الدبلوماسية الجزائرية تصنع الحدث.. ولعمامرة يحقق الكثير في ظرف قصير
-
حل قضايا الساعة ورفض التدخلات الأجنبية في الشؤون الدول
-
العودة إلى إفريقيا من الباب الواسع
-
إسماع كلمة الجزائر إقليميا ودوليا بعد غياب لسنوات
لاتزال خرجات و جولات الدبلوماسية الجزائرية الأخيرة في الكثير من الدول العربية والأفريقية، تصنع الحدث وتلفت انتباه صناع القرار على المستوى الإقليمي والقاري، فنشاط الوافد -الجديد القديم- رمطان لعمامر، لوزارة الخارجية، على أكثر من صعيد في ظرف قياسي، لم يكن مجرد زيارات شكلية، وإنما حملت في طياتها ملفات ثقيلة تجذرت على مدى سنوات.
بعد سنوات من الركود الذي خيم على الحضور الدبلوماسي الجزائري إقليميا و دوليا، الأمر الذي جعل هذا البلد المحوري والاستراتيجي شبه غائب في أغلب القضايا والملفات التي طبعت الساحة العربية و الإفريقية في السنوات الأخيرة، وهو واقع أرجعه مراقبون إلى نتيجة الأحداث الداخلية التي شهدتها الجزائر منذ بداية حراك 22 فبراير والذي جعلها مركزة على شأنها الداخلي تجنبا لتدخلات وإملاءات أجنبية، قد تؤدي بالبلاد إلى وضعية كارثية.
الدبلوماسية الجزائرية قادرة على حل الأزمات الإفريقية والعربية
واستطاعت الدبلوماسية الجزائرية في ظرف قصير، من زيارة عديد العواصم بداية من تونس وأديس أبابا والخرطوم والقاهرة، تم معالجة فيها أهم القضايا العالقة على غرار أزمة سد النهضة، وما يجرى من أحداث في ليبيا ومحاولة إيجاد حلا فعليا للأزمة التي تشهدها البلاد.
حركية لعمارة هي ترجمة لحنكته الدبلوماسية و تجربته التي يشهد لها الكثيرين، ومعرفته لأم القضايا، وهو الأمر الذي أكده الخبير في الشؤون الأمنية، أحمد ميزاب، الذي أشاد، بهذه الحركية التي قام بها لعمامرة في الفترة الأخيرة، متوقعا أن تساهم حنكته وعلاقاته وعضويته في الكثير من المنظمات الدولية في نجاحه في الوساطات والتسويات للأزمات المعقدة، مؤكدا في ذات السياق أن “الحراك الدبلوماسي القوي للجزائر” وعمق وعراقة دبلوماسيتها، قادر على حلحلة الأزمات الإفريقية والعربية وعلى رأسها الازمة الليبية، التي قال أن غياب الجزائر يعد انهيارا للمعادلة الأمنية والاستقرار الاقتصادي والسياسي، وكذا أزمة سد النهضة، بالإضافة إلى التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها الجزائر، داعيا إلى ضرورة تمتين الجبهة الداخلية بآليات استشرافية بعيدا عن الشعارات.
واعتبر الخبير الأمني، أن تاريخ الدبلوماسية الجزائرية العريق و الانجازات التي حققتها الدبلوماسية الجزائرية على الصعيد الدولي والقاري والإقليمي، من شأنها أن تقود الجزائر إلى تفكيك الكثير من الملفات يرجع أساسا إلى مهنية الدبلوماسية الجزائرية وحيادها، معرجا في هذا الشأن على العلاقات الجزائرية الامريكية في ظل إدارة بايدن التي تسعى الى توطيد التقارب مع الجزائر، مؤكدا أن الإدارة الأمريكية تعول على الجزائر لما لها من عمق استراتيجي.
كما عاد أحمد ميزاب، إلى التحديات الأمنية التي تواجهها الجزائر في ظل التحولات التي تعرفها المنطقة، داعيا إلى ضرورة تمتين الجبهة الداخلية، مشددا على ضرورة أن يكون تماسك الجبهة الداخلية ضمن آليات إستراتيجية وليس مجرد شعارات.
تعزيز الشراكة الاستراتيجية والتشاور حول قضايا الساعة
ويرى مراقبون أن الجزائر حاليا بصدد تعديل وجهتها نحو عمقها الإستراتيجي، متكئة على تجربة دبلوماسية لمعت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث يعتبر أستاذ العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة بجامعة الجزائر، إدريس عطيّة أنّ الجزائر ترتكز في عملها الدبلوماسي وسياستها الخارجية على مرجعية تاريخية، تؤهلها للعب دور عام بالفضاء الأفريقي والعربي، كونها دبلوماسية المبادئ والثقة والالتزامات.
وبخصوص تدخلها في ملف سدّ النهضة، أكد عطيّة، أن الجزائر تبني وساطتها بين كل من إثيوبيا من جهة، والسودان ومصر من جهة ثانية، على ثقة الأطراف المتنازعة، خاصة أن أديس أبابا لم تقبل وساطات أخرى عُرضت في وقت سابق، على غرار الوساطة الخليجية أو التونسية.
وأضاف عطية أنّ أديس أبابا تقدر جهود الجزائر في هندسة السلم والأمن بالقارة الأفريقية، وتدرك مكانتها وثقلها الأفريقي والدولي، وهو الأمر الذي أكد رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، حين اعتبر أن طرح الجزائر لمبادرة بشأن أزمة سد النهضة لاقت تجاوبا كبيرا من أطراف الأزمة، وأبدى ثقته في نجاحها، حيث كشف في وقت سابق أن الجزائر تعول على ثقلها الدبلوماسي في أفريقيا لحل الخلاف بشأن سد النهضة، بين مصر والسودان وإثيوبيا.
ترجيح أهمية البعد الإفريقي في حل الأزمات
زيارة لعمامرة لإثيوبيا، وطرح الجزائر لمبادرة حل أزمة “سد النهضة”، ترجمت على أنها فرصة للجزائر وإثيوبيا للخروج من ركود أو عزلة دبلوماسية ظرفية، من جانب أديس أبابا للتسويق لموقفها بشأن سد النهضة، وأنه لا يستهدف الأمن المائي لدول المصب، واستعدادها تقديم تطمينات للقاهرة، وتفادي الحل العسكري المباشر أو غير المباشر باستغلال ظروف التمرد في إقليم تيغراي لإعاقة عمل السد، وأمام ما تعتبره مصر مساساً بأمنها المائي، كما اعتبر مراقبون أن هذه الخطوة تمثل بداية لاستنفاد الطرق الدبلوماسية من الجانب المصري، بالإضافة إلى سعي الدبلوماسية الجزائرية إلى ترجيع أهمية البعد الأفريقي في حل مثل هذه القضايا، ووضع حد لتغلغل بعض القوى الإقليمية والدولية عبر التدخل في شؤون النزاعات الأفريقية، خصوصاً مع تنامي الدور الصهيوني في المنطقة، بعد إصرار رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، موسى فقي، على قبول الكيان الصهيوني كعضو مراقب في الاتحاد الأفريقي، وهو الأمر الذي اعتبره وزير الشؤون الخارجية، رمطان لعمامرة، من شأنه أن يؤثر سلبا على المنطقة القارية، من خلال تقسيم المنطقة، معتبرا القرار الذي اعترضت عليه الجزائر إلى جانب عدد من الدول العربية يقع ضمن نطاق اختصاصاته الكاملة، مشيرا إلى أن تصريحات رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد من خلال إصراره على قبول عضوية الاحتلال الإسرائيلي كعضو مراقب في المنظمة القارية بمثابة محاولة دفاع عن النفس دون معرفة عواقبها، مضيفا في ذات السياق أن موسى فقي لا يدرك عواقب مثل هذه التصريحات والمواقف التي يكشف عنها، فالتعنت والإصرار ومثل هذه التصرفات قد تؤدي إلى تقسيم الاتحاد الإفريقي.
واستطاعت الجزائر بالفعل أن إدراج قرار رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ضمن جدول أعمال المجلس التنفيذي المقبل للاتحاد الافريقي، للنظر في التحفظات التي ابدتها مجموعة من الدول الأعضاء التي رفضت انضمام الكيان المحتل للمنظمة القارية، بعد الموقف القوي للخارجية الجزائرية التي أوضحت أن هذا القرار اتخذ دون مشاورات موسعة مسبقة مع جميع الدول الأعضاء، مؤكدة أنه لا يحمل أية صفة أو قدرة لإضفاء الشرعية على ممارسات وسلوكيات المراقب الجديد، ويتعارض تماما مع القيم والمبادئ والأهداف المنصوص عليها في القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
الجزائر حاضرة دائما بثقلها وبتاريخها الدبلوماسي
الجولة التي قام بها رمطان لعمامرة، لم يسبق أن بادر بها وزير خارجية عربي -حسب وسائل إعلام عربية، حيث مثلت فرصة لعودة نشاط الدبلوماسية النوعي في المجال الأفريقي، وذلك بعد المحادثات المسبقة مع الطرف المصري ومع رجال السلطة في إثيوبيا، وهو بمثابة ضوء أخضر للجزائر من أجل لعب دور الوسيط بين أطراف النزاع، نظراً إلى رصيد الجزائر في مجال الوساطة، ولعل أهمها إنهاء الصراع الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا”.
الجولة الدبلوماسية إلى العديد من الدول الإفريقية والعربية، التي قام بها وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، رمطان لعمامرة،كان الهدف منها إجراء مشاورات حول الهموم العربية والافريقية وتحضيرا لإستحقاقات مهمة، وهي عقد القمة العربية المقبلة في الجزائر، إلا أن مراقبون ارجعوا إلى أن الدبلوماسية الجزائرية، حريصة من خلال هذه الجولة للعودة إلى الساحة الإفريقية و العربية بقوة واستعادة هيبتها التي تراجعت في العامين الأخيرين، حيث يشهد التاريخ أن الجزائر كشبت الرهان في العديد من المناسبات من خلال حل العديد من القضايا و الملفات بداية من تمكنها من إدراج منظمة التحرير الفلسطينية في أروقة منظمة الأمم المتحدة، وكذا نجاحها في تحرير رهائنهم بطهران سنة 1982، ناهيك عن دورها الرئيس في حل النزاع بين العراق وإيران سنة 1975، ثم وساطتها مرة ثانية في حرب الخليج الأولى، وصولا إلى جهودها في وقف الأعمال القتالية نهائيا بين إثيوبيا وإريتريا، بموجب اتفاقية السلام الموقعة بالجزائر في 12 ديسمبر 2000، وأخيرا الأزمة الليبية التي تلعب الجزائر فيها دور محوري من أجل لمّ شمل الفرقاء، مثلما تتابع حاليّا الوضع في تونس، عن كثب وعلى أعلى مستوى رسمي، في ظل التطورات السياسيّة الأخيرة.

