في زيت الزيتون. فصناعة الأجبان ليست محصورة في أنواع محددة، وإنما تتيح مجالا واسعا للتجريب والتنويع، وهو ما يمنح الحرفي فرصا لتطوير منتجاته والاستجابة لأذواق مختلفة.
وبالنسبة إلي، فإن تنوع المنتجات جزء من العمل على تثمين الحليب، من خلال تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة بدلا من الاكتفاء باستهلاكه في صورته الأولية.
في سوق تضم منتجين وحرفيين آخرين، كيف تحافظين على خصوصية أجبانك وتميزها؟
لكل حرفي بصمته الخاصة، وهذه البصمة تتشكل من خلال التجربة والمهارة والشغف بالعمل. بالنسبة إلي، أعتقد أن الحب الذي أضعه في صناعة الأجبان ينعكس على النتيجة النهائية، وهناك تفاصيل في الممارسة لا يمكن نقلها بصورة آلية من شخص إلى آخر.
وأنا أقدم حاليا تكوينات في هذا المجال، وأحرص على نقل معارفي وتقنياتي إلى المتدربين، لكنني ألاحظ أن لكل شخص طريقته ولمسته الخاصة، حتى عندما يتلقى التكوين نفسه. لذلك، لا يتعلق الأمر بإخفاء أسرار المهنة، بل بأن الممارسة تمنح كل حرفي شخصية مميزة في منتجاته.

هل تفكرين في الانتقال من السوق المحلية إلى التصدير، خاصة مع تنوع منتجاتك؟
أتمنى أن يتحقق ذلك مستقبلا، ولم لا؟ أعمل حاليا على تطوير علاقاتي المهنية، كما سبق لي التعاون مع جهات أجنبية، وهو ما أعتبره خطوة يمكن البناء عليها لتوسيع آفاق النشاط.
وسبق لي أيضا العمل على تثمين جبن «تينيره»، وهو منتج مرتبط بالمنطقة المحيطة بالحديقة الوطنية التي ذكرتها خلال الحوار. وقد تم ذلك بالتعاون مع قطاع الغابات ومسؤولي الحديقة، إلى جانب الشيف عزيز وفريقه، الذين أوجه إليهم الشكر على مساهمتهم.
لقد كانت هذه التجربة مهمة بالنسبة إلي، لأنها أتاحت لي المساهمة في التعريف بمنتج مرتبط بالمنطقة، وأظهرت إمكانية الجمع بين الخبرة في صناعة الأجبان وتثمين المنتجات المحلية.
إلى جانب الإنتاج، تساهمين في نقل خبرتك من خلال التكوين. كيف جاءت هذه الخطوة، وما الذي أضافته إلى تجربتك؟
استفدت من مرافقة السيد محمد عبدلي مكراني، الذي ساعدني على خوض تجربة التكوين وتنظيم دورات مكثفة في صناعة الأجبان. وقد أتيحت لي بالفعل فرصة تكوين أفراد من العائلات الريفية، وهو جانب أعتز به، لأن نقل المعرفة يتيح لآخرين اكتساب مهارات يمكنهم استثمارها في أنشطتهم الخاصة.
وأطمح إلى توسيع هذه التجربة من خلال تنظيم تكوينات في ورشتي بولاية تيزي وزو، حتى يتمكن المهتمون من تعلم صناعة الأجبان بالقرب من مناطق إقامتهم، والاستفادة من تجربة عملية مباشرة.
بالنسبة إلي، لا تقتصر قيمة التكوين على تعليم تقنيات الإنتاج، بل تشمل أيضا تشجيع الأشخاص على اكتشاف فرص جديدة في محيطهم، واستغلال الموارد المتاحة لديهم لبناء نشاط اقتصادي خاص بهم.
مع تزايد الطلب على منتجاتك، هل أصبحت توسعة المشروع ضرورة، وهل تعملين بمفردك؟
في البداية، كنت أعمل بإمكانات محدودة، لكن الطلبات بدأت تتزايد، وأصبحت أجد صعوبة في تلبية احتياجات الزبائن بمفردي. لدي ورشتي الخاصة وأعمل إلى جانب مساعدة واحدة، كما دخلت في شراكة مع أخي الذي عاش في فرنسا وأعجب بهذا النشاط، فقررنا التعاون من أجل تطوير المشروع والذهاب به إلى أبعد مدى.
أصبحت توسعة النشاط ضرورة لمواكبة الطلب، وأتمنى أن نتمكن من تحقيق ذلك مستقبلا، لأن الهدف لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يشمل أيضا خلق مناصب شغل جديدة وتوسيع دائرة المستفيدين من هذا النشاط.

كيف ينعكس نشاطك على مربي الماشية في منطقتك، خصوصا النساء اللواتي يملكن أعدادا محدودة من رؤوس الماعز؟
أعتمد على جمع الحليب من منطقتنا، وأشتريه من المربين المحليين، ومن بينهم نساء وشباب أحرص على توجيه الشكر إليهم، لأنهم شركاء أساسيون في استمرار هذا النشاط.
بالنسبة إلى النساء اللواتي يربين الماعز، فإن بيع الحليب يوفر لهن موردا ماليا يساعدهن على تطوير نشاطهن. فقد تكون لدى إحداهن ثلاث أو أربع ماعزات فقط، لكن عندما يصبح لديها مصدر دخل من الحليب، يمكنها استثمار جزء من مداخيلها في شراء رؤوس إضافية وتوسيع تربيتها تدريجيا.
وهذا ما يشجعني على الاستمرار، لأن العلاقة بين صانع الأجبان ومربي الماشية يمكن أن تتجاوز مجرد شراء المادة الأولية. فكلما تطور نشاط التحويل وارتفع الطلب على الحليب، أمكن أن تتوسع فرص التسويق أمام المنتجين المحليين، وتتحسن قدرة بعض العائلات على تطوير مشاريعها.
ما الجهات التي رافقتك في مسارك، وما الذي تأملين تحقيقه في المرحلة المقبلة؟
أشكر كل من ساندني وشجعني طوال هذا المسار، ومن بينهم مسؤولو الحديقة الوطنية التي تعاونت معها، وقطاع الغابات، وغرفة الصناعة التقليدية، وغرفة الفلاحة بولاية تيزي وزو، إضافة إلى كل الأشخاص الذين قدموا لي الدعم والمرافقة.
كما أخص بالشكر السيد محمد عبدلي مكراني على مرافقته، وكل من ساهم في فتح فرص جديدة أمامي لتطوير عملي ونقل خبرتي إلى الآخرين.
أما في المرحلة المقبلة، فأطمح إلى توسيع ورشتي حتى أتمكن من تلبية الطلبات المتزايدة، وخلق مناصب شغل، وتطوير نشاط التكوين، مع مواصلة تثمين الحليب المحلي والعمل على فتح آفاق أوسع أمام منتجاتي، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى الأسواق الخارجية.
حاورتها: نوال الهواري

