الدكتور حاتم حركاتي لـ”أصوات”: الشباك الوحيد أمام امتحان النتائج.. النجاح يُقاس بما يتحقق على أرض الواقع لا بعدد الملفات
تدخل منظومة الاستثمار في الجزائر مرحلة حاسمة مع اقتراب الموعد الذي حدده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لوضع الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية قبل نهاية سبتمبر 2026، في خطوة يفترض أن تنقل معالجة ملفات المستثمرين من منطق تعدد الإجراءات والتنقل بين الإدارات إلى مسار موحد وسريع يقاس بمدى قدرة المشاريع على الانتقال من مرحلة التسجيل إلى الإنجاز ثم الإنتاج والتسويق والتصدير. وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حاتم حركاتي أن نجاح الشباك الوحيد لن يقاس بعدد الملفات التي تتم معالجتها أو المنصات التي يتم تشغيلها، وإنما بالنتائج الاقتصادية التي يحققها على أرض الواقع.
قرباج وسيلة
ويؤكد حركاتي أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تركز فقط على إنشاء شباك أو منصة رقمية تجمع مختلف الإدارات، بل على إعادة تنظيم دورة حياة الاستثمار كاملة، منذ لحظة تسجيل المشروع إلى غاية دخوله مرحلة الإنتاج وبلوغه الأسواق المحلية والخارجية.
وتبرز الأرقام حجم الرهان، إذ أعلن المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، في 11 ماي 2026، أن عدد المشاريع المسجلة لدى الوكالة تجاوز 20 ألف مشروع بقيمة استثمارية تفوق 9000 مليار دينار، مع توقع خلق أكثر من 525 ألف منصب شغل. وبحساب تقريبي، فإن متوسط القيمة المعلنة للمشروع المسجل يتجاوز 450 مليون دينار، في حين يقدر المتوسط النظري لمناصب العمل المتوقعة بأكثر من 26 منصبًا لكل مشروع.
غير أن هذه الأرقام، حسب الخبير الاقتصادي، لا تكتسب قيمتها الاقتصادية الكاملة بمجرد تسجيل المشاريع، وإنما عندما تتحول إلى مشاريع مجسدة على أرض الواقع، ومصانع ومؤسسات ووحدات إنتاجية تدخل النشاط وتخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل، وتساهم في تقليص الواردات ورفع القدرة التصديرية.
•من القانون إلى التنفيذ
ويرى حركاتي أن الجزائر تمتلك اليوم ترسانة قانونية وتنظيمية جديدة لتأطير الاستثمار، وفي مقدمتها القانون رقم 22-18 المؤرخ في 24 جويلية 2022 المتعلق بالاستثمار، والذي وضع إطارًا جديدًا يقوم على مبادئ الحرية والشفافية والمساواة ومرافقة المستثمر، إلى جانب إدماج المنصة الرقمية للمستثمر ضمن منظومة المتابعة والتوجيه.
كما يشكل القانون رقم 23-17 المؤرخ في 15 نوفمبر 2023، المتعلق بشروط وكيفيات منح العقار الاقتصادي التابع للأملاك الخاصة للدولة والموجه لإنجاز المشاريع الاستثمارية، حلقة أساسية في مسار الإصلاح، بالنظر إلى أن العقار ظل لسنوات إحدى أهم العقبات أمام انتقال المشاريع من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التجسيد.
وتعزز الإطار التنظيمي بصدور المرسوم التنفيذي رقم 26-153 المؤرخ في 14 أفريل 2026، المتعلق بإعادة تنظيم الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، إلى جانب النصوص التطبيقية والتنظيمية المرتبطة بالعقار الاقتصادي، حيث أعلنت الوكالة نشر خمسة مراسيم تنفيذية مرتبطة بالقانون 23-17 في الجريدة الرسمية العدد 85.
وفي 14 جويلية 2026، صادق مجلس إدارة الوكالة على عرض 216 وعاءً عقاريًا عبر المنصة الرقمية للمستثمر، وهو ما يعكس، وفق حركاتي، انتقال إصلاح منظومة العقار من الجانب التشريعي إلى مرحلة العرض الفعلي للأوعية أمام المستثمرين.
•الشباك الوحيد يدخل مرحلة التنفيذ
ويشير الخبير إلى أن الشباك الوحيد لم يعد مجرد تصور نظري، بعدما شرعت الوكالة، ابتداء من 26 جويلية 2026، في استقبال طلبات الحصول على عدد من الوثائق والتراخيص المرتبطة بتجسيد المشاريع الاستثمارية، من بينها رخص البناء، وشهادات المطابقة، ورخص الاستغلال الخاصة ببعض المشاريع، ورخص العمل، والإجراءات المتعلقة بإنشاء المؤسسات والسجل التجاري، فضلًا عن الوثائق والإجراءات المرتبطة بالإدارة الجبائية والحقوق والرسوم.
كما شهد شهر جويلية توسيع تفويض الصلاحيات لممثلي الإدارة الجبائية وقطاع الطاقة على مستوى الشبابيك الوحيدة، بما يستهدف تبسيط الإجراءات وتقليص آجال معالجة الملفات وتسريع عملية تجسيد المشاريع.
ويؤكد حركاتي أن حجم الاستثمارات المعلنة يجعل عامل الوقت عنصرًا اقتصاديًا بامتياز، موضحًا أن أكثر من 9000 مليار دينار من الاستثمارات المسجلة وأكثر من 525 ألف منصب شغل متوقع تمثل كتلة مالية وأثرًا اجتماعيًا واقتصاديًا لا يمكن التعامل معهما بمنطق الإجراءات الإدارية التقليدية.
فكل شهر تأخير في مشروع صناعي، حسبه، لا يعني مجرد تأخير في معالجة ملف، بل يعني تأخرًا في الإنتاج والتوظيف وخلق القيمة المضافة وتحصيل الضرائب والرسوم وتعويض الواردات، فضلًا عن تأخير دخول المشروع إلى الأسواق الخارجية.
•الزمن.. مؤشر جديد لقياس الاستثمار
ومن هذا المنطلق، يدعو الخبير إلى جعل الزمن أحد المؤشرات الأساسية في تقييم أداء منظومة الاستثمار، بحيث تكون لكل مرحلة من مراحل المشروع آجال واضحة ومعلنة، سواء تعلق الأمر بالبناء أو الحصول على التجهيزات أو الربط بالطاقة أو مختلف التراخيص.
وفي حال تجاوز أي قطاع أو إدارة للآجال المحددة، يجب، حسبه، أن يظهر سبب التأخير والجهة المسؤولة عنه داخل منظومة المتابعة الرقمية.
فالمستثمر، كما يقول، لا يأتي إلى الجزائر من أجل الحصول على رقم تسجيل أو ملف إلكتروني، وإنما من أجل بناء مشروع وتحقيق نشاط اقتصادي. وبالتالي، فإن قيمة الرقمنة لا تكمن في نقل الوثائق من الورق إلى الحاسوب، بل في رقمنة دورة الاستثمار كاملة.
ويقترح في هذا السياق أن يحصل كل مشروع استثماري على رقم وطني موحد منذ لحظة تسجيله، يرافقه طوال دورة حياته إلى غاية بداية الإنتاج، بما يسمح للإدارة بمتابعة قيمة الاستثمار، والعقار المخصص له، والإدارات المتدخلة، والرخص المطلوبة والمتحصل عليها، ونسبة تقدم الأشغال والتجهيز، وعدد مناصب العمل، وتاريخ الإنتاج المتوقع والفعلي، والطاقة الإنتاجية، ونسبة الإدماج المحلي، وحجم الواردات المرتبطة بالمشروع، فضلًا عن قدرته التصديرية ووضعية المشروع وأسباب أي تأخير مسجل.
وبذلك، تنتقل الإدارة، وفق هذا التصور، من متابعة الملف إلى متابعة المشروع.
•لوحة قيادة وطنية لقياس النتائج
ويقترح حركاتي كذلك إنشاء لوحة قيادة وطنية للاستثمار تكون مرتبطة بالشباك الوحيد والمنصة الرقمية للمستثمر، وتسمح بمتابعة المؤشرات الاقتصادية للمشاريع بشكل دوري.
ومن بين المؤشرات التي يرى ضرورة قياسها شهريًا، عدد المشاريع المسجلة، والقيمة الإجمالية للاستثمارات، وعدد المشاريع التي تحصلت على العقار، وتلك التي باشرت الأشغال، والمشاريع التي دخلت مرحلة التجهيز والإنتاج، إلى جانب عدد مناصب العمل المحققة فعليًا، وحجم الإنتاج الجديد، والقيمة المضافة، والصادرات، والواردات التي تم تعويضها بالإنتاج المحلي، ونسبة الإدماج المحلي، فضلًا عن عدد المشاريع المتوقفة ومتوسط آجال معالجة الملفات والحصول على العقار والتراخيص والوصول إلى مرحلة الإنتاج.
ويرى الخبير أن هذه المؤشرات ستكون أكثر دلالة على نجاح السياسة الاستثمارية من مجرد الإعلان عن ارتفاع عدد الملفات المسجلة.
• العقار وحده لا يصنع استثمارًا
وبخصوص الأوعية العقارية، يشدد حركاتي على أن الإعلان عن عرض 216 وعاءً عقاريًا عبر المنصة الرقمية يمثل خطوة مهمة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى جاهزية هذه الأوعية لاحتضان المشاريع.
فالمستثمر، وفق رؤيته، يحتاج إلى معرفة ما إذا كان الوعاء متصلًا بالطرقات والكهرباء والمياه وشبكات الصرف والاتصالات، وما إذا كانت وضعيته القانونية واضحة، وما إذا كان بإمكانه الانتقال من قرار الاستفادة إلى مرحلة البناء ضمن آجال محددة.
ويخلص إلى أن العقار في حد ذاته لا يمثل استثمارًا، وإنما تتحقق قيمته الاقتصادية عندما يتحول إلى مصنع أو مؤسسة أو وحدة إنتاجية أو مشروع خدماتي يدخل النشاط ويخلق الثروة ومناصب العمل.
• من تسجيل المشروع إلى قياس أثره على الاقتصاد
ويؤكد حركاتي أن أهداف قانون الاستثمار رقم 22-18 يجب أن تظهر داخل الاقتصاد الحقيقي، وليس فقط في عدد الملفات المسجلة، مشددًا على ضرورة قياس عدد المشاريع التي دخلت الإنتاج، وحجم الإنتاج الجديد، وعدد مناصب العمل المحققة فعليًا، وقيمة السلع والخدمات المنتجة محليًا، وحجم الصادرات، وقيمة الواردات التي تم الاستغناء عن جزء منها بفضل الإنتاج الوطني.
وبهذا المعنى، ينبغي أن يتحول الشباك الوحيد من فضاء للاستقبال الإداري إلى مركز قيادة لدورة حياة الاستثمار، بحيث يظهر من خلاله مكان تعطل المشروع، سواء تعلق الأمر بالعقار أو الطاقة أو التراخيص أو التمويل أو التجهيزات أو غيرها من العراقيل.
ومن شأن هذه البيانات، حسب الخبير، أن تمنح صانع القرار صورة أكثر دقة عن الاختناقات التي تواجه الاقتصاد، فإذا تبين مثلًا أن عددًا كبيرًا من المشاريع متوقف بسبب العقار، أمكن تحديد الخلل ومعالجته، وإذا كانت المشاريع تتعطل بسبب التراخيص، فإن المشكلة تصبح إدارية، أما إذا وصلت المشاريع إلى مرحلة البناء ولم تدخل الإنتاج، فينبغي البحث في التمويل والتجهيز والطاقة والأسواق.
وهنا تتحول بيانات الشباك الوحيد من مجرد معلومات إدارية إلى أداة لصناعة السياسة الاقتصادية.
•نهاية سبتمبر.. بداية الامتحان الحقيقي
ويعتبر حركاتي أن الموعد الذي حدده رئيس الجمهورية لوضع الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية قبل نهاية سبتمبر 2026 يمثل محطة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الإصلاح، بل بداية الامتحان الحقيقي.
فبعد تشغيل المنظومة، سيكون من الضروري قياس ما إذا كانت مدة معالجة الملفات قد انخفضت، وما إذا كان المستثمر قد تخلص فعلًا من التنقل بين الإدارات، وما إذا أصبحت المصالح المختلفة تتبادل البيانات مباشرة، وما إذا تسارعت عملية منح العقار وإصدار التراخيص، وما إذا انعكس ذلك على وتيرة البناء ودخول المشاريع مرحلة الإنتاج وخلق مناصب العمل وزيادة الصادرات وتعويض الواردات.
ويختصر الخبير هذه المرحلة في الانتقال من اقتصاد الملفات إلى اقتصاد النتائج.فالجزائر، وفق المعطيات المعلنة، تمتلك اليوم أكثر من 20 ألف مشروع مسجل بقيمة تفوق 9000 مليار دينار وأكثر من 525 ألف منصب عمل متوقع، كما تمتلك قانون الاستثمار 22-18، وقانون العقار 23-17، والمرسوم التنفيذي 26-153، والمنصة الرقمية للمستثمر، والشباك الوحيد، إلى جانب تفويضات جديدة لممثلي قطاعات الضرائب والطاقة، فضلًا عن 216 وعاءً عقاريًا تمت المصادقة على عرضها.
وبالتالي، يرى حركاتي أن الأدوات الأساسية أصبحت موجودة، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تحويل هذه الأدوات إلى نتائج ملموسة.ويضيف أن نجاح الشباك الوحيد لا ينبغي أن يقاس بعدد الملفات التي دخلت إلى الإدارة، وإنما بعدد المشاريع التي خرجت من الإدارة ودخلت الاقتصاد، وبعدد المصانع التي بدأت العمل والمؤسسات التي شرعت في التوظيف والمنتجات التي دخلت السوق والصادرات التي خرجت من الموانئ والمطارات.ويؤكد أن المستثمر لا يريد من الإدارة فقط أن تقول له إن ملفه مقبول، وإنما يريد مسارًا واضحًا يقول له: هذا عقارك، وهذه رخصتك، وهذا موعد بداية الأشغال، وهذا موعد دخول الإنتاج، وهذا مسارك نحو التصدير.
فالمستثمر لا يستثمر في ملف، بل يستثمر في الوقت والمال والقدرة على الإنتاج، بينما الاقتصاد الوطني لا يحتاج إلى ملفات أكثر، وإنما إلى إنتاج أكبر ومؤسسات ومصانع ومشاريع تعمل فعليًا.ومن هنا، فإن الشباك الوحيد يمكن أن يشكل نقطة فاصلة بين مرحلتين: مرحلة كانت الإدارة تتابع فيها الملف، ومرحلة تصبح فيها الإدارة مسؤولة عن تسريع دورة حياة الاستثمار، من القانون إلى القرار، ومن القرار إلى العقار، ومن العقار إلى البناء، ومن البناء إلى الإنتاج، ومن الإنتاج إلى السوق، ومن السوق إلى التصدير، ومن التصدير إلى جلب العملة الصعبة.
فالشباك الوحيد الحقيقي، في نهاية المطاف، ليس المكان الذي يدخل إليه المستثمر ليضع ملفه، وإنما المنظومة التي تساعد مشروعه على الخروج من الإدارة والدخول إلى الاقتصاد.

