الخبير الاقتصادي نبيل جمعة لـ «أصوات»: تخصيص الموانئ يجب أن ينقل الجزائر من إدارة حركة السلع إلى بناء القدرة على التصدير
قال الخبير الاقتصادي نبيل جمعة إن سياسة تخصيص الموانئ تتجاوز مجرد الإصلاح التقني لمنظومة الموانئ، لتطرح إعادة بناء العلاقة بين الميناء والاقتصاد الجزائري، من الاستيراد إلى الإنتاج ثم التصدير، معتبراً أن نجاح هذا التوجه يرتبط بمدى تزامنه مع تطوير المناطق الصناعية وشبكات السكك الحديدية والطرق والرقمنة وإجراءات التجارة الخارجية.
نوال الهواري
أوضح جمعة، في تصريح ليومية «أصوات»، أن تنفيذ سياسة تخصيص الموانئ ضمن منظومة متكاملة يمكن أن يعيد تعريف وظيفة الميناء، من مجرد نقطة لعبور السلع إلى حلقة في سلسلة القيمة التي تشمل الإنتاج والتجميع والتخزين والتصدير.
مضيفا أن تخصيص الموانئ لا يعني إغلاقها أمام مختلف أنواع السلع، وإنما منح كل ميناء وظيفة لوجستية واقتصادية أكثر وضوحاً وفق موقعه وبنيته وعمقه وقدراته وشبكة النقل المرتبطة به.
ويرى أن الفائدة الأساسية تتمثل في الانتقال من منطق «كل ميناء يحاول معالجة كل شيء» إلى شبكة موانئ متكاملة، لكل ميناء فيها ميزة نسبية، بما يمكن أن يساهم في خفض زمن انتظار السفن وتكاليف المناولة والتخزين وتقليص الاختناقات، فضلاً عن تحسين قابلية التنبؤ بالنسبة للمؤسسات.
تخصيص الموانئ قد يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للولايات
واعتبر الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يمكن أن تكون له انعكاسات على توزيع النشاط الاقتصادي بين الولايات، إذ يصبح الميناء، عندما يتخصص في الحاويات أو المنتجات الفلاحية أو المعدنية أو السيارات أو الصادرات الصناعية، جزءاً من منظومة الاستثمار وليس مجرد منشأة للنقل.
وقال إن المنافسة بين الولايات قد لا تبقى مرتبطة فقط بتوفر العقار والطاقة واليد العاملة، وإنما ستشمل أيضاً الموردين والسكك الحديدية والطرق والميناء وسرعة التصدير، وهو ما قد يساهم في ظهور اقتصادات إقليمية جديدة.
مستغانم أمام فرصة للتحول إلى منصة لوجستية
وبخصوص ميناء مستغانم، يرى نبيل جمعة أن الولاية تملك فرصة للتحول من ميناء يخدم الحركة التجارية إلى منصة لوجستية مرتبطة بالإنتاج والتصدير.
وأشار إلى أن التطورات المسجلة في مجال تصدير المنتجات خارج المحروقات، إلى جانب دخول منصة تخزين الحاويات والأرصفة التابعة لها حيز الخدمة، وإطلاق استثمارات صناعية جديدة في محيط الولاية، تتيح إمكانية بناء علاقة أكثر مباشرة بين الاستثمار الصناعي والميناء.
وأضاف أن هذه المعطيات يمكن أن تسمح بتشكيل منظومة يكون فيها ميناء مستغانم منفذاً لمنتجات صناعية وفلاحية وغذائية وتحويلية قادمة من الولاية والولايات المجاورة، وليس مجرد ميناء يخدم النشاط الاقتصادي المحلي.
-القرب من الميناء لا يكفي لجذب المستثمر
وشدد جمعة على أن قرب مناطق الإنتاج من الميناء لا يكفي في حد ذاته لجذب المستثمرين، ما لم يتحول القرب الجغرافي إلى «قرب لوجستي»، موضحا أن وجود مصنع على بعد 30 أو 50 كيلومتراً من الميناء لا يكون ذا قيمة كبيرة إذا كانت الشاحنات أو الحاويات غير متوفرة، أو إذا استغرقت الإجراءات الجمركية وقتاً طويلاً، أو لم تتوفر المخازن والمنصات اللوجستية.
وأكد أن المستثمر يهتم أساساً بالتكلفة اللوجستية والزمن وقابلية التنبؤ وانتظام الخدمة، وهي عوامل يمكن أن تجعل من تخصيص الموانئ عنصراً مؤثراً في اختيار موقع الاستثمار.
-الميناء جزء من السياسة الصناعية وليس بديلاً عن الإنتاج
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي أن الميناء الذي يربط بين استيراد المدخلات والتصنيع المحلي والتجميع والتخزين والتصدير يصبح جزءاً من السياسة الصناعية نفسها.
غير أنه حذر من الاعتقاد بأن تطوير الميناء وحده كفيل بتنويع الاقتصاد، مؤكداً أن «الميناء لا يصنع الصادرات، وإنما المؤسسات هي التي تصنعها».
وأضاف أن نجاح سياسة تخصيص الموانئ يقتضي تطوير المناطق الصناعية والمخازن والمنصات اللوجستية والخدمات الجمركية والمالية وشبكات النقل والمؤسسات المصدرة في محيط الموانئ المعنية.
-إفريقيا تحتاج إلى منظومة لوجستية متكاملة
وبخصوص الأسواق الإفريقية والأوروبية والمتوسطية، أوضح جمعة أن تخصيص الموانئ يمكن أن يمنح المؤسسات الجزائرية ميزة تنافسية إذا ساهم في تقليل زمن الشحن وخفض تكلفة التصدير وتحسين خدمات الحاويات والتخزين وتسهيل الإجراءات الجمركية والوثائقية.
غير أنه شدد، بالنسبة للأسواق الإفريقية تحديداً، على ضرورة عدم النظر إلى الميناء بمعزل عن الطرق والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية والمعابر البرية، باعتبارها حلقات مترابطة في منظومة التصدير.
-الخطر في تطوير الميناء دون زيادة الإنتاج
وحذر الخبير من أن ارتفاع قدرة الميناء على المناولة، في وقت تبقى فيه الصادرات ضعيفة، قد يؤدي إلى خلق طاقة لوجستية أكبر من الطلب الاقتصادي الحقيقي، ما يرفع تكلفة الاستثمار العام ويخفض مردودية الموانئ.
ويرى أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط: «كم حاوية يستطيع الميناء معالجتها؟»، وإنما: «كم حاوية إضافية من المنتجات الجزائرية يمكن إنتاجها وتصديرها بفضل هذه البنية؟».
القيمة المضافة هي الاختبار الحقيقي للصادرات
وأكد جمعة ضرورة ربط سياسة الموانئ بسياسة رفع القيمة المضافة، موضحاً أن زيادة حجم الصادرات خارج المحروقات لا تكفي وحدها، بل يجب الاهتمام بطبيعة المنتجات المصدرة.
وأشار إلى أهمية تشجيع الاستثمارات التي تستخدم الموانئ لتصدير المنتجات الصناعية والفلاحية المحولة والمواد الغذائية المصنعة والمنتجات الكيميائية والبتروكيميائية ذات القيمة المضافة، إضافة إلى المنتجات التكنولوجية والسلع الموجهة إلى الأسواق الإفريقية والمتوسطية.
-مستغانم يمكن أن تكون مختبراً عملياً
وبشأن إمكانية تحول ميناء مستغانم إلى نموذج لهذه السياسة، اعتبر نبيل جمعة أن من السابق لأوانه وصفه بالنموذج المتكامل، رغم وجود مؤشرات أولية، من بينها تطوير منصة الحاويات وعمليات التصدير خارج المحروقات والاستثمارات الصناعية الجديدة في محيط الولاية.
وأوضح أن الاختبار الحقيقي سيكون خلال السنوات المقبلة، من خلال قياس مدى قدرة تطور الميناء على جذب استثمارات جديدة وربط الاستثمار بوظيفة التصدير.
-مؤسسة حديثة تحتاج إلى ميناء حديث
ويرى الخبير أن نجاح هذه المنظومة يتطلب أيضاً تغييراً داخل المؤسسات، من خلال الانتقال من منطق «أنتج أولاً ثم ابحث لاحقاً عن السوق» إلى منطق يبدأ من السوق المستهدفة ومواصفات المنتج، ثم الإنتاج فاللوجستيك والتصدير.
ويشمل ذلك، حسبه، تطوير إدارة التصدير والجودة والمطابقة والتكوين والتفاوض التجاري والتأمين والنقل الدولي والتمويل التجاري والرقمنة والتتبع اللوجستي، إلى جانب معرفة الأسواق الإفريقية والأوروبية.
-كيف نقيس أثر تخصيص ميناء مستغانم؟
واقترح جمعة تقييم نتائج هذه السياسة من خلال لوحة مؤشرات اقتصادية لا تقتصر على أرقام حركة الميناء، وإنما تشمل قيمة وحجم الصادرات غير النفطية، وعدد المصدرين الجدد، والمشاريع الصناعية والاستثمارات المرتبطة بالميناء، والوظائف الجديدة، وعدد الحاويات المصدرة، ومتوسط زمن بقاء السفن ومعالجة الحاويات، وتكلفة نقل الطن والحاوية.
كما تشمل المؤشرات، وفق الخبير، نسبة المنتجات المصنعة وذات القيمة المضافة، وتنوع الوجهات والأسواق، ونسبة الصادرات نحو إفريقيا، ومستوى استغلال الطاقة المينائية.
وشدد على أهمية مقارنة هذه المؤشرات بخط أساس لسنة 2026، بما يسمح بقياس الأثر الاقتصادي الفعلي للسياسة، وليس الاكتفاء بمقارنة أرقام الحركة من سنة إلى أخرى.
-نجاح الميناء يقاس بما يخرج منه لا بما يستقبله
وخلص نبيل جمعة إلى أن الاختبار الحقيقي لسياسة تخصيص الموانئ لا يكمن في عدد السفن أو الحاويات التي يستطيع الميناء استقبالها ومعالجتها، وإنما في قدرة الاقتصاد على خلق المنتجات التي تستحق التصدير عبره.
واعتبر أن المعادلة المقبلة تقوم على تخصيص الميناء، وتخصص المنطقة اقتصادياً، وجذب الاستثمار، وزيادة الإنتاج، ورفع القيمة المضافة، وخفض تكلفة اللوجستيك، وتنويع الأسواق وزيادة الصادرات.
وبحسب جمعة، فإذا توقفت العملية عند جعل الميناء أكثر كفاءة، فإنها تبقى إصلاحاً لوجستياً، أما إذا امتدت آثارها إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وتصديراً حول الميناء، فإنها تصبح تحولاً في العلاقة بين البنية التحتية والتنمية الاقتصادية، وهو ما يجعل مستغانم، بالنظر إلى التطورات الجارية في الحاويات والتصدير والاستثمار الصناعي، إحدى الحالات العملية لاختبار هذا التوجه.

