من “الياسين” مرورا بـ”هنية” وصولا إلى “السنوار”

بقلم الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام

تحتل القضية الفلسطينية محور إهتمامات المجتمع الدولي اليوم بعد ثورة “طوفان الأقصى”، ولا ‏شك أن تزايد تعنت الاحتلال لا يزيد المقاومة إلا ثباتا على أرض المعركة، على الرغم من تلقيها ‏ضربات مست رموزها منذ تأسيسها، كان آخرها إغتيال رئيس المكتب السياسي لـ”حركة حماس” ‏‏”إسماعيل هنية”، هذا الإغتيال الذي يعتبر مخالفاً حتى للمواثيق الدولية كونه إختراقٌ لسيادة الدولة ‏الإيرانية، بما أن عملية الإغتيال وقعت على نطاقها السيادي، هو تجاوز لكل حدود الخبث السياسي ‏وما هو إلا دليل على عنجهية الاحتلال وتطرفه، لكن هذا لا يعتبر نقطة البداية في سلسلة إغتيالات ‏رموز “حركة حماس”، بل إنه تتابع منظم من الإغتيالات تبنتها مخابرات الاحتلال الإسرائيلي.‏

جاء تأسيس “حركة حماس” سنة 1987 كإنتفاضة على جرائم الاحتلال في ثمانينات القرن ‏الماضي، وللدفاع عن الحقوق المسلوبة منذ دخول الإستعمار الإسرائيلي عقده الثالث بعد حرب ‏‏1948، أي أن تأسيس الحركة جاء حتمية لا بد منها نظرا لتكرار الاحتلال جرائمَ بالجملة في حق ‏الفلسطينيين، ولأن نظرية الحق تفترض أن يكون أيَّ تعدي على أملاك الغير يقابله رد فعل يساويه ‏في الشدة والقوة، يأتي موقف المقاومة موقفا شرعيا تقتضيه ضروريات الدفاع عن الأرض والوطن. ‏لكن هل هذه الإغتيالات المتوالية في قيادات المقاومة عموماً وفي “حركة حماس” خصوصا، قد ‏أحدثت خرقا في مواقفها أم زادتها إصرارا وثباتاً في الدفاع عن القضية؟

منذ بداية تأسيس “حركة حماس” إغتال الإحتلال أو حاول إغتيال عدة قادة سياسيين ‏وعسكريين، ظناً منه أن المقاومة مشخصنة تنتهي بمجرد إنهاء حياتهم، لكن الثابت في الواقع أنها غير ‏ذلك، النزعة التحررية هي نزعة لا تزول بزوال الرجال، وهو ما أثبته التاريخ عبر الحركات التحررية ‏المعروفة في نظالها ضد الظاهرة الإستعمارية، وعند الحديث عن المقاومة الفلسطينية نجد نفس الموقف، ‏توالي سقوط رموزها لم يثنيها عن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في العيش والأمن والإستقرار على ‏أراضيهم.

مواصلة لما ورد في تأملاتنا السياسية حول موضوع سلسلة الإغتيالات المتوالية في رموز المقاومة، ‏نواصل إبراز مدى ثبات القضية الفلسطينية على الرغم من التصفيات الدورية في قادتها.‏

جاء إغتيال “أحمد ياسين” مؤسس حركة حماس سنة 2004، وتبنى الاحتلال قضية الإغتيال ‏هذه على أنها عمل بطولي قضى به على أحد أكبر رموز “حركة حماس”، وإستشعر للحظة أنه بمجرد ‏تنفيذه العملية التي عندما نصف تفاصيلها البشعة خاصة في زمنها الذي إختاره الاحتلال، مع فجر ‏يوم 22 مارس 2004، عندما قامت الطائرات الإسرائيلية بإطلاق عدة صواريخ استهدفته بينما ‏كان عائداً من أداء صلاة الفجر‎ ‎في مسجد المجمع الإسلامي في “خان يونس”، سيطوي به مرحلة ‏مهمة في القضاء على كل أشكال المقاومة، لتحل على الحركة مأساة صعبة بعد إغتيال قائدها ‏المؤسس، لكن هل تخلت عن مواقفها عند هذه العملية؟ الإجابة تكون بـ: “لا” طبعاً.‏

بعد “أحمد ياسين” توالت تصفيات عدة في حق أبرز القادة السياسيين والعسكريين:‏

‏*عبد العزيز الرنتيسي تم إغتياله في 2004؛

‏*عدنان الغول تم إغتياله في 2004؛

‏*نزار ريان تم إغتياله في 2009؛

‏*سعيد صيام تم إغتياله في 2009؛

‏*رائد العطار تم إغتياله في 2014؛

‏*أحمد الجعبري تم إغتياله في 2012؛

‏*صالح العاروري تم إغتياله في 2024؛

‏*إسماعيل هنية تم إغتياله في 2024.‏

بعد هذه المأساة التي حلت بالمقاومة خاصة في ظل ما تمتع به قادتها من حاضنة شعبية، ‏وبنفس أفكار ثبات أهداف الدفاع عن الأرض والمقدسات الإسلامية، كانت النكبة الأخيرة هي ‏إغتيال الشهيد “إسماعيل هنية”، فهل تخلت الحركة عن مطالبها في عودة الدولة الفلسطينية وعاصمتها ‏القدس؟ وهل تراجعت عن حقوق الفلسطينيين في المعتقلات وسجون الاحتلال؟ لم تتراجع والأدهى ‏من ذلك ما حصل مؤخرا على مستوى قيادتها، عند تعيين “يحي السنوار” رئيسا للمكتب السياسي ‏للحركة، ومن ضمن أهداف التعيين رسائل عدة سنشير إليها.

بعد إستمرار الإغتيالات في صفوف قيادات المقاومة كان آخرها إستشهاد رئيس المكتب ‏السياسي لـ”حركة حماس” “إسماعيل هنية”، إنتظر الجميع مستقبل الحركة، وبدأ الإعلام الغربي يشكك ‏في إستمرار المقاومة أو رضوخها للمساومات، وأنها مضطرة لقبول بنود الصفقة الأمريكية التي تحاول ‏خدمة مصالح الاحتلال بشكل واضح.‏

‏ كان وجوبا على “حماس” إثبات العكس من ذلك، كون أن القضية لا ترتبط بالأشخاص بل ‏هي قضية إنسانية، بعد أن بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال ما يفوق 9400 ‏أسير، وهو ما يفسر أن عملية طوفان الأقصى هي نتاج تراكمات للجرائم الإنسانية في حق الشعب ‏الفلسطيني، ومن ظن عكس ذلك فقد أخطئ.‏

جاء رد حركة حماس بتاريخ 06 أوت 2024 أي بعد ستة أيام فقط من عملية إغتيال ‏‏”هنية” التي تمت في 31 جويلية 2024، إختيار هذا التوقيت الوجيز لتزكية قيادة جديدة لم يكن ‏عبثاً، هو يدل على تماسكها وقوة أجهزتها السياسية والعسكرية، والشيء الملفت للنظر هو تزكية ‏القائد “يحي السنوار” رئيسا لمكتبها السياسي، وبالنظر إلى تاريخ “يحي السنوار” مع الإحتلال، هذا ‏يرسم صورة عن المقاومة أنها لا تفاوض من نقطة ضعف كما ظن البعض، بل مركزها في المفاوضات ‏يعبر عن مركز قوة تفرض مطالبها وتتقبل بنود وترفض أخرى إذا كانت لا تخدم مصلحة القضية.‏

يعتبر “يحي السنوار” شخصية متطرفة في نظر الاحتلال الإسرائيلي، ولا شك أن تعيينه جاء ‏فاجعةً حلت به كونه شخصية تمتاز بالإصرار والثبات حتى في مراحل الضعف، ومن هنا يدرك ‏الإحتلال أن ما يقوم به من تصفيات، لا يخدم موقفه خاصة في ظل الضغط الدولي والداخلي ‏لإيقاف الحرب، لأن المقاومة لا تزداد إلا تماسكاً وقوة، ولا شك أن الأيام القادمة ستثبت أن عملية ‏‏31 جويلية 2024 التي تمت في “إيران” والتي راح ضحيتها القائد “إسماعيل هنية”، زادت من تعقيد ‏الحرب ولن تمر بسلام كما ظن منفدوها أو متواطئوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *