الثامن من ماي: يومٌ انقلب فيه التاريخ

لم ينتصر أحدٌ في الجزائر يوم الثامن من ماي 1945.

العالم أعلن نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن الجزائر دخلت حربها الحقيقية في تلك اللحظة.

في سطيف، خرج الناس بأيدٍ فارغة وقلوبٍ ممتلئة بوعدٍ كاذب: أن من قاتل من أجل الحرية سيحيا بها. تقدّم سعال بوزيد حاملاً العلم… فسقط.

لم تكن رصاصة، كانت إعلانًا: هذا وطنٌ يُمنع عليه أن يكون وطنًا.

ثم لم يعد شيءٌ كما كان.

قالمة… خراطة… أسماء لم تعد مدنًا، بل صدى للرصاص، ورائحة للبارود، وذاكرة مفتوحة على الدم. القرى أُحرقت، الأجساد أُلقيت في الوديان، والسماء نفسها شهدت القصف. تختلف الأرقام، نعم، لكن الحقيقة واحدة: عشرات الآلاف سقطوا لأنهم قالوا إنهم شعب.

ذلك اليوم لم يكن مجزرة فقط، بل كان قطيعة.

انتهت فيه لغة المطالب، وبدأت لغة القرار. سقطت فكرة “الانتظار”، وولد يقينٌ لا رجعة فيه: الحرية لا تُعطى.

ومن تحت الركام، بدأ الطريق يتشكّل.

طريقٌ سيُترجم بعد سنوات إلى الثورة الجزائرية، لا كخيار، بل كحتمية.

وحين جاء استقلال الجزائر، لم يكن مفاجأة، بل كان جوابًا مؤجلًا منذ تلك الرصاصة الأولى.

لم ينتهِ الثامن من ماي حين أُطفئت نيرانه، بل ظلّ حيًا في الذاكرة، يتجدّد كلما ذُكرت الحرية بثمنها الحقيقي.

ليس يومًا يُطوى، بل صفحةٌ تُقلب لتذكّرنا أن التاريخ لا يُنصف الضعفاء، بل يكتبه الذين يرفضون البقاء كذلك.

هو ليس ماضٍ يُروى، بل معيارٌ يُقاس به الحاضر: هل بقيت تلك الدماء وفيةً لمعناها؟ وهل بقي الوطن وفيًا لتضحياته؟

الثامن من ماي ليس ذكرى تُؤدّى… بل مسؤولية تُحمل.

وليس جرحًا يُبكى… بل عهدٌ لا يُنكث:

أن وطنًا كُتب بالدم… لا يُعاد كتابته إلا بالوفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *