عبد الرحمان هادف : الشباك الوحيد يجب أن ينقل الجزائر من معالجة الملفات إلى صناعة النتائج الاقتصادية»

تتجه الجزائر نحو مرحلة جديدة في إصلاح منظومة الاستثمار، مع اقتراب دخول الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية، في إطار توجه يهدف إلى الانتقال من مرحلة الإجراءات والتنظيمات إلى التطبيق الميداني وتقليص التعقيدات التي تواجه المستثمر. غير أن نجاح هذا المسار، حسب مستشار دولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف، لا يرتبط بمجرد جمع ممثلي مختلف الإدارات تحت سقف واحد، وإنما بإحداث تحول أعمق في طريقة تسيير الاستثمار، من المقاربة الإدارية القائمة على معالجة الملفات ومنح الموافقات، إلى مقاربة اقتصادية تقوم على المرافقة، والسرعة، وتوحيد المسؤولية، وقياس النتائج.

ويؤكد هادف، في حوار مع جريدة «أصوات»، أن الشباك الوحيد ينبغي أن يتحول إلى نقطة اتصال وقرار ومتابعة حقيقية للمستثمر، مدعومة برقمنة تقوم على التشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية لمختلف الإدارات، حتى يصبح مسار الاستثمار منظومة واحدة ومترابطة، لا مجرد رقمنة للإجراءات القديمة. كما يبرز أهمية إعادة التفكير في العقار الصناعي، وتطوير المناطق الاقتصادية المتخصصة، وربط أداء الإدارة بمؤشرات واضحة تقيس المشاريع التي انتقلت فعلياً من مرحلة الموافقة إلى الإنجاز والإنتاج.

حاورته: قرباج وسيلة

• إلى أي مدى يمكن أن يشكل دخول الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية نقطة تحول في منظومة الاستثمار بالجزائر؟

يمثل التسريع في دخول آلية الشباك الوحيد حيز الخدمة الفعلية محطة مهمة في مسار إصلاح منظومة الاستثمار في الجزائر. غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في تسريع الإجراءات، وإنما في قدرتها على إحداث تحول أعمق، يتمثل في الانتقال من التسيير بمقاربة إدارية إلى الحوكمة بمقاربة اقتصادية، تجعل من الإدارة شريكاً في خلق القيمة ومرافقة الاستثمار، وليس مجرد جهة تمنح التراخيص والموافقات.

فالرهان الحقيقي هو أن يتحول الشباك الوحيد إلى أداة لتسهيل وتجسيد الاستثمار، وليس مجرد عنوان جديد لإجراءات قائمة. وإذا نجح هذا التحول، فإنه يمكن أن يساهم في تحسين ثقة المستثمر ورفع قابلية المشاريع للتجسيد، وبالتالي دعم الإنتاج وخلق مناصب الشغل وتنويع الاقتصاد.

•ما الذي يجب أن يتغير فعلياً في علاقة المستثمر بالإدارة؟

المطلوب هو الانتقال من علاقة تقوم على إيداع الملفات وانتظار الموافقات إلى علاقة تقوم على المرافقة والمسؤولية المشتركة عن تجسيد المشروع.

الشباك الوحيد لا ينبغي أن يكون مجرد مكان يجتمع فيه ممثلو مختلف الإدارات، وإنما يجب أن يصبح نقطة اتصال وقرار ومتابعة ترافق المستثمر قبل إطلاق المشروع، وخلال مرحلة تجسيده، وبعد دخوله حيز النشاط.

وهذا يقتضي تبني المعايير الحديثة التي تعمل بها وكالات ترقية الاستثمار الناجحة، من خلال توفير المعلومة الاقتصادية، وتوجيه المستثمر نحو الفرص والمشاريع ذات الأولوية، ومساعدته على فهم السوق وسلاسل القيمة، ومرافقته في الحصول على العقار والرخص والتمويل والربط بالشبكات، ثم متابعة المشروع بعد انطلاقه ومعالجة العراقيل التي قد تواجهه.

•هل يكفي وضع مختلف الإدارات تحت سقف واحد للحديث عن شباك وحيد فعّال؟

بالتأكيد لا. فوجود ممثلي مختلف الإدارات في مكان واحد لا يعني بالضرورة وجود شباك وحيد فعّال. المطلوب هو توحيد القرار والمسار والوثائق والآجال ونقطة الاتصال والمسؤولية عن المتابعة.

المستثمر يجب ألا ينتقل من إدارة إلى أخرى داخل الشباك نفسه، بل ينبغي أن ينتقل ملفه داخل المنظومة الإدارية من خلال مسار واضح ومتكامل، بينما تتولى الجهة المكلفة بالشباك تنسيق مختلف التدخلات إلى غاية الوصول إلى النتيجة.

وبعبارة أخرى، المطلوب ليس فقط شباكاً واحداً، وإنما مساراً استثمارياً واحداً.

•كيف نضمن ألا ينتقل التعقيد الإداري إلى داخل الشباك الوحيد؟

هنا تصبح الرقمنة والتشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية لمختلف الإدارات من أهم شروط نجاح الإصلاح.

فالرقمنة لا تعني فقط تحويل الوثائق الورقية إلى وثائق إلكترونية، وإنما إعادة بناء المسار الإداري بحيث تستطيع مختلف الهيئات المعنية تبادل المعلومات والبيانات إلكترونياً وفق قواعد واضحة وآمنة، دون أن يضطر المستثمر إلى تقديم المعلومة نفسها أكثر من مرة إلى إدارات مختلفة.

ومن الضروري أن تكون الأنظمة المعلوماتية للإدارات المعنية قادرة على التواصل والتبادل فيما بينها، بما يسمح بمعالجة الملف بصورة منسقة، وتتبع مراحله، ومعرفة الجهة التي يوجد لديها في كل مرحلة، والمدة التي استغرقتها المعالجة.

كما يجب اعتماد مبدأ «المعلومة مرة واحدة»، بحيث لا يُطلب من المستثمر تقديم معلومة موجودة أصلاً لدى إدارة عمومية أخرى، مع اعتماد التوقيع والتبادل الإلكتروني للوثائق كلما أمكن ذلك.

وبذلك يصبح الشباك الوحيد واجهة لمنظومة إدارية مترابطة رقمياً، وليس مجرد واجهة جديدة لمنظومة ورقية مجزأة.

•هل يعني ذلك أن الرقمنة وحدها كافية لإنجاح الشباك الوحيد؟

لا، لأن رقمنة الإجراءات القديمة دون إعادة تصميمها قد تؤدي إلى رقمنة البيروقراطية بدل القضاء عليها.

المطلوب أولاً إعادة هندسة المسار الاستثماري، ثم رقمنته وربط مختلف الإدارات ببعضها البعض. فالتشغيل البيني هو الذي يسمح بتحويل الرقمنة من مجرد خدمة إلكترونية إلى منظومة متكاملة لتبادل البيانات ومعالجة الملفات.

ولهذا يجب أن تترافق الرقمنة مع مؤشرات أداء واضحة تقيس مدة معالجة الملفات، وعدد الإجراءات والوثائق، ونسبة احترام الآجال، ونسبة المشاريع التي تنتقل فعلياً من الموافقة إلى الإنجاز.

فالنجاح لا يقاس بعدد الملفات المستقبلة، وإنما بالاستثمارات التي تحولت إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع.

•في أي مراحل يحتاج المستثمر إلى تدخل فعلي من الإدارة؟

المرافقة يجب ألا تبدأ عند إيداع الملف ولا تنتهي بالحصول على الموافقة.

المرافقة القبلية تكتسي أهمية استراتيجية، خصوصاً من خلال توفير المعلومة الاقتصادية والاستثمارية حول القطاعات ذات الأولوية، والعقار المتاح، والبنية التحتية، والأسواق، وسلاسل القيمة، وتكاليف عوامل الإنتاج والحوافز المتاحة.

ثم تأتي مرحلة التجسيد، حيث يحتاج المستثمر إلى مرافقة فعلية في العقار والرخص والتمويل والربط بالكهرباء والغاز والمياه وشبكات الاتصالات، إضافة إلى معالجة العراقيل التي قد تؤخر الانطلاق.

أما بعد دخول المشروع حيز النشاط، فيجب أن تستمر المرافقة، خصوصاً بالنسبة إلى التوسعة والاندماج المحلي والتصدير والربط بسلاسل القيمة الوطنية والدولية.

وهنا يمكن أن يتحول دور وكالة ترقية الاستثمار من تسجيل الاستثمار إلى تطوير الاستثمار.

•هل ينبغي أن تكون هناك آجال ملزمة لكل إدارة متدخلة في مسار الاستثمار؟

نعم، لأن الزمن أصبح أحد أهم عناصر التنافسية الاقتصادية.

يجب أن تكون لكل مرحلة آجال واضحة وقابلة للقياس، مع تحديد مسؤولية كل هيئة متدخلة وإمكانية التصعيد عند تجاوز الآجال. والأهم أن تتحول هذه الآجال إلى مؤشرات أداء مؤسساتية يتم تقييمها دورياً.

فبالنسبة للمستثمر، الوقت له تكلفة مالية حقيقية، وتأخير مشروع صناعي أو تصديري لأشهر قد يعني تجميد رأس المال وتأخير الإنتاج وتأجيل خلق مناصب الشغل والقيمة المضافة.

•ماذا يعني عملياً أن يصبح للمستثمر ملف واحد ومسار واحد ونقطة اتصال واحدة؟

يعني أن تتعامل الدولة مع المستثمر باعتبارها منظومة واحدة، وليس مجموعة إدارات منفصلة.

ملف واحد يعني تقليص الوثائق والتكرار، ومسار واحد يعني وضوح المراحل، ونقطة اتصال واحدة تعني وجود جهة مسؤولة عن متابعة المشروع وتنسيق تدخلات مختلف الهيئات.

وهذا يعزز الثقة وقابلية التنبؤ، وهما عنصران أساسيان في جذب الاستثمار المحلي والأجنبي.

•وماذا عن العقار الصناعي باعتباره أحد أبرز العراقيل أمام الاستثمار؟

العقار يظل أحد أهم مفاتيح نجاح السياسة الاستثمارية، ولذلك لا ينبغي التعامل معه فقط باعتباره مسألة تخصيص أوعية عقارية، بل كأداة من أدوات السياسة الاقتصادية.

وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في حلول أكثر ابتكاراً، من بينها المناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الصناعية المتخصصة والمندمجة، التي يمكن أن توفر للمستثمر ليس العقار فقط، وإنما منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والربط بالشبكات والخدمات اللوجستية والمرافقة الإدارية، ضمن إطار قانوني وتنظيمي واضح.

وبالنسبة للجزائر، يمكن التفكير في هذه المناطق باعتبارها مختبرات للحوكمة الاقتصادية الحديثة، يتم فيها اختبار نماذج أكثر سرعة ومرونة وتكاملاً قبل تعميم التجارب الناجحة.

•هل يمكن أن يتحول الشباك الوحيد إلى أداة للذكاء الاقتصادي؟

نعم، وهذه من أهم الإمكانات التي توفرها المنظومة الرقمية الموحدة. فعندما تصبح المعلومات المتعلقة بالمشاريع والإجراءات والعراقيل مجمعة ومترابطة، يمكن للدولة أن تتجاوز مجرد معالجة الحالات الفردية إلى تحليل المشاكل المتكررة واتخاذ قرارات مبنية على البيانات.

وبذلك يمكن معرفة أين تتعطل المشاريع، وما هي الإجراءات الأكثر تسبباً في التأخير، وما القطاعات التي تستقطب أكبر قدر من الاستثمار، وما المناطق التي تحتاج إلى مزيد من البنية التحتية.

أي أن الشباك الوحيد يمكن أن يصبح ليس فقط أداة لتسهيل الاستثمار، وإنما أيضاً أداة لاتخاذ القرار الاقتصادي وتحسين السياسات العمومية.

•في النهاية، ما الرهان الحقيقي من وراء هذا الإصلاح؟

التحول الحقيقي الذي نحتاجه يتجاوز إنشاء شباك وحيد بالمعنى الإداري. المطلوب هو بناء منظومة وطنية متكاملة لترقية الاستثمار تقوم على المعلومة والمرافقة والسرعة والشفافية وتوحيد المسؤولية وقياس النتائج.

فالهدف النهائي ليس أن يحصل المستثمر على الموافقة بسرعة فقط، وإنما أن ينتقل المشروع بسرعة من فكرة إلى استثمار، ومن استثمار إلى إنتاج، ومن إنتاج إلى قيمة مضافة، ومن قيمة مضافة إلى فرص عمل وتصدير وتنمية اقتصادية مستدامة.

وفي هذا السياق، فإن تفعيل الشباك الوحيد يمكن أن يكون بداية لمرحلة جديدة في إدارة الاستثمار بالجزائر: مرحلة تنتقل فيها الإدارة من منطق «معالجة الملفات» إلى منطق «صناعة النتائج الاقتصادية»، ومن التسيير بمقاربة إدارية إلى الحوكمة بمقاربة اقتصادية.

والرهان المستقبلي هو بناء منظومة تجعل من الدولة مُيسّرة ومرافقة وضامنة، ومن المستثمر شريكاً في التنمية، ومن سرعة القرار الإداري عنصراً من عناصر التنافسية الاقتصادية الوطنية.

هذا الهيكل يعطي الحوار زاوية أقوى من مجرد الحديث عن الشباك الوحيد، لأنه يضعه داخل التحول الأكبر: الحوكمة الاقتصادية، التشغيل البيني، المرافقة، قياس النتائج، والانتقال من الموافقة على المشروع إلى تجسيده فعلياً.

wassila kerbadj

صحافية بقسم الإقتصاد بجريدة أصوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *