للكاتب رشيد ولد بوسيافة .. جامعة الدول العربية وحركات التحرر في المغرب العربي (1952-1962) الجزائر نموذجا

 

عرف النصف الأول من القرن العشرين ميلاد أول تكتل يضم الدول العربية؛ إذ تعززت الحاجة إلى قيام هذا التكتل بعد ظهور عدد من الحركات التحررية في العالم العربي، وكان لهذا التكتل الناشئ دور كبير في دعم حركات التحرر في المغرب العربي، وإعادة ربط بلدانه بالمحيط العربي.

ق.ث

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات “سلسلة أطروحات الدكتوراة”، كتاب جامعة الدول العربية وحركات التحرر في المغرب العربي: 1952 ـ 1962 (الجزائر أنموذجا). للكاتب رشيد ولد بوسيافة، وهو أستاذ جامعي جزائري حاصل على شهادة الدكتوراة في التاريخ الحديث والمعاصر، ويعمل محاضرا بجامعة يحيى فارس بالمدية ـ الجزائر.

يقع الكتاب، في 288 صفحة من القطع المتوسط، وتكمن أهميته في أنه يحتوي أول دراسة أكاديمية تستنطق وثائق، وعلى رأسها تقارير الأمين العام للجامعة العربية، فضلا عن باقي وثائق الجامعة من مذكرات، وتقارير خاصة، ومضابط للجلسات الرسمية، التي لا تزال تصنف في خانة السرية، وبذلك تقدم للباحث عملا أرشيفيا، موثقا، أصليا، يُغنيه عن البحث في رفوف مكتبة الأمانة العامة، خصوصا أن هذه الوثائق غير مطبوعة، وغير مبوبة، كما أن المادة التي تتناول دعم الجامعة العربية لحركات التحرر في المغرب العربي، مبعثرة بين المجلدات والكتيبات، وبعضها غير متاح للباحثين.

 

الجامعة العربية ـ المغرب العربي.. تاريخ النشأة

 

انطلق، الكاتب، من سؤال رئيسي عن الدور الذي أدته الجامعة العربية في مساعدة بلدان المغرب العربي على التحرر من ربقة الاستعمار. وللإجابة عن هذا السؤال، قسّم الباحث كتابه إلى أربعة فصول، تناول في الفصل الأول “العمل العربي والمغربي المشترك: النشأة والتطور” من خلال محورين، درس في الأول ظروف نشأة جامعة الدول العربية، فيما خصص الثاني لدراسة مكتب المغرب العربي.

في المحور الأول، ألقى الكاتب الضوء على ملابسات نشأة الجامعة العربية، التي أشار إلى ربط أغلب الدارسين إنشاءها بالخطاب التاريخي الذي ألقاه وزير الخارجية البريطاني أنتوني إيدن في 29 أيار / مايو 1941، وأرجع الكاتب اهتمام بريطانيا بدفع العرب ومساعدتهم في إنشاء كيان يجمعهم، إلى رغبة بريطانيا في تخفيف حدة العداء الذي يحمله العرب لسياستها الاستعمارية، من خلال القبول بتعاون وتنسيق لا يضران بمصالحها.

عرض الكاتب بعد ذلك تفاصيل المباحثات والاجتماعات التي عقدت لإعداد صيغة لتحقيق الوحدة، فيما عرف ببروتوكول الإسكندرية، ثم عرض ميثاق الجامعة وناقش معاهدة الدفاع المشترك، التي وقّعت في 13 نيسان/أبريل 1950، ثم استعرض هياكل الجامعة، وأخيرا ناقش موقف الجامعة من الاستعمار، وأكد أن الجامعة العربية كرست نفسها لنصرة الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار، ما جعلها محل سخط الدول الاستعمارية في السنوات التي تلت تأسيسها.

بدأ الكاتب المحور الثاني بدراسة البعد الوحدوي في المغرب العربي، منذ بدايتها في أوائل القرن العشرين، حين أُسست “لجنة استقلال الجزائر وتونس” في برلين، عام 1916، وبعدها بعشر سنوات تأسس أول تنظيم سياسي يجمع النخب الوطنية في تونس، والجزائر، والمغرب، سُمي “نجم شمال أفريقيا”. وأشار المؤلف إلى أن قادة الحركة الوطنية المغاربية قد نقلوا نشاطهم من برلين إلى دمشق ثم القاهرة، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

عرض المؤلف ملابسات تأسيس مكتب المغرب العربي، التي تعود فكرة تأسيسه إلى عام 1946، حين استقبل يوسف الرويسي، عددا من قادة الحركة الوطنية في المغرب العربي، لمناقشة القضايا المغاربية، وإمكانية النظر إليها من منظور قومي. وبعد انعقاد مؤتمر المغرب العربي في عام 1947، قام ممثلو الأحزاب المغاربية بفتح دار لتوحيد مكاتبهم في القاهرة، وأطلقوا عليها “مكتب المغرب العربي”. وأشار المؤلف إلى أن مجلة فرانس اعتبرت مكتب المغرب العربي امتدادا للجامعة العربية، أو قسما مكملا لها.

اختتم الكاتب الفصل بقوله؛ “إن فكرة العمل العربي والمغاربي المشترك بدأت ملهمة ووهاجة، وأن الآباء الأولين الذين أسسوا الجامعة، كانوا يحلمون بكيان واحد للأمة العربية، وذلك واضح من خلال الوثائق التأسيسية للجامعة العربية، وميثاق تأسيسها، خصوصا معاهدة الدفاع العربي المشترك؛ فالعمل الميداني لم يكن في مستوى الشعارات، والنتائج المُحققة كانت أقل كثيرا من الأهداف التي رسمت في البداية”. (ص 57)

 

قضايا التحرر في دول المغرب

 

أما الفصل الثاني “جامعة الدول العربية وقضايا التحرر في ليبيا وتونس والمغرب”، فقد أشار الكاتب في بدايته إلى أنه اختار اسم الفصل طبقا للتدرج الزمني في طرح القضايا في أروقة الأمم المتحدة، لذا بدأه بدراسة موقف جامعة الدول العربية من القضية الليبية، التي كانت الجامعة العربية تضعها خلال السنوات الأولى لتأسيسها ضمن أولويات عملها، وأرجع ذلك إلى شخصية عبد الرحمن عزام باشا الذي له تاريخ نضالي، وعلاقات متشابكة داخل ليبيا، وهو الذي قاتل الإيطاليين في صفوف الليبيين تحت راية الخلافة العثمانية.

استعرض الكاتب جهود الجامعة العربية في استقلال ليبيا، والدور الحاسم الذي قامت به لضمان استقلالها ووحدتها، بعد أن أصبحت ليبيا محل أطماع الدول الاستعمارية، التي سعت للاستيلاء على مستعمرات دول المحور، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ حيث رأت فرنسا تعديل الحدود بين ليبيا وتونس، لتضم فزان إلى مستعمراتها، فيما لم تُخف بريطانيا رغبتها في أن يكون لها مركز قوة في برقة، واقترحت الولايات المتحدة لجنة مراقبة دولية للمستعمرات الإيطالية، وطلبت روسيا الوصاية على طرابلس.

في ختام هذا المبحث، أشار المؤلف إلى خيبة الأمل التي أُصيبت بها الجامعة العربية، بسبب المصير الذي آلت إليه القضية الليبية جراء تداخل المصالح الخارجية، والاستقلال المنقوص الذي قبل به الليبيون، في ظل نظام الحكم الفيدرالي، الذي لا يتماشى مع الأفكار القومية الوحدوية التي تدعو إليها الجامعة العربية.

استهل الكاتب دراسته للمبحث الخاص بجامعة الدول العربية والقضية التونسية برصد بدايات المقاومة التونسية ضد نظام الحماية الفرنسية، التي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وأوضح أنه بسبب تأخر الحماية الفرنسية على تونس نحو نصف قرن بعد احتلال الجزائر، أتيحت الفرصة لتجارب سياسية تونسية في الإصلاح والتجديد.

أوضح الكاتب أنه جاء اهتمام الجامعة العربية بالقضية التونسية متأخرا، إذ لم يجر التركيز عليها إلا في الدورة السادسة عشر، في أيلول/سبتمبر 1952، بعد أن أثيرت القضية التونسية في أروقة الأمم المتحدة، وإن أصبح دور الجامعة بعد ذلك جليّا في تدويل القضية التونسية، ومحاولة بلورة رأي دولي داعم للتونس.

لم يقع المغرب الأقصى تحت السيطرة الاستعمارية إلا في بدايات القرن العشرين، وكانت البداية بتوقيع فرنسا اتفاقية مع إيطاليا تنص على إطلاق يد فرنسا في المغرب، في مقابل إطلاق يد إيطاليا في طرابلس، ثم عقدت اتفاقا مشابها مع بريطانيا مقابل إطلاق يد بريطانيا في مصر. وفي 30 مارس 1913، وُقعت معاهدة الحماية بين المغرب وفرنسا، وبذلك انضم المغرب إلى شقيقاته في المغرب العربي، لتبدأ هذه الأقطار فصولا من المقاومة والنضال ضد العدو المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *