اعتبر تخصص الموانئ يعزز الميزة النسبية لكل منشأة ويخفض كلفة اللوجستيك فارس هباش: اعتماد خط أساس 2026 مرجعاً لقياس الأثر الاقتصادي الحقيقي لميناء مستغانم

يفتح تخصيص ميناء مستغانم أمام المتعاملين العموميين نقاشًا أوسع من مجرد تنظيم النشاط المينائي، لارتباطه بإعادة صياغة دور الموانئ في خدمة الإنتاج والاستثمار والتصدير، وهو ما ذهب إليه الخبير الاقتصادي البروفيسور فارس هباش في حواره مع يومية “أصوات” ، حيث يتناول أثر التخصص على أداء الموانئ، وجاذبية المناطق للاستثمار، ودعم الصادرات، مؤكدا أن نجاح التجربة لا يقاس بقدرة الميناء على مناولة الحاويات فقط، وإنما بقدرته على الارتباط بإنتاج محلي قادر على دخول الأسواق الخارجية.
حاورته : نـوال الـهواري
ماذا يعني اقتصاديًا تخصص الموانئ؟
تخصص الموانئ المعني اقتصاديا ليس أن يُغلق الميناء أمام بقية السلع، وإنما أن تصبح لكل ميناء وظيفة لوجستية واقتصادية أكثر وضوحا بحسب موقعه وبنيته وعمقه وقدراته وشبكة النقل المرتبطة به.
الفائدة الأساسية هي الانتقال من منطق «كل ميناء يحاول معالجة كل شيء» إلى شبكة موانئ متكاملة، لكل ميناء فيها ميزة نسبية. وهذا يمكن أن يخفض زمن انتظار السفن وتكلفة المناولة والتخزين والاختناقات، ويزيد قابلية التنبؤ بالنسبة للمؤسسات، وكذلك ربح العملة الصعبة التي تضيع في الموانئ. والأهم من ذلك أن الجزائر بدأت بالتوازي التفكير في إنشاء وكالة وطنية للموانئ، وهو عنصر مهم، لأن التخصص يحتاج إلى تنسيق على مستوى الشبكة الوطنية، وليس قرارات منفصلة لكل ميناء.
هل نحن أمام مجرد إصلاح لمنظومة الموانئ و ماذا يعني انتقال الجزائر نحو سياسة تخصص الموانئ؟
الموضوع أعمق بكثير من مجرد إصلاح تقني للموانئ. إذا نُفذت سياسة تخصص الموانئ بالتوازي مع المناطق الصناعية والسكك والطرق والرقمنة وإجراءات التجارة الخارجية، فنحن أمام محاولة لإعادة تعريف وظيفة الميناء، من نقطة عبور للسلع إلى حلقة في سلسلة القيمة: إنتاج، تجميع، تخزين، ميناء، تصدير. وهذا يتطابق طبعا مع الاتجاه المعلن رسميا، فقد أكدت وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل في سبتمبر 2026 أن تخصص الموانئ على المستوى الوطني يستهدف رفع نجاعتها وأدائها، بالتزامن مع تشغيل منصة تخزين الحاويات والأرصفة المرتبطة بها في ميناء مستغانم.
هل يمكن أن يعيد تخصص الموانئ توزيع النشاط الاقتصادي بين الولايات؟
بالتأكيد، وهذا في رأيي إحدى النتائج المحتملة. عندما يصبح ميناء معين متخصصًا في الحاويات أو المنتجات الفلاحية أو المعدنية أو السيارات أو الصادرات الصناعية، فإن المستثمر يبدأ بالنظر إلى الميناء والبنية المحيطة به كجزء من موقع الاستثمار.
أي أن المنافسة بين الولايات قد لا تكون فقط الأرض زائد الكهرباء أو العقار الصناعي، بل تصبح: الأرض والطاقة واليد العاملة والموردون والسكك والطرق والميناء وسرعة التصدير. وهذا يمكن أن يؤدي إلى ظهور اقتصادات إقليمية جديدة، كما في بعض المدن في الخارج.
لماذا مستغانم مهمة في غرب البلاد؟
مستغانم لديها فرصة لأن تتحول من ميناء يخدم الحركة التجارية إلى منصة لوجستية مرتبطة بالإنتاج والتصدير.
والتوقيت مهم جدًا، ففي جويلية 2026 تم تحميل أكثر من 13 ألف طن من منتجات خارج المحروقات للتصدير في وقت قياسي، وفي سبتمبر دخلت حيز الخدمة منصة لتخزين الحاويات والأرصفة التابعة لها. وفي محيط الولاية نفسها أطلقت في مايو 2026 سبع وحدات صناعية جديدة في منطقتي البرجية 1 و2، ما يعطي إمكانية لبناء علاقة أكثر مباشرة بين الاستثمار الصناعي والميناء.
ويمكن تصور منظومة لغرب الجزائر يكون فيها الميناء منفذًا لمنتجات صناعية وفلاحية وغذائية وتحويلية من مستغانم والولايات المجاورة، وليس مجرد ميناء للولاية.
هل قرب الميناء سيصبح عاملًا في قرار المستثمر؟
نعم، طبعًا، ولكن بشرط مهم جدًا، وهو أن يتحول القرب الجغرافي إلى قرب لوجستي.
وجود مصنع على بعد 30 أو 50 كيلومترًا من الميناء لا يكفي إذا كانت الشاحنة أو الحاوية لا تتوفر، أو إجراءات الجمارك تستغرق وقتًا طويلًا، أو لا توجد مخازن ومنصات لوجستية. المستثمر يهتم في النهاية بالتكلفة اللوجستية، والزمن، وقابلية التنبؤ، وانتظام الخدمة. فإن تخصص الموانئ يمكن أن يدخل فعلًا في معادلة اختيار موقع الاستثمار.
هل أصبحت الموانئ جزءًا من سياسة التوزيع؟
نعم، وهذه هي النقطة الاستراتيجية الأساسية. ميناء يخدم الاستيراد فقط هو بنية نقل، أما ميناء من استيراد المدخلات، إلى التصنيع المحلي، والتجميع، والتخزين، والتصدير، فهو يصبح جزءًا من السياسة الصناعية نفسها.
وهنا يتغير مفهوم الميناء. لكن لا ينبغي الوقوع في خطأ الاعتقاد بأن تطوير الميناء وحده ينوع الاقتصاد. الميناء لا يصنع صادرات، المؤسسات هي التي تصنعها.
ماذا عن إفريقيا وأوروبا والمتوسط؟
التخصص يمكن أن يمنح المؤسسة الجزائرية ميزة إذا أدى إلى تقليل زمن الشحن، وخفض تكلفة التصدير، وتوفير خدمة منتظمة، وتحسين الحاويات والتخزين، وتسهيل الإجراءات الجمركية والوثائقية، وتطوير الخدمة اللوجستية المرتبطة بالتصدير.
وهنا يمكن للجزائر أن تستفيد من موقعها. لكن بالنسبة للأسواق الإفريقية تحديدًا، يجب ألا ننظر إلى الميناء وحده، بل إلى الميناء والطرق والسكك والمراكز اللوجستية والمعابر البرية.
هل نحتاج إلى تخصص اقتصادي للمناطق المحيطة بالموانئ؟
أعتقد أن هذا شرط للنجاح. تخصص الموانئ، إذا خصصنا ميناء دون أن نخصص أو نوجه جزءًا من النشاط الاقتصادي المحيط به، فقد نحصل على ميناء ممتاز يخدم اقتصادًا لا ينتج ما يكفي.
الأفضل بناء ما يمكن أن نسميه منظومة متكاملة: منطقة صناعية، مخازن ومنصات لوجستية، خدمات جمركية ومالية، شبكة نقل، ومؤسسات مصدرة. وهنا تصبح مستغانم حالة تستحق المتابعة، لأن وجود استثمارات صناعية جديدة، إلى جانب تطوير قدرات الحاويات، يعطي إمكانية تكوين هذه الحلقة.
ماذا لو تطور الميناء دون تطور الإنتاج؟
هذه هي أكبر مخاطرة قد ترتفع قدرة المناولة بينما تبقى الصادرات ضعيفة جدًا، وعندها تصبح لدينا طاقة لوجستية أكبر من الطلب الاقتصادي الحقيقي. وهذا يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاستثمار العام وانخفاض مردودية الموانئ. لذلك يجب ألا يكون السؤال: كم حاوية يستطيع الميناء معالجتها؟ بل: كم حاوية إضافية من المنتجات الجزائرية يمكن أن ننتج ونصدر بفضل هذا الميناء؟
كيف نتجنب تصدير المنتجات التقليدية فقط؟
هنا يجب ربط سياسة الموانئ بسياسة القيمة المضافة. لا يكفي أن نرفع حجم الصادرات خارج المحروقات، يجب أن نراقب ماذا نصدر ، فمثلًا، تصدير مادة أولية بقيمة 100 مليون دولار ليس اقتصاديًا مساويًا لتصدير منتجات مصنعة ونصف مصنعة بالقيمة نفسها، إذا كانت الثانية تولد وظائف وتكنولوجيا وموردين محليين أكثر.
لذلك يجب أن تكون هناك حوافز للاستثمارات التي تستخدم الميناء لتصدير منتجات صناعية، ومنتجات فلاحية محولة، ومعدات، ومواد غذائية مصنعة، ومنتجات كيميائية وبتروكيميائية ذات قيمة مضافة، ومنتجات تكنولوجية كذلك، ومنتجات موجهة إلى الأسواق الإفريقية والمتوسطية.
هل يمكن أن يكون مستغانم نموذجًا؟
يمكن أن يكون مختبرًا عمليًا لهذه السياسة، لكن من السابق لأوانه اعتباره نموذجًا متكاملًا.
لدينا مؤشرات أولية مهمة: تطوير منصة الحاويات، عملية تصدير خارج المحروقات، واستثمارات صناعية جديدة في محيط الولاية. لكن الاختبار الحقيقي سيكون خلال السنوات المقبلة: هل سيؤدي تطور الميناء إلى جذب استثمارات جديدة، أم أن الاستثمار سيظل بعيدًا عن وظيفة التصدير؟
ماذا يجب أن يتغير داخل المؤسسات؟
هذه نقطة غالبًا ما يتم إهمالها. المؤسسات الجزائرية تحتاج إلى الانتقال من عقلية «أنتج أولًا ثم ابحث لاحقًا عن السوق» إلى: السوق المستهدفة، مواصفات المنتج، الإنتاج، اللوجستيك، التصدير. وهذا يتطلب تطوير إدارة التصدير، والجودة والمطابقة، والتكوين، والتفاوض التجاري، والتأمين والنقل الدولي، والاعتمادات والتمويل التجاري، وإدارة العملة، والرقمنة، والتتبع اللوجستي، ومعرفة الأسواق الإفريقية والأوروبية ، بمعنى آخر، الميناء الحديث يحتاج إلى مؤسسة حديثة.
كيف نقيس النتيجة بعد ثلاث سنوات؟
هنا أقترح عدم الاكتفاء بأرقام حركة الميناء، يجب إنشاء لوحة مؤشرات اقتصادية لمستغانم تشمل على الأقل قيمة الصادرات غير النفطية، حجم الصادرات بالطن، النشاط الحقيقي، عدد المصدرين الجدد، توسيع قاعدة المؤسسات، عدد المشاريع الصناعية الجديدة، أثر الميناء على الاستثمار، قيمة الاستثمارات المرتبطة بالميناء، جذب رأس المال، الوظائف الجديدة، والانفتاح الاقتصادي والأثر الاجتماعي ، كما يجب قياس عدد الحاويات المصدرة، والاندماج في التجارة الدولية، ومتوسط زمن بقاء السفينة، والكفاءة التشغيلية، وزمن معالجة الحاوية، والأداء اللوجستي، وتكلفة نقل الطن بالحاوية، ونسبة المنتجات ذات القيمة المضافة، ويجب كذلك قياس نوعية الصادرات، وحصة المنتجات المصنعة، وجودة التنويع، وعدد الوجهات الخارجية، وتنويع الأسواق، ونسبة الصادرات إلى إفريقيا، والانفتاح الإفريقي، ونسبة استخدام الطاقة المينائية وتجنب الطاقة غير المستغلة. والأهم اقتصاديًا، يجب مقارنة هذه الأرقام بخط أساس 2026، وليس بمجرد مقاربة سنة بسنة.
الخلاصة الاستراتيجية في تقديري أن الاختيار الحقيقي لسياسة تخصص الموانئ ليس في استقبال السفن، وإنما في نجاح الاقتصاد في خلق البضائع التي تستحق أن تُصدر عبره، ولهذا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي: تخصص الميناء، تخصص المنطقة اقتصاديًا، جذب الاستثمار، زيادة الإنتاج، القيمة المضافة، خفض تكلفة اللوجستيك، تنويع الأسواق، وزيادة الصادرات.
إذا توقفت العملية عند ميناء أكثر كفاءة، فنحن أمام إصلاح لوجيستي. أما إذا امتدت إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا وتصديرًا حول الميناء، فنحن أمام تحول حقيقي في العلاقة بين البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.
ومستغانم، بالنظر إلى التطورات الجارية في الحاويات والتصدير والاستثمار الصناعي، يمكن أن يكون أحد الاختبارات العملية الأولى وليس مجرد مشروع للتحديث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *