خبراء يشرحون العلاقات الاقتصادية وفرص الشراكة بين البلدين لـ أصوات: الجزائر والسعودية.. شراكة اقتصادية على أعتاب مرحلة جديدة
تدخل العلاقات الاقتصادية الجزائرية السعودية مرحلة تتزايد فيها اللقاءات بين المسؤولين وممثلي قطاع الأعمال، وتتسع معها النقاشات حول الاستثمار والشراكات الإنتاجية والتصديرية. وبينما توفر إمكانات البلدين فرصاً للتعاون في الطاقة والصناعة والزراعة والتعدين والاقتصاد الرقمي والسياحة، يبقى التحدي في تحويل الاتفاقيات والفرص المطروحة إلى مشاريع ملموسة تحقق قيمة مضافة وتخلق فرص عمل وتفتح أسواقاً جديدة.
في هذا الملف، يستعرض الخبراء واقع الشراكة الجزائرية السعودية وآفاقها، فيما يتناول أحمد طرطار الحراك الاستثماري واللقاءات الاقتصادية الأخيرة بين الجانبين. وتتناول الآراء المطروحة سبل الانتقال من المبادلات التجارية التقليدية إلى الاستثمار المشترك، وبناء سلاسل إنتاج تمتد إلى الأسواق الإفريقية والعربية، إلى جانب أبرز التحديات المرتبطة بالتمويل والإجراءات واللوجستيك.
قرباج وسيلة
تستند العلاقات الجزائرية السعودية إلى روابط سياسية وتاريخية، فيما تبرز الشراكة الاقتصادية بين البلدين بوصفها مجالاً واعداً للتوسع والتنوع. ومع التحولات التي تشهدها اقتصادات المنطقة، تتزايد فرص الانتقال من المبادلات التجارية التقليدية إلى تعاون يقوم على الاستثمار المشترك، وتطوير الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التبادل بين الأسواق. ويمتلك البلدان مقومات متكاملة يمكن أن تدعم هذا التوجه وتفتح أمامهما مجالات أوسع للنمو.
.تبادل تجاري وفرص للتوسع
يشكل التبادل التجاري أحد مكونات العلاقات الاقتصادية الجزائرية السعودية، غير أن تطويره يتطلب توسيع قائمة السلع والخدمات المتبادلة، وتشجيع مشاركة المؤسسات في المعارض والفعاليات الاقتصادية، وتيسير التواصل بين المستثمرين والمنتجين.
ويمكن للشركات في البلدين الاستفادة من اتساع السوقين، ومن موقع الجزائر كبوابة نحو أسواق المغرب العربي وإفريقيا، وموقع السعودية كمركز اقتصادي وتجاري في الخليج. ويساعد هذا التكامل على توسيع فرص التصدير، وربط المؤسسات بسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.
. الاستثمار والصناعة
يمثل الاستثمار المشترك مجالاً أساسياً لتعميق التعاون الاقتصادي. فالجزائر تسعى إلى استقطاب استثمارات منتجة تساهم في تنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل، بينما تمتلك السعودية خبرة واسعة في تمويل المشاريع وتطوير القطاعات الصناعية والخدماتية.
وتشمل المجالات المحتملة للتعاون الصناعات التحويلية والبتروكيميائية، والصناعات الصيدلانية، ومواد البناء، والصناعات الغذائية، والمعدات والتجهيزات. ويمكن لهذه الشراكات أن تسهم في توطين الإنتاج، وتطوير الخبرات المحلية، وزيادة القيمة المضافة للصادرات.
كما يتيح التعاون في المشاريع الإنتاجية للطرفين تطوير سلاسل قيمة مشتركة، بحيث تتوزع مراحل الإنتاج والتصنيع والتسويق بين البلدين، بدلاً من الاكتفاء بتبادل المنتجات الجاهزة.
.الطاقة والتحول الاقتصادي
تحتل الطاقة مكانة محورية في اقتصاد البلدين، وتوفر قاعدة للتعاون في مجالات النفط والغاز والخدمات المرتبطة بهما. ومع التحولات العالمية في قطاع الطاقة، تتسع فرص الشراكة لتشمل الطاقات المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، وكفاءة الاستهلاك، وتطوير التقنيات والصناعات المساندة.
وتملك الجزائر خبرة في إنتاج الغاز الطبيعي، إلى جانب إمكانات مهمة في الطاقة الشمسية والهيدروجين. فيما تعمل السعودية على تنويع مصادر الطاقة وتطوير استثماراتها في التقنيات الجديدة. ويمكن لتبادل الخبرات والاستثمار المشترك أن يدعم بناء مشاريع تجمع بين إنتاج الطاقة وتطوير الصناعة ونقل المعرفة.
.التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي
يوفر الاقتصاد الرقمي مجالاً متنامياً للتعاون، خصوصاً في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، والخدمات الرقمية، والتجارة الإلكترونية. كما يمكن تشجيع الشراكات بين المؤسسات الناشئة في البلدين، وتبادل الخبرات، وتمويل الابتكار، وتطوير برامج تدريبية للكفاءات الشابة.
ويمتد أثر هذا التعاون إلى قطاعات متعددة، مثل الصحة والنقل والخدمات المالية والفلاحة والصناعة. ويساعد بناء روابط بين منظومتي الابتكار في الجزائر والسعودية على تطوير حلول قابلة للتوسع في الأسواق العربية والإفريقية.
.الأمن الغذائي والسياحة
يشكل الأمن الغذائي والمائي مجالاً مهماً للتكامل الاقتصادي. ويمكن تطوير مشاريع مشتركة في الزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، وتقنيات الري، والتخزين والنقل والتبريد، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين استدامة سلاسل الإمداد.
أما السياحة، فتتيح فرصاً للاستثمار في الفنادق والخدمات والنقل والترويج والتكوين. فالجزائر تتمتع بتنوع جغرافي وثقافي واسع، بينما تمتلك السعودية خبرة متنامية في تطوير الوجهات السياحية والبنية التحتية وإدارة المشاريع الكبرى. ومن شأن تبادل الخبرات والاستثمار في هذا القطاع أن يدعم الحركة السياحية ويوفر فرص عمل جديدة.
.تحديات وفرص الشراكة
يتطلب تطوير العلاقات الاقتصادية تهيئة بيئة مناسبة للمستثمرين، وتسهيل الإجراءات، وتعزيز التواصل بين المؤسسات، وتوفير معلومات واضحة حول الفرص المتاحة. كما يحتاج التعاون إلى الانتقال من الاتفاقيات العامة إلى مشاريع محددة ذات أهداف وبرامج تنفيذ واضحة.
وتُقاس فاعلية الشراكة بقدرتها على زيادة الاستثمارات المنتجة، وتطوير الصادرات، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتعزيز حضور منتجات البلدين في الأسواق الإقليمية.
تمتلك الجزائر والسعودية إمكانات واسعة لبناء شراكة اقتصادية أكثر تنوعاً وعمقاً. ويتيح التكامل بين الموارد والخبرات والمواقع الجغرافية للبلدين فرصاً للتعاون في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والزراعة والسياحة. ويتوقف تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة على تطوير مشاريع مشتركة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتسهيل حركة الاستثمار والتبادل التجاري، بما يحقق منافع متبادلة ويدعم مسارات التنمية في البلدين.
الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في حوار لـ أصوات:
الشراكة الجزائرية السعودية تحتاج إلى الانتقال من الاتفاقيات إلى المشاريع
تتجه العلاقات الاقتصادية الجزائرية السعودية نحو توسيع التعاون في الاستثمار والصناعة والطاقة، مع بروز فرص للشراكة في قطاعات التعدين والزراعة والاقتصاد الرقمي والسياحة. لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج ملموسة يتطلب تجاوز المبادلات التجارية التقليدية، وتطوير مشاريع إنتاجية مشتركة تستفيد من إمكانات البلدين وتفتح أمامهما أسواقاً إقليمية أوسع.
في هذا الحوار مع “أصوات”، يقيّم الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي واقع العلاقات بين الجزائر والسعودية، ويستعرض أبرز مجالات التعاون والتحديات التي تواجه المستثمرين. كما يقترح الانتقال من توقيع الاتفاقيات إلى تنفيذ مشاريع محددة، بتمويل وشركاء وجداول زمنية ومؤشرات أداء واضحة.
حاورته:قرباج وسيلة
.كيف تقيّمون واقع العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية اليوم؟
العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية تمتلك قاعدة سياسية ومؤسساتية مهمة، لكنها ما تزال دون مستوى الإمكانات الاقتصادية للبلدين. الجديد اليوم هو أن الحوار لم يعد يركز فقط على التجارة، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو الاستثمار والشراكات الصناعية والمشاريع المشتركة.
ومن المؤشرات المهمة على هذا التحول توقيع سوناطراك في 2025 عقداً مع شركة «مداد إنرجي» السعودية بقيمة استثمارية معلنة تبلغ 5.4 مليار دولار، وهو مثال على إمكانية الانتقال من العلاقات التجارية إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.
. ما أبرز القطاعات التي يمكن أن تشكّل قاعدة لشراكة أوسع؟
أرى أن القاعدة يمكن أن تقوم على ستة محاور: الطاقة والبتروكيماويات، التعدين، الصناعات التحويلية، الزراعة والصناعات الغذائية، اللوجستيك والسياحة، والاقتصاد الرقمي.المهم ألا تكون العلاقة قائمة على بيع وشراء المنتجات فقط، وإنما على إنشاء مشاريع تنتج في الجزائر والسعودية معاً، وتستفيد من القدرات التمويلية والتكنولوجية والأسواق المتاحة لدى الطرفين.
. هل يعكس التبادل التجاري الإمكانات المتاحة؟
ليس بالضرورة. وهناك مؤشرات سابقة من الجانبين على أن حجم التجارة لا يعكس كامل الإمكانات المتاحة المشكلة ليست فقط في قيمة المبادلات، وإنما في هيكلها: هل نريد تجارة تقوم على المنتجات النهائية، أم نريد أن نصل إلى تجارة مبنية على مدخلات الإنتاج، والمكونات الصناعية، والخدمات، ثم إعادة التصدير؟
ومن أبرز العوائق: ضعف الربط اللوجستي، محدودية التعريف المتبادل بالفرص الاستثمارية، طول بعض الإجراءات، صعوبة إيجاد الشريك المناسب، إضافة إلى الحاجة إلى آليات تمويل وضمان أكثر فعالية.
. ما فرص الاستثمار السعودي في الجزائر؟
الجزائر تقدم للمستثمر السعودي فرصاً في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعة والزراعة والسياحة واللوجستيك، خصوصاً مع الإصلاحات المتعلقة بمناخ الاستثمار وتطوير الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار. وقد عرضت الوكالة بالفعل أمام رجال أعمال سعوديين مزايا مناخ الاستثمار والإصلاحات الجارية.
وأعتقد أن الاستثمار السعودي يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما ينتقل من الاستثمار في مشروع منفرد إلى بناء منظومة إنتاجية مرتبطة بالموردين الجزائريين وبالأسواق الإفريقية.
. كيف تستفيد الجزائر من الخبرة السعودية في المشاريع الكبرى وتنويع الاقتصاد؟
الاستفادة لا تعني استنساخ التجربة السعودية، لأن لكل اقتصاد خصوصياته، وإنما الاستفادة من آليات إدارة المشاريع الكبرى، جذب رأس المال، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير قطاعات جديدة حول المشاريع الكبرى.
التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة ركزت بقوة على التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، السياحة، التصنيع والطاقة المتجددة ضمن مسار تنويع الاقتصاد.
والجزائر تستطيع الاستفادة من هذه الخبرة مع توظيف ميزتها الخاصة: الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والسوق الإفريقية.
. ما فرص المشاريع الصناعية المشتركة؟
الفرص واسعة جداً، خصوصاً في البتروكيماويات، البلاستيك، الأدوية، الصناعات الغذائية ومواد البناء.لكن يجب أن يكون الهدف هو إنشاء مشاريع ذات قيمة مضافة، وليس مجرد استيراد منتجات سعودية. مثلاً يمكن إقامة مصانع مشتركة للمواد الكيميائية أو البلاستيكية، ثم استخدام الجزائر كقاعدة للإنتاج والتصدير نحو إفريقيا، مقابل الاستفادة من الخبرات والأسواق السعودية.
. ماذا عن الطاقة المتجددة والهيدروجين وتخزين الطاقة؟
هذا من أكثر المجالات الواعدة؛ لأن البلدين يمتلكان إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، كما أن الجزائر تمتلك موقعاً استراتيجياً قريباً من الأسواق الأوروبية، بينما تمتلك السعودية خبرة متنامية في مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين.
والفرصة الأكبر ليست في إنتاج الطاقة فقط، بل في تصنيع المعدات، تخزين الطاقة، تطوير الهيدروجين الأخضر، وتكوين الكفاءات.
. وماذا عن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي؟
هنا يمكن بناء شراكة مختلفة تماماً عن التجارة التقليدية.
يمكن إنشاء صناديق استثمار مشتركة للشركات الناشئة، برامج لتسريع المؤسسات التكنولوجية، مختبرات للذكاء الاصطناعي، وحاضنات أعمال جزائرية–سعودية.
والميزة أن السعودية تمتلك منظومة استثمارية وتكنولوجية متقدمة، بينما تستطيع الجزائر توفير كفاءات بشرية وسوقاً وموقعاً استراتيجياً نحو إفريقيا.
. كيف نبني سلاسل إنتاج مشتركة نحو إفريقيا والخليج؟
هذه في رأيي هي الفكرة الأكثر استراتيجية.
يمكن تقسيم سلسلة القيمة بين البلدين: تمويل وتكنولوجيا وتسويق من الجانب السعودي، وموارد وموقع وقدرات إنتاجية وسوق إفريقية من الجانب الجزائري.
ثم لا يصبح الهدف بيع المنتج الجزائري في السعودية فقط أو المنتج السعودي في الجزائر، وإنما إنشاء منتجات مشتركة تحمل قيمة مضافة من البلدين وتتوجه إلى إفريقيا والخليج والأسواق العربية.
. ما دور القطاع الخاص وغرف التجارة؟
الاتفاقيات الحكومية ضرورية، لكنها لا تنتج وحدها استثمارات.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل غرف التجارة ومجالس الأعمال إلى منصات لصناعة الصفقات: تحديد الشركات، إعداد ملفات المشاريع، البحث عن التمويل، وربط المستثمرين بالشركاء.
واللقاءات بين رجال الأعمال السعوديين والجزائريين التي تتكرر في الجزائر تمثل قاعدة يمكن البناء عليها.
.ما أبرز التحديات الإدارية والتمويلية واللوجستية؟
المستثمر يبحث عن أربعة أشياء: وضوح القاعدة، سرعة القرار، التمويل، واللوجستيك.
لذلك ينبغي تقليص آجال الإجراءات، توحيد المعلومات الاستثمارية، تسهيل التمويل والتحويلات وفق القوانين، وتحسين الربط البحري والجوي.
كما يجب أن يعرف المستثمر السعودي منذ البداية: الأرض، الطاقة، الضرائب، الجمارك، التمويل، الموردون، السوق المستهدفة، وآجال الإنجاز.
. كيف نعزز الأمن الغذائي والزراعة؟
يمكن إنشاء مشاريع مشتركة في الزراعات الصحراوية، الري الذكي، البيوت الزراعية، البذور، الأسمدة، الصناعات الغذائية والتخزين والتبريد.
وهنا توجد فرصة مهمة: أن ينتقل التعاون من تصدير المنتجات الزراعية إلى تطوير سلسلة القيمة الغذائية كاملة، من الإنتاج إلى التحويل والتغليف والتصدير.
. ماذا عن السياحة والنقل واللوجستيك؟
الجزائر تمتلك مقومات سياحية ضخمة، خصوصاً السياحة الصحراوية والساحلية والثقافية، بينما تمتلك السعودية خبرة متنامية في تطوير الوجهات السياحية والبنية التحتية والخدمات.
وفي اللوجستيك يمكن التفكير في شراكات لتطوير المخازن، سلاسل التبريد، النقل البحري، الخدمات اللوجستية، والمراكز التجارية الموجهة إلى إفريقيا.
. كيف نقيس نجاح الشراكة؟
لا ينبغي أن نقيس النجاح بعدد الاتفاقيات الموقعة.
الأفضل إنشاء لوحة مؤشرات جزائرية–سعودية تتضمن:حجم الاستثمارات المنجزة فعلياً.
عدد المشاريع التي دخلت الإنتاج.عدد مناصب العمل.قيمة الصادرات الناتجة عن المشاريع المشتركة.نسبة الإدماج المحلي.حجم نقل التكنولوجيا.عدد المؤسسات الصغيرة المشاركة في سلاسل القيمة.عدد الأسواق الخارجية التي دخلتها المنتجات المشتركة.آجال تنفيذ المشاريع مقارنة بالآجال المعلنة.
. ما الخطوات العملية لبناء شراكة طويلة الأمد؟
أقترح الانتقال من “دبلوماسية الاتفاقيات” إلى “دبلوماسية المشاري”.
أي اختيار 10 إلى 15 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً، وتحديد مسؤول عن كل مشروع، وجدول زمني، ومصدر تمويل، وشريك خاص، ومؤشرات أداء، ثم متابعة التنفيذ كل ثلاثة أشهر. والأهم أن تكون هناك خريطة استثمار جزائرية–سعودية مشتركة تحدد المشاريع القابلة للتنفيذ، وليس مجرد قائمة فرص عامة.
و في الأخير أرى الفرصة الحقيقية بين الجزائر والسعودية ليست في مضاعفة رقم المبادلات التجارية فقط، بل في بناء تحالف إنتاجي واستثماري: رأس المال والخبرة والأسواق السعودية من جهة، والموارد والموقع والقدرات الإنتاجية والسوق الإفريقية الجزائرية من جهة أخرى. وإذا نجح البلدان في تحويل هذه المزايا إلى سلاسل إنتاج مشتركة، فإن العلاقة يمكن أن تنتقل من التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي. وتوجد بالفعل مؤشرات على تحرك في هذا الاتجاه، من لقاءات رجال الأعمال إلى اتفاقيات الاستثمار والطاقةبناءً على هذه الأسئلة، يمكن صياغة إجابات صحفية متكاملة تضع العلاقة الجزائرية–السعودية في إطار الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكة استثمارية وإنتاجية وتصديرية. وتشير المعطيات الحديثة إلى وجود حراك فعلي؛ فقد استقبلت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وفداً من رجال الأعمال السعوديين في يونيو 2026، كما تواصلت لقاءات قطاعية بين الجانبين.
1. كيف تقيّمون واقع العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية اليوم؟
العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية تمتلك قاعدة سياسية ومؤسساتية مهمة، لكنها ما تزال دون مستوى الإمكانات الاقتصادية للبلدين. الجديد اليوم هو أن الحوار لم يعد يركز فقط على التجارة، وإنما يتجه بصورة أكبر نحو الاستثمار والشراكات الصناعية والمشاريع المشتركة.
ومن المؤشرات المهمة على هذا التحول توقيع سوناطراك في 2025 عقداً مع شركة «مداد إنرجي» السعودية بقيمة استثمارية معلنة تبلغ 5.4 مليار دولار، وهو مثال على إمكانية الانتقال من العلاقات التجارية إلى استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.
2. ما أبرز القطاعات التي يمكن أن تشكّل قاعدة لشراكة أوسع؟
أرى أن القاعدة يمكن أن تقوم على ستة محاور: الطاقة والبتروكيماويات، التعدين، الصناعات التحويلية، الزراعة والصناعات الغذائية، اللوجستيك والسياحة، والاقتصاد الرقمي.
المهم ألا تكون العلاقة قائمة على بيع وشراء المنتجات فقط، وإنما على إنشاء مشاريع تنتج في الجزائر والسعودية معاً، وتستفيد من القدرات التمويلية والتكنولوجية والأسواق المتاحة لدى الطرفين.
3. هل يعكس التبادل التجاري الإمكانات المتاحة؟
ليس بالضرورة. وهناك مؤشرات سابقة من الجانبين على أن حجم التجارة لا يعكس كامل الإمكانات المتاحة.
المشكلة ليست فقط في قيمة المبادلات، وإنما في هيكلها: هل نريد تجارة تقوم على المنتجات النهائية، أم نريد أن نصل إلى تجارة مبنية على مدخلات الإنتاج، والمكونات الصناعية، والخدمات، ثم إعادة التصدير؟
ومن أبرز العوائق: ضعف الربط اللوجستي، محدودية التعريف المتبادل بالفرص الاستثمارية، طول بعض الإجراءات، صعوبة إيجاد الشريك المناسب، إضافة إلى الحاجة إلى آليات تمويل وضمان أكثر فعالية.
4. ما فرص الاستثمار السعودي في الجزائر؟
الجزائر تقدم للمستثمر السعودي فرصاً في قطاعات الطاقة والتعدين والصناعة والزراعة والسياحة واللوجستيك، خصوصاً مع الإصلاحات المتعلقة بمناخ الاستثمار وتطوير الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار. وقد عرضت الوكالة بالفعل أمام رجال أعمال سعوديين مزايا مناخ الاستثمار والإصلاحات الجارية.
وأعتقد أن الاستثمار السعودي يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما ينتقل من الاستثمار في مشروع منفرد إلى بناء منظومة إنتاجية مرتبطة بالموردين الجزائريين وبالأسواق الإفريقية.
5. كيف تستفيد الجزائر من الخبرة السعودية في المشاريع الكبرى وتنويع الاقتصاد؟
الاستفادة لا تعني استنساخ التجربة السعودية، لأن لكل اقتصاد خصوصياته، وإنما الاستفادة من آليات إدارة المشاريع الكبرى، جذب رأس المال، الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير قطاعات جديدة حول المشاريع الكبرى.
التجربة السعودية خلال السنوات الأخيرة ركزت بقوة على التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، السياحة، التصنيع والطاقة المتجددة ضمن مسار تنويع الاقتصاد.
والجزائر تستطيع الاستفادة من هذه الخبرة مع توظيف ميزتها الخاصة: الموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والسوق الإفريقية.
6. ما فرص المشاريع الصناعية المشتركة؟
الفرص واسعة جداً، خصوصاً في البتروكيماويات، البلاستيك، الأدوية، الصناعات الغذائية ومواد البناء.
لكن يجب أن يكون الهدف هو إنشاء مشاريع ذات قيمة مضافة، وليس مجرد استيراد منتجات سعودية. مثلاً يمكن إقامة مصانع مشتركة للمواد الكيميائية أو البلاستيكية، ثم استخدام الجزائر كقاعدة للإنتاج والتصدير نحو إفريقيا، مقابل الاستفادة من الخبرات والأسواق السعودية.
7. ماذا عن الطاقة المتجددة والهيدروجين وتخزين الطاقة؟
هذا من أكثر المجالات الواعدة؛ لأن البلدين يمتلكان إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، كما أن الجزائر تمتلك موقعاً استراتيجياً قريباً من الأسواق الأوروبية، بينما تمتلك السعودية خبرة متنامية في مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين.
والفرصة الأكبر ليست في إنتاج الطاقة فقط، بل في تصنيع المعدات، تخزين الطاقة، تطوير الهيدروجين الأخضر، وتكوين الكفاءات.
8. وماذا عن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي؟
هنا يمكن بناء شراكة مختلفة تماماً عن التجارة التقليدية.
يمكن إنشاء صناديق استثمار مشتركة للشركات الناشئة، برامج لتسريع المؤسسات التكنولوجية، مختبرات للذكاء الاصطناعي، وحاضنات أعمال جزائرية–سعودية.
والميزة أن السعودية تمتلك منظومة استثمارية وتكنولوجية متقدمة، بينما تستطيع الجزائر توفير كفاءات بشرية وسوقاً وموقعاً استراتيجياً نحو إفريقيا.
9. كيف نبني سلاسل إنتاج مشتركة نحو إفريقيا والخليج؟
هذه في رأيي هي الفكرة الأكثر استراتيجية.
يمكن تقسيم سلسلة القيمة بين البلدين: تمويل وتكنولوجيا وتسويق من الجانب السعودي، وموارد وموقع وقدرات إنتاجية وسوق إفريقية من الجانب الجزائري.
ثم لا يصبح الهدف بيع المنتج الجزائري في السعودية فقط أو المنتج السعودي في الجزائر، وإنما إنشاء منتجات مشتركة تحمل قيمة مضافة من البلدين وتتوجه إلى إفريقيا والخليج والأسواق العربية.
10. ما دور القطاع الخاص وغرف التجارة؟
الاتفاقيات الحكومية ضرورية، لكنها لا تنتج وحدها استثمارات.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل غرف التجارة ومجالس الأعمال إلى منصات لصناعة الصفقات: تحديد الشركات، إعداد ملفات المشاريع، البحث عن التمويل، وربط المستثمرين بالشركاء.
واللقاءات بين رجال الأعمال السعوديين والجزائريين التي تتكرر في الجزائر تمثل قاعدة يمكن البناء عليها.
11. ما أبرز التحديات الإدارية والتمويلية واللوجستية؟
المستثمر يبحث عن أربعة أشياء: وضوح القاعدة، سرعة القرار، التمويل، واللوجستيك.
لذلك ينبغي تقليص آجال الإجراءات، توحيد المعلومات الاستثمارية، تسهيل التمويل والتحويلات وفق القوانين، وتحسين الربط البحري والجوي.
كما يجب أن يعرف المستثمر السعودي منذ البداية: الأرض، الطاقة، الضرائب، الجمارك، التمويل، الموردون، السوق المستهدفة، وآجال الإنجاز.
12. كيف نعزز الأمن الغذائي والزراعة؟
يمكن إنشاء مشاريع مشتركة في الزراعات الصحراوية، الري الذكي، البيوت الزراعية، البذور، الأسمدة، الصناعات الغذائية والتخزين والتبريد.
وهنا توجد فرصة مهمة: أن ينتقل التعاون من تصدير المنتجات الزراعية إلى تطوير سلسلة القيمة الغذائية كاملة، من الإنتاج إلى التحويل والتغليف والتصدير.
13. ماذا عن السياحة والنقل واللوجستيك؟
الجزائر تمتلك مقومات سياحية ضخمة، خصوصاً السياحة الصحراوية والساحلية والثقافية، بينما تمتلك السعودية خبرة متنامية في تطوير الوجهات السياحية والبنية التحتية والخدمات.
وفي اللوجستيك يمكن التفكير في شراكات لتطوير المخازن، سلاسل التبريد، النقل البحري، الخدمات اللوجستية، والمراكز التجارية الموجهة إلى إفريقيا.
14. كيف نقيس نجاح الشراكة؟
لا ينبغي أن نقيس النجاح بعدد الاتفاقيات الموقعة.
الأفضل إنشاء لوحة مؤشرات جزائرية–سعودية تتضمن:
حجم الاستثمارات المنجزة فعلياً.
عدد المشاريع التي دخلت الإنتاج.
عدد مناصب العمل.
قيمة الصادرات الناتجة عن المشاريع المشتركة.
نسبة الإدماج المحلي.
حجم نقل التكنولوجيا.
عدد المؤسسات الصغيرة المشاركة في سلاسل القيمة.
عدد الأسواق الخارجية التي دخلتها المنتجات المشتركة.
آجال تنفيذ المشاريع مقارنة بالآجال المعلنة.
15. ما الخطوات العملية لبناء شراكة طويلة الأمد؟
أقترح الانتقال من «دبلوماسية الاتفاقيات» إلى «دبلوماسية المشاريع».
أي اختيار 10 إلى 15 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً، وتحديد مسؤول عن كل مشروع، وجدول زمني، ومصدر تمويل، وشريك خاص، ومؤشرات أداء، ثم متابعة التنفيذ كل ثلاثة أشهر.
والأهم أن تكون هناك خريطة استثمار جزائرية–سعودية مشتركة تحدد المشاريع القابلة للتنفيذ، وليس مجرد قائمة فرص عامة.
الخلاصة:
الفرصة الحقيقية بين الجزائر والسعودية ليست في مضاعفة رقم المبادلات التجارية فقط، بل في بناء تحالف إنتاجي واستثماري: رأس المال والخبرة والأسواق السعودية من جهة، والموارد والموقع والقدرات الإنتاجية والسوق الإفريقية الجزائرية من جهة أخرى. وإذا نجح البلدان في تحويل هذه المزايا إلى سلاسل إنتاج مشتركة، فإن العلاقة يمكن أن تنتقل من التبادل التجاري إلى التكامل الاقتصادي. وتوجد بالفعل مؤشرات على تحرك في هذا الاتجاه، من لقاءات رجال الأعمال إلى اتفاقيات الاستثمار والطاقة.

