من نقل المعلومة إلى ملامسة الوجع.. رحلة التضامن من جيجل إلى بجاية

الصحفي لا يفقد دوره المهني عندما يكون إنسانيًا، بل يضيف إليه بُعدًا آخر”

حينما تجد نفسك أمام واقع عكس ما كنت تتخيله، وأكثر وجعًا مما كنت تنتظره، هنا فقط تدرك أن الحقيقة لا تستوعبها إلا إذا عشتها. وهو ما حصل خلال رحلة القافلة التضامنية التي بادرت إليها المنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين، بمشاركة 30 صحفيًا من مختلف وسائل الإعلام، الذين أبوا إلا أن يلبوا نداء الإغاثة والتكافل، في صورة أظهرت الجانب الإنساني والمجتمعي للصحفي، كونه ناقلًا للمعلومة، لكنه أيضًا شريك في المبادرات التضامنية.

لم تكن رحلتنا هذه المرة رحلة استكشافية أو سياحية، وإنما كانت رحلة إنسانية قادتنا إلى الميدان للوقوف عن قرب على حجم الآثار التي خلّفتها الحرائق الأخيرة، والتي مست ولايتي جيجل وبجاية، إلى جانب مناطق أخرى.

فما كنا نراه عبر الصور ومواقع التواصل الاجتماعي، أو نسمعه من شهادات عن حجم الأضرار، كان أكثر ألمًا وقسوة حين وقفنا بأنفسنا أمام آثار هذه الحرائق، وأمام ما خلفته هذه الكارثة من أضرار معنوية ومادية طالت الممتلكات ومصادر رزق العائلات.

في ولاية جيجل، قادتنا الرحلة إلى أعالي جبال منطقة بوراوي بلهادف وجمعة بني حبيبي، من أكثر المناطق تضررًا، حيث وقفنا عن قرب على حجم الأضرار والمعاناة التي خلفتها الحرائق، واقتربنا من عائلات فقدت أبناءها وذويها ووالديها، كما فقدت ممتلكاتها ومصادر رزقها.

وعلى مسافة 50 كيلومترًا، وسط الغابات، تذهلك هول الفاجعة. مساحات احترقت بالكامل، ولا تزال رائحة الرماد تفوح في المكان، شاهدة على ما خلفته النيران.

والفرصة التي أتاحتها لنا المنظمة الوطنية للصحفيين الجزائريين كانت ثمينة، من خلال هذه المبادرة الإنسانية التي نظمت بالتنسيق مع الهلال الأحمر الجزائري، والتي سمحت لنا بالمساهمة في تقديم مساعدات إنسانية تضمنت مواد غذائية، ومستلزمات طبية، إلى جانب صهاريج مزودة بمضخات، وكل ما من شأنه أن يسهل حياة المتضررين.

هذه المرة، لم نكن كصحفيين نؤدي دورنا المعتاد في نقل المعلومة ورصد الأحداث فقط، وإنما انتقلنا من موقع الناقل للحدث إلى موقع الشريك في مبادرة تضامنية وإنسانية، تعكس روح التآزر والتآخي والوقوف إلى جانب الشعب الجزائري في هذه المحنة.

فما كنا نراه ونسمعه من بعيد لا يمكن أن ينقل حقيقة المشهد كما هو على أرض الواقع. الوقوف شخصيًا أمام آثار الحرائق جعلنا ندرك أن حجم ما خلفته هذه الكارثة يتجاوز بكثير ما كنا نتصوره، وأن المشهد الميداني مختلف تمامًا، إلى درجة جعلت الكلمات عاجزة عن وصف حجم المعاناة.

ذكريات انمحت، وعائلات وجدت نفسها من دون مأوى ودون سند، لكنها صابرة ومحتسبة، وكلها ثقة في قرارات رئيس الجمهورية واهتمامه المستمر والدقيق بالتكفل التام بها وباحتياجاتها.

ومن بين المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتنا، لحظات وصول القافلة، ورؤية أهالي المنطقة، من شباب وأطفال وشيوخ، يلوّحون بأيديهم فرحًا، وسماع كلمات الشكر والتشجيع لهذه المبادرة الإنسانية.

كان إحساسًا مختلطًا بين الألم والفرح؛ ألمٌ لما خلفته الحرائق من خسائر وفقدان، وفرحٌ ونحن نرى مشاهد التضامن والتكاتف والتقدير لكل الجهود التي يبذلها المبادرون والمتضامنون.

أناس أبوا إلا أن يكونوا جزءًا من هذه المحنة، كلٌّ بما يستطيع؛ فمنهم من قدم مساعدة مادية، ومنهم من أسهم بما يقدر عليه، وآخرون كانوا إلى جانب العائلات المتضررة بمساندة معنوية صادقة.

ولعل ما لمسناه خلال هذه القافلة يؤكد أن التضامن لم يكن مرتبطًا بولاية أو منطقة بعينها، بقدر ما كان موقفًا شارك فيه مواطنون من مختلف الولايات، وكلٌّ ساهم بما استطاع، ولو بالقليل، لتقديم يد العون للمتضررين.

وكانت لنا أيضًا فرصة لتقديم واجب العزاء والوقوف إلى جانب عائلات فقدت ذويها وأفرادًا من عائلاتها، وفقدت في هذه الكارثة أغلى ما تملك. لحظات كانت مؤلمة وثقيلة، لأن الوقوف أمام هذه العائلات والاستماع إليها يختلف تمامًا عن مشاهدة صور أو سماع أخبار عن هذه المأساة.

ومن جيجل إلى بجاية، وتحديدًا إلى منطقة أيت اعنان ببلدية ترفينة، واصلت الرحلة الإنسانية مسارها، حاملة معها الرسالة نفسها: الوقوف إلى جانب المتضررين، والاقتراب من واقعهم، والمساهمة بما يمكن في التخفيف من معاناتهم.

اليوم، كإعلاميين، لا نرصد فقط حجم الأضرار التي خلفتها الحرائق، وإنما نرصد أيضًا مشهدًا آخر لا يقل أهمية: مشهد التضامن والتكافل، والوقوف إلى جانب العائلات المتضررة في أصعب لحظاتها.

لقد كانت هذه الرحلة فرصة لنعرف عن قرب واقعًا لم نكن ندرك مدى قسوته، ولنفهم أن ما يُرى عبر الصور ومواقع التواصل الاجتماعي لا يمكن أن ينقل دائمًا حقيقة ما يعيشه الناس على الأرض، بقدر ما يبقى دور الصحفي في سرد الحقيقة وتقديم المعلومة كاملة، من عدسته وقلمه إلى المتلقي.

كانت رحلة امتزج فيها الألم بالفرح، والحزن بالتضامن، ونقل المعلومة بالوقوف إلى جانب الإنسان.

رحلة جعلتنا، كصحفيين، لا نكتفي برصد ما يحدث، وإنما نكون جزءًا من مبادرة إنسانية تعكس التآزر والتآخي والوقوف إلى جانب أبناء الوطن في محنتهم

نوال الهواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *