هواري تيغرسي لـ«أصوات»: توجيهات الرئيس.. فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المستثمر والإدارة

لا يُقاس نجاح إصلاح منظومة الاستثمار بعدد النصوص التي تصدرها الإدارة، ولا بعدد المنصات والشبابيك التي تُنشأ، وإنما بمدى شعور المستثمر بأن الدولة أصبحت شريكاً في إنجاح مشروعه لا عقبة أمامه. وفي هذا السياق، تفتح توجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن تفعيل الشباك الوحيد للاستثمار فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة بين المستثمر والإدارة، عبر الانتقال من تعدد الإجراءات ومراكز القرار إلى مسار موحد وواضح، تكون فيه الإدارة مسؤولة عن تنسيق الملف وحسمه ضمن آجال محددة، بما يجعل الاستثمار أكثر سرعة وشفافية وقابلية للتجسيد على أرض الواقع.

قرباج وسيلة

ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في تصريح لجريدة أصوات أن توجيهات رئيس الجمهورية تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة أكثر ثقة بين المستثمر والإدارة، معتبراً أن اكتمال الإصلاح عبر توحيد القرار والمسار والوثيقة يمكن أن ينقل الجزائر من مفهوم «الشباك الوحيد» كإجراء إداري إلى مفهوم أوسع يتمثل في «منظومة موحدة للاستثمار» كسياسة اقتصادية متكاملة.

ويرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن دخول الشباك الوحيد حيز التنفيذ قبل نهاية سبتمبر يمكن أن يشكل «نقطة تحول مهمة جداً» في مناخ الاستثمار بالجزائر، شريطة أن يتم تطبيقه وفق الرؤية التي تستهدفها السلطات، وألا يقتصر الأمر على إعادة ترتيب الإجراءات داخل الإدارة.

ويؤكد تيغرسي أن أهمية توجيهات رئيس الجمهورية تكمن في وضع تبسيط مسار المستثمر في صلب الإصلاح الاقتصادي، مشدداً على أن «الشباك الوحيد يجب أن يكون وحيداً في القرار كما هو وحيد في المكان». فالمطلوب، حسبه، ألا يدخل المستثمر إلى شباك واحد ثم يجد نفسه مضطراً إلى التنقل بين إدارات مختلفة لاستكمال ملفه، وإنما أن يودع ملفه مرة واحدة، وتتولى الإدارات المعنية التنسيق فيما بينها، ليحصل في النهاية على قرار واضح ووثيقة موحدة تحسم موقف مختلف الجهات المتدخلة.

ويضيف الخبير أن تحقيق هذه المعادلة سيعني الانتقال من مجرد إصلاح إداري إلى تغيير حقيقي في فلسفة العلاقة بين الإدارة والمستثمر، بحيث تتحول الإدارة من جهة تجعل المستثمر يبحث بنفسه عن المعلومة والوثيقة ويتنقل بين المصالح، إلى جهة تتولى تنسيق المسار نيابة عنه.

وفي تشخيصه للعقبات التي تواجه المستثمر، يرى تيغرسي أن المشكلة لا تكمن فقط في تعدد الإجراءات، وإنما بصورة أعمق في تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القرار، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إطالة آجال معالجة الملفات.

ويشير إلى أن تعدد الإجراءات يمكن أن يكون مقبولاً إذا كانت واضحة ومحددة زمنياً ورقمية، وتتم عبر جهة تنسيق واحدة، لكن الإشكال يظهر عندما ينتقل المستثمر من إدارة إلى أخرى للحصول على وثيقة أو موافقة، ثم يكتشف حاجته إلى إجراء جديد لدى جهة أخرى. وفي هذه الحالة، تصبح القضية أكبر من مجرد كثرة الوثائق، لتتحول إلى غياب مسار إداري موحد.

ومن هذا المنطلق، يؤكد الخبير أن المطلوب لا يقتصر على تقليص عدد الوثائق، بل يستدعي إعادة هندسة المسار الإداري للاستثمار بالكامل، بما يجعل الشباك الوحيد نقطة النهاية الإدارية بالنسبة للمستثمر، وليس مجرد نقطة انطلاق نحو إدارات ومصالح أخرى.

وبالنسبة للآثار الاقتصادية المنتظرة من تفعيل الشباك الوحيد، يرى تيغرسي أن نجاحه يمكن أن يحقق مكاسب تتجاوز بكثير مسألة ربح الوقت، من خلال المساهمة في رفع عدد المشاريع التي يتم تجسيدها فعلياً، وتسريع دخول الاستثمارات مرحلة الإنتاج، وتحسين ثقة المستثمرين، وخلق مناصب شغل جديدة، إلى جانب تنويع النشاط الاقتصادي وتقليص تكلفة البيروقراطية على المؤسسات.

كما يلفت إلى أهمية الجانب الرقمي في هذا الإصلاح، باعتباره أداة تسمح للدولة ليس فقط بتسهيل إجراءات المستثمر، وإنما أيضاً بتحسين قدرتها على متابعة الاستثمار وقياس نتائجه. فمن خلال منظومة موحدة، يمكن معرفة عدد المشاريع المودعة، ونسبة المشاريع التي تمت الموافقة عليها، ومراحل تقدم الملفات، ومواقع التعطل، وحتى تحديد الإدارة المسؤولة عن التأخير.

وبذلك، يقول الخبير، يمكن الانتقال من إدارة الاستثمار عبر الملفات والإجراءات إلى إدارة الاستثمار بالبيانات والمؤشرات، وهو ما يسمح بتقييم فعالية السياسات العمومية بصورة أكثر دقة.

ويشدد تيغرسي على أن المعيار الحقيقي لنجاح الشباك الوحيد لا ينبغي أن يكون عدد الملفات التي يستقبلها، وإنما عدد المشاريع التي تصل فعلياً إلى مرحلة الإنجاز والإنتاج. فالمستثمر، في نهاية المطاف، لا يبحث عن إدارة تستقبل ملفه فقط، وإنما عن منظومة تمنحه رؤية واضحة وآجالاً محددة وقراراً قابلاً للتنفيذ.

ويضيف أن الشباك الوحيد ليس مجرد باب واحد للمستثمر، بل إن النجاح الحقيقي يكمن في أن تكون وراء هذا الباب إدارة واحدة في التنسيق، وقرار واحد، وآجال واضحة، ووثيقة واحدة. وهذا، حسبه، هو الاختبار الحقيقي للإصلاح الذي تراهن عليه السلطات.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير أن تفعيل الشباك الوحيد يحمل رسالة سياسية وإدارية واضحة، مفادها أن الاستثمار لا يحتاج إلى مزيد من النوافذ، وإنما إلى نافذة واحدة تنهي المسار فعلياً. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين مختلف القطاعات والإدارات المرتبطة بمسار المستثمر، حتى لا تعود الإجراءات والاستثناءات المتبقية إلى إنتاج البيروقراطية من خلف الشباك الوحيد.

وعليه، فإن اقتراب نهاية سبتمبر يضع هذا الإصلاح أمام اختبار ميداني حقيقي، خاصة أن نجاحه لن يقاس بمجرد الإعلان عن دخوله حيز الخدمة أو بوجود منصة رقمية وممثلي الإدارات في فضاء واحد، وإنما بمدى التغيير الذي سيشعر به المستثمر على أرض الواقع.

فإذا تمكن المستثمر من إيداع ملفه عبر مسار واحد، والحصول على قرار واضح في آجال محددة، دون الحاجة إلى إعادة التنقل بين الإدارات، فإن الجزائر ستكون أمام تحول فعلي في طريقة إدارة الاستثمار. أما إذا بقي الشباك مجرد نقطة تجميع للإجراءات، فإن خطر إعادة إنتاج البيروقراطية نفسها سيظل قائماً، ولو تحت تسمية جديدة.

wassila kerbadj

صحافية بقسم الإقتصاد بجريدة أصوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *