أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور مولاي بومجود “لأصوات”: ” تحويل ثكنة عسكرية إلى سجن عالي التأمين “رسالة حازمة لتجار المخدرات وشبكات التهريب”

المخدرات تجاوزت الخطر الاجتماعي وأصبحت تهديداً للأمن الوطني والاقتصاد الجزائري”
“تنزروفت موقع صحراوي لعزل بارونات المخدرات وتجفيف امتداداتهم الإجرامية”

قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور مولاي بومجود، إن قرار رئيس الجمهورية بتحويل إحدى الثكنات العسكرية إلى سجن عالي التأمين مخصص للمحكوم عليهم في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية، جاء في وقته المناسب ويعكس توجهاً حازماً في مواجهة بارونات المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة، مؤكداً أن هذه الآفة لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية، وإنما تحولت إلى تهديد مباشر للأمن الوطني والاستقرار الداخلي والاقتصاد الجزائري، وأضاف في حوار أجرته معه جريدة “أصوات”، أن انتشار المخدرات الصلبة، على غرار الكوكايين والهيروين، وتطور شبكات التهريب والجريمة المنظمة، يفرض اعتماد إجراءات استثنائية أكثر صرامة، مشيراً إلى أن الجزائر تواجه محاولات ممنهجة لاستهداف جبهتها الداخلية من خلال استغلال فئة الشباب ونشر المخدرات والمؤثرات العقلية، وشدد على ضرورة تجفيف منابع التمويل والتهريب وملاحقة المتورطين في الداخل والخارج، إلى جانب تعزيز الردع القانوني والأمني.
حاورته: رحمة حيقون

كيف ترون قرار رئيس الجمهورية بتحويل إحدى الثكنات العسكرية إلى سجن عالي التأمين للمحكوم عليهم في قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية؟
في الحقيقة، أعتقد أن القرار جاء صائباً وفي توقيت مهم، خصوصاً بعد المطالب الشعبية الكثيرة بضرورة تشديد العقوبات والإجراءات ضد تجار المخدرات الذين عاثوا فساداً في المجتمع. نحن اليوم أمام وضع لم يعد يسمح بالتعامل مع هذه الآفة باعتبارها مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، لأن المنظومة الأمنية الجزائرية أصبحت مهددة بفعل انتشار المخدرات بمختلف أنواعها وأشكالها، لاسيما أننا نتحدث في الوقت الراهن عن المخدرات الصلبة، مثل الكوكايين والهيروين، وهي أنواع لم نكن نسمع عنها بهذا الانتشار قبل سنوات.
وبالتالي، فإن قرار تحويل إحدى الثكنات العسكرية إلى سجن عالي التأمين يمكن أن يُفهم في إطار سياسة الردع والتطويق الاستراتيجي لهذه الشبكات الإجرامية، خاصة أن المخدرات أصبحت تُستخدم، في تقديري، كأداة من أدوات استهداف الأمن الوطني الجزائري والجبهة الداخلية.
نحن نتحدث عن فئة من الشباب يتم استهدافها بشكل مباشر، وعن محاولات لضرب المجتمع من الداخل، لأن المخدرات هي مدخل إلى الكثير من الجرائم والانحرافات، وهي أيضاً مدخل إلى الجريمة المنظمة. وعندما تنتشر المخدرات، فإننا نجد أنفسنا أمام سلسلة من الجرائم الأخرى، من القتل والسرقة والاعتداءات إلى مختلف أشكال العنف والجريمة، وقد أصبحنا نشاهد أيضاً بروز عصابات الأحياء وتنامي سلوكيات إجرامية تهدد أمن المواطنين، وهو ما يجعل المسألة تتجاوز حدود المشكلة الأمنية التقليدية لتتحول إلى تهديد أمني شامل يمس مختلف مكونات المنظومة الوطنية، ولهذا كان لا بد من اتخاذ إجراءات صارمة وحاسمة في هذا الإطار.

هل يمكن اعتبار هذا القرار رسالة ردع قوية لشبكات تهريب المخدرات، خصوصاً في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بمحاولات إغراق المجتمع الجزائري بالمخدرات والمؤثرات العقلية؟
الاجتماع الذي تم خلاله الإعلان عن هذا القرار حمل رسالة واضحة موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد، أما الرسالة الموجهة إلى الداخل، فهي موجهة إلى تلك العصابات الإجرامية التي تنشط في مجال المخدرات وتهدد أمن البلاد، وتقول بوضوح إن الدولة لن تتساهل مع من يحاول المساس باستقرار الجزائر. وفي الوقت نفسه، هناك رسالة إلى الخارج، لأن بعض شبكات التهريب الداخلية لا تعمل بمعزل عن امتدادات خارجية، نحن نتحدث عن شبكات مرتبطة بمسارات إقليمية للتهريب، وعن جهات تستغل هشاشة الوضع الأمني في بعض المناطق لإقامة مصانع ومستودعات لإنتاج وتخزين المخدرات ثم محاولة تمريرها إلى الجزائر، وهنا أرى أن تشديد العقوبة يجب أن يرافقه تفكيك الشبكات بكامل حلقاتها، لأن الشخص الذي يقوم ببيع المخدرات داخل الجزائر لا يمكن النظر إليه دائماً باعتباره مجرد تاجر مخدرات، بل يجب التحقيق في علاقاته وشبكاته ومصادر تمويله والجهات التي تقف وراءه، نحن أمام جريمة لها بعد أمني واقتصادي واستراتيجي، وبالتالي يجب أن تكون هناك مقاربة شاملة تجمع بين مكافحة التهريب، وتجفيف مصادر التمويل، وتفكيك الشبكات الإجرامية، وتشديد العقوبات على المتورطين.
كما أن الرسالة الثانية موجهة إلى الأطراف الأجنبية التي تريد إغراق الجزائر بالمخدرات، لأن هناك جهات معادية لا تريد للجزائر أن تعيش في أمن واستقرار، ولا تريد لها أن تحافظ على قوتها الإقليمية ودورها المتنامي، فالجزائر اليوم أصبحت تتجه نحو شراكات اقتصادية متنوعة، وتسعى إلى بناء اقتصاد حقيقي لا يقوم فقط على الاستيراد، وإنما على الإنتاج والاستثمار والصناعة والتنمية. وهذا التطور، بطبيعة الحال، يزعج بعض الأطراف التي كانت تستفيد سابقاً من الوضع الاقتصادي الذي يجعل الجزائر سوقاً للمنتجات الأجنبية، وعندما بدأت الجزائر تتجه نحو شراكات حقيقية وندية، وتنويع علاقاتها الاقتصادية، والانفتاح على قوى اقتصادية كبرى، بدأت العجلة الاقتصادية تأخذ منحى جديداً، وهو ما جعل محاولات استهداف الجزائر تتخذ أشكالاً متعددة، من الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة إلى محاولات بث الفتنة والتفرقة، فضلاً عن التهديدات السيبرانية والحرائق وغيرها من الأعمال التي يمكن أن تستهدف الأمن الوطني.ومن هنا، فإن القرار الأخير يمثل، في تقديري، خطوة حاسمة في إطار مواجهة هذه التهديدات، ورسالة واضحة بأن الدولة الجزائرية عازمة على حماية أمنها ومجتمعها واقتصادها، وكذلك أن الأمر لا يجب أن يتوقف عند هذا القرار، بل يجب أن تتواصل الإجراءات الردعية، وأن تتم دراسة مختلف الآليات القانونية التي تسمح بتشديد العقوبات على الجرائم الخطيرة، خصوصاً الجرائم التي تستهدف الأطفال والمجتمع وتجارة المخدرات الصلبة، كما أن تفعيل العقوبات المشددة في الجرائم الخطيرة يمكن أن يشكل عاملاً إضافياً للردع، خاصة أن هناك دولاً تعتمد عقوبات صارمة جداً في قضايا الاتجار بالمخدرات الصلبة والهيروين والكوكايين.
وأنا أتمنى أن تتواصل هذه المقاربة الحازمة، وأن تشمل كذلك ظروف إيداع كبار بارونات المخدرات، لأن هؤلاء يجب ألا يستفيدوا من ظروف إقامة مريحة داخل السجون، وإنما يجب أن تكون العقوبة عقوبة حقيقية تتناسب مع حجم الجرائم التي ارتكبوها والضرر الذي ألحقوه بالمجتمع.

هل تنجح السجون المعزولة في قطع الصلة بين كبار المجرمين وشبكاتهم؟
أعتقد أن اختيار منطقة صحراوية ومعزولة لإقامة هذا النوع من السجون يحمل أبعاداً أمنية واستراتيجية مهمة، لأن المنطقة معروفة بطبيعتها الصحراوية الصعبة وبعدها عن المراكز الحضرية، وبالتالي فإن وجود السجن في منطقة نائية يجعل عملية التواصل بين كبار بارونات المخدرات وشبكاتهم الإجرامية أكثر صعوبة.
في الحقيقة، العقوبة بالنسبة إلى هؤلاء يجب أن تكون عقوبة حقيقية، لأننا لا نتحدث عن أشخاص ارتكبوا مخالفات بسيطة، وإنما عن أشخاص تسببوا في تدمير حياة شباب وأسر، وأضروا بالأمن الوطني، وضربوا الاقتصاد، وساهموا في توسيع دائرة الجريمة المنظمة.
وهنا أريد التأكيد على نقطة مهمة، وهي أن المخدرات لا تتوقف آثارها عند الجانب الاجتماعي فقط. فعندما نتحدث عن المخدرات، يجب أن نتحدث كذلك عن الاقتصاد، وعن تبييض الأموال، وعن تمويل الجريمة المنظمة، وعن المنافسة غير المشروعة التي يمكن أن تضرب الاستثمار الحقيقي.
فالأموال الناتجة عن تجارة المخدرات تدخل في عمليات تبييض الأموال، وهذا الأمر يمكن أن يضر بالمستثمرين والمؤسسات الاقتصادية، لأن صاحب الأموال غير المشروعة يستطيع أحياناً الدخول إلى السوق وشراء السلع أو العقارات أو تمويل أنشطة بأسعار لا يستطيع المستثمر الشريف منافستها.
وبالتالي، فإن تجارة المخدرات يمكن أن تقتل الاستثمار الحقيقي، وتؤثر على الصناعات الصغيرة، وتضر بالمستثمرين الوطنيين، وتخلق اقتصاداً موازياً قائماً على الأموال غير المشروعة.
لهذا، فإن مواجهة المخدرات يجب ألا تنحصر في محاربة الترويج والاستهلاك، بل يجب أن تمتد إلى محاربة تبييض الأموال ومصادر التمويل وتتبع الأموال الناتجة عن هذه التجارة.
كما أن المخدرات أصبحت تؤثر بشكل خطير على المجتمع، خصوصاً فئة الشباب. فالشاب الذي يصبح مدمناً أو واقعاً تحت تأثير المخدرات يفقد تدريجياً القدرة على العمل والتفكير السليم والتخطيط لمستقبله.
ونحن نشاهد اليوم مظاهر اجتماعية خطيرة مرتبطة بالجريمة والعنف والانحراف، بما في ذلك جرائم القتل والاختطاف والاعتداءات، وهذه كلها مؤشرات يجب أن تدفع الدولة والمجتمع إلى التعامل مع الظاهرة بأقصى درجات الجدية.
وقد وصلنا إلى مستويات خطيرة تستوجب قوانين ردعية وإجراءات استثنائية في حق الجرائم الخطيرة، لأن حماية المجتمع أصبحت تفرض اعتماد سياسة أكثر حزماً.
ومن هنا، فإن وجود سجن في منطقة نائية مثل تازروفت يمكن أن يساعد على عزل كبار بارونات المخدرات عن محيطهم الإجرامي، خصوصاً إذا رافق ذلك نظام أمني صارم يمنعهم من إدارة شبكاتهم من داخل السجن.
وهذا الأمر ليس غريباً على التجارب الدولية، حيث نجد أن عدداً من الدول تعتمد سجوناً في مناطق معزولة أو بعيدة عن المدن الكبرى، بهدف الحد من إمكانية التواصل بين المجرمين وشبكاتهم.
ولعل من أشهر الأمثلة سجن غوانتانامو الذي أقامته الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة معزولة بخليج كوبا، حيث تم وضع عدد من المعتقلين في ظروف أمنية استثنائية. وبغض النظر عن الجدل الدولي والقانوني الذي رافق ذلك السجن، فإن فكرة عزل الأشخاص شديدي الخطورة في مناطق بعيدة تعكس أهمية الموقع الجغرافي في بعض الاستراتيجيات الأمنية.
ونحن في الجزائر عندما نتحدث عن حماية أمننا الوطني، فإننا نتحدث عن ضرورة اتخاذ كل الإجراءات التي تمنع بارونات المخدرات من مواصلة نشاطهم حتى وهم داخل السجن.
لذلك، فإن تشديد العقوبات إلى أقصى الحدود في الجرائم الخطيرة أصبح، في رأيي، أمراً ضرورياً، خاصة عندما يتعلق الأمر بتجارة المخدرات الصلبة والشبكات المنظمة التي تستهدف المجتمع.
كما يمكن التفكير مستقبلاً في إنشاء مؤسسات سجنية أخرى في مناطق نائية، وفق ضوابط قانونية وإنسانية واضحة، بما يسمح بعزل المجرمين شديدي الخطورة عن شبكاتهم.
وأعتقد أيضاً أن مسألة استغلال المحكوم عليهم في أعمال ذات طابع إنتاجي أو في بعض المشاريع، يجب أن تُدرس في إطار القانون، وبما يحترم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، خصوصاً في المشاريع الكبرى التي يمكن أن تستفيد من برامج إعادة التأهيل والعمل داخل المؤسسات العقابية،هناك دول لديها تجارب في هذا المجال، ومن بينها الصين التي اعتمدت في بعض السياقات برامج تشغيل وإعادة تأهيل للمساجين، خصوصاً في بعض الأعمال والمشاريع، لكن يجب التأكيد على أن أي تجربة من هذا النوع في الجزائر ينبغي أن تكون مؤطرة قانونياً، وأن يكون الهدف منها إعادة الإدماج والإصلاح وليس الانتقام.

هل يمكن التفكير مستقبلاً في برامج تكوين مهني وإعادة تأهيل تساعد السجين على اكتساب مهارات حقيقية؟
نعم يمكن مستقبلاً التفكير في برامج تكوين مهني وإعادة تأهيل تساعد السجين على اكتساب مهارات حقيقية، خاصة أن العقوبة يجب أن تحقق الردع والإصلاح في الوقت نفسه, كما أنني أعتقد أن المشاريع الكبرى في المناطق الصحراوية، مثل الطرق العابرة للصحراء وشبكات السكك الحديدية وبعض مشاريع البنية التحتية، يمكن أن تكون فضاءً لدراسة برامج عمل وتأهيل لفئات من المحكوم عليهم، وفق ما يسمح به القانون، وتحت رقابة صارمة, فالهدف في النهاية هو أن يشعر المجرم بأن العقوبة حقيقية، وأن الدولة لن تسمح له بمواصلة نشاطه الإجرامي من داخل السجن، وفي الوقت نفسه تفتح أمام من يمكن إصلاحه فرصة للعودة إلى المجتمع بشكل سليم, لكن بالنسبة إلى كبار بارونات المخدرات وقادة الشبكات الإجرامية، فإن الأولوية يجب أن تكون لعزلهم أمنياً وقطع جميع قنوات اتصالهم بشبكاتهم، وتجفيف مصادر تمويلهم، ومصادرة الأموال والممتلكات الناتجة عن نشاطهم غير المشروع، لأن العقوبة السجنية وحدها لا تكفي إذا بقيت الشبكة الإجرامية خارج السجن قادرة على مواصلة نشاطها, وفي النهاية، أقول إن المعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فقط، وإنما هي معركة دفاع عن المجتمع والدولة والاقتصاد والشباب. ولذلك يجب أن تكون المواجهة شاملة، تبدأ بالوقاية والتوعية، وتمر عبر العلاج وإعادة التأهيل، وتصل إلى الردع الصارم وتفكيك الشبكات الإجرامية وتجفيف منابع التمويل، وأتمنى أن تتواصل مثل هذه النقاشات الإعلامية، لأن مكافحة المخدرات مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والأسرة والمدرسة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، إلى جانب الأجهزة الأمنية والقضائية، من أجل حماية الجزائر وشبابها واستقرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *