عبد الرحمان هادف يدعو إلى إنشاء جيل جديد من المناطق الاقتصادية والحظائر التكنولوجية في الجزائر

اعتبر التحدي الأكبر بناء بيئة اقتصادية متكاملة

دعا المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، إلى إعادة النظر في سياسة العقار الصناعي في الجزائر، من خلال الانتقال من نموذج توفير الأوعية العقارية للمستثمرين إلى تطوير مناطق اقتصادية متكاملة وحظائر صناعية وتكنولوجية، بما يسمح باستقطاب الاستثمارات المنتجة وتسريع التصنيع وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني خارج المحروقات.

نوال الهواري 

وأوضح هادف  في حديثه لجريدة “أصوات”أن التحدي لم يعد يقتصر على توفير الأراضي المخصصة للاستثمار، بل يتعلق ببناء بيئة اقتصادية متكاملة تستجيب لاحتياجات المستثمرين، من خلال توفير البنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية والاتصالات واليد العاملة المؤهلة، إلى جانب ضمان وضوح الإجراءات واستقرار البيئة التنظيمية.

وأضاف أن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتزايد المنافسة على استقطاب الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية تفرضان على الجزائر تطوير مقاربة جديدة للعقار الاقتصادي، تقوم على إنشاء مناطق متخصصة قادرة على تعزيز الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

من العقار المتاح إلى العرض الاقتصادي المتكامل

وفي هذا السياق، أشار هادف إلى أن الجزائر قطعت خطوات في تطوير الإطار القانوني المنظم للاستثمار والعقار الاقتصادي، لاسيما من خلال القانون رقم 22-18 المتعلق بالاستثمار والقانون رقم 23-17 المتعلق بشروط وكيفيات منح العقار الاقتصادي التابع للأملاك الخاصة للدولة والموجه لإنجاز المشاريع الاستثمارية.

غير أن المرحلة المقبلة، حسبه، تستدعي الانتقال من منطق منح العقار إلى تطوير أصول اقتصادية متكاملة، يتم تصميمها وفق احتياجات المستثمرين وأولويات التنمية الوطنية.

وشدد على أهمية اعتماد مقاربة استباقية تنطلق من تحديد القطاعات الواعدة والمشاريع المستهدفة، قبل تهيئة المناطق المناسبة لاستقبالها، بدلا من الاكتفاء بتوفير المساحات وانتظار المستثمرين، مع ضرورة تطوير خبرة متخصصة في تهيئة المناطق الاقتصادية وتسويقها وتسييرها، وإشراك القطاع الخاص في تمويلها وإنجازها واستغلالها.

المناطق الاقتصادية الخاصة أداة جديدة لاستقطاب الاستثمار

واعتبر الخبير أن تطوير المناطق الاقتصادية الخاصة يمكن أن يشكل أحد المحاور الأساسية لتجديد سياسة العقار الصناعي في الجزائر، من خلال إنشاء فضاءات اقتصادية متكاملة توفر للمستثمرين شروطا تنافسية لإنجاز مشاريع صناعية وتصديرية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وأوضح أن هذه المناطق تقوم على تجميع البنية التحتية والخدمات الإدارية واللوجستية والتمويلية، مع تبسيط الإجراءات وتعزيز التنسيق بين الإدارات وتوضيح القواعد المتعلقة بالاستثمار والتشغيل والتجارة الخارجية.

كما أشار إلى إمكانية دراسة اعتماد أنظمة جمركية وضريبية خاصة أو حوافز مرتبطة بالأداء، وفقا للإطار القانوني المعتمد لكل منطقة، مع احترام الالتزامات الوطنية والدولية وضمان تحقيق منفعة اقتصادية واضحة. وبحسب هادف، يمكن توجيه هذه المناطق نحو الصناعات التصديرية والتحويل الصناعي والمناولة والصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية والمكونات الميكانيكية والكهربائية والتكنولوجيات النظيفة، بما يسمح ببناء سلاسل إنتاج متكاملة تربط المؤسسات المحلية بالمستثمرين الدوليين.

وأكد أن نجاح هذه المناطق يرتبط أيضا بمدى اتصالها بالموانئ والمطارات والسكك الحديدية وشبكات الطرق، وتوفر خدمات لوجستية حديثة تضمن سرعة التموين والتسليم وتعزز القدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية. وأضاف أن هذه المناطق يمكن أن تساهم في استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتوسيع نشاط المؤسسات الجزائرية وتطوير المناولة المحلية ورفع المحتوى المحلي تدريجيا، بما يضمن ارتباطها بالنسيج الاقتصادي الوطني.

الحظائر الصناعية والتكنولوجية نحو اقتصاد قائم على الابتكار

وفي ما يتعلق بالحظائر الصناعية والتكنولوجية، أبرز هادف أهمية تطوير هذا النموذج لربط الاستثمار الصناعي بالابتكار والتحول الرقمي ونقل التكنولوجيا.

وأوضح أن النموذج الصناعي التقليدي القائم على تجميع المؤسسات في مساحة جغرافية واحدة لم يعد كافيا في القطاعات المعتمدة على المعرفة والتكنولوجيا والمهارات المتخصصة، ما يستدعي إنشاء حظائر متكاملة تجمع المؤسسات الصناعية والشركات الناشئة ومراكز البحث والتطوير والجامعات ومراكز التكوين ومقدمي الخدمات التكنولوجية.

وأشار إلى إمكانية تطوير حظائر متخصصة في الصناعات الرقمية والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات والمكونات الصناعية والتكنولوجيات الزراعية والصناعات الدوائية والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيات المرتبطة بكفاءة الطاقة.

وشدد على ضرورة أن يستند اختيار هذه التخصصات إلى دراسات جدوى دقيقة وتقييم القدرات المحلية وتحديد الأسواق المستهدفة، بدلا من الاكتفاء بإنشاء فضاءات تحمل تسميات تكنولوجية حديثة.

وأضاف أن القيمة الحقيقية لهذه الحظائر تكمن في قدرتها على ربط البحث العلمي بالإنتاج، وتشجيع نقل التكنولوجيا وتطوير المهارات ورفع إنتاجية المؤسسات الجزائرية، فضلا عن توفير بيئة ملائمة للشراكات بين الشركات الوطنية والمجموعات الصناعية الدولية.

نحو خريطة وطنية جديدة للعقار الاقتصادي

ودعا هادف إلى إعادة تنظيم العرض العقاري ضمن خريطة وطنية للعقار الاقتصادي والاستثمار، تقوم على التكامل بين الإمكانات المحلية والأولويات الوطنية والفرص المتاحة في الأسواق الدولية.

وأوضح أن بعض الولايات يمكن أن تتحول إلى أقطاب للتحويل الصناعي المرتبط بالمناجم والمواد الأولية، فيما يمكن لولايات أخرى تطوير الصناعات الغذائية والتحويل الزراعي أو الصناعات الميكانيكية والكهربائية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيات المتقدمة.

كما لفت إلى أن المؤهلات الطاقوية والجغرافية للجزائر تتيح فرصا لتطوير مناطق متخصصة في الصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، شريطة ربطها بالطلب الصناعي الفعلي والأسواق القادرة على استيعاب منتجاتها.

وأكد أن هذا التوجه لا يعني حصر كل ولاية في تخصص واحد، بل يستهدف بناء أقطاب اقتصادية متكاملة ترتبط بشبكات من الموردين والمناولين ومراكز الخدمات، بما يعزز التكامل بين الأقاليم ويوسع قاعدة الإنتاج الوطني.

كما أبرز أهمية اعتماد تخطيط طويل الأمد يأخذ في الحسبان تطور الطلب على العقار الصناعي والاحتياجات المستقبلية للطاقة والمياه والقدرات اللوجستية والتغيرات التكنولوجية، مع تفادي إنشاء مناطق صناعية لا تستند إلى طلب استثماري واضح أو مقومات اقتصادية مستدامة.

دور جديد للقطاعين العام والخاص في تطوير المناطق الاقتصادية

وفي الجانب المؤسساتي والمالي، أكد الخبير ضرورة تطوير نموذج جديد لتصميم المناطق الاقتصادية وتهيئتها وتسييرها، من خلال إمكانية اعتماد شراكات بين القطاعين العام والخاص تتولى بموجبها مؤسسات متخصصة إنجاز البنية التحتية وإدارة الخدمات وصيانة المرافق وتسويق المناطق واستقطاب المستثمرين، وفق عقود أداء واضحة.

وأوضح أن الدولة تحتفظ بدور أساسي في التخطيط الاستراتيجي وتوفير الإطار القانوني وضمان تنافسية البنية التحتية وتنسيق السياسات القطاعية، في حين يمكن للقطاع الخاص المساهمة بخبرته في إدارة المناطق الصناعية وتطوير خدماتها ورفع كفاءتها التشغيلية.كما دعا إلى تعزيز دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار في مجال الترويج الاستباقي، من خلال تحديد المستثمرين المستهدفين وإعداد عروض اقتصادية وعقارية موجهة ومرافقة المشاريع منذ مرحلة اختيار الموقع إلى غاية دخولها حيز الإنتاج.

وأشار إلى أن تجسيد هذه الرؤية يتطلب تنسيقا فعالا بين الوكالة والهيئات المكلفة بتهيئة العقار وتسييره والقطاعات الوزارية والسلطات المحلية وممثلي القطاع الاقتصادي.وشدد على ضرورة تقييم نتائج سياسة العقار الاقتصادي وفق مؤشرات تشمل الاستثمارات المنجزة فعليا، وسرعة دخول المشاريع حيز الاستغلال، والقيمة المضافة، ومناصب الشغل المستدامة، والصادرات، ونسبة الإدماج المحلي، ونقل التكنولوجيا.

العقار الصناعي رافد للتحول الاقتصادي

وفي ختام طرحه، اعتبر هادف أن الجزائر أمام فرصة لإعادة تموقع سياسة العقار الصناعي ضمن مشروع التحول الاقتصادي، عبر الانتقال من نموذج يقوم على توفير المساحات إلى نموذج يرتكز على تطوير مناطق اقتصادية متكاملة ومتخصصة وقادرة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأوضح أن الجمع بين المناطق الاقتصادية الخاصة والحظائر الصناعية والتكنولوجية يمكن أن يساهم في تسريع التصنيع وتطوير الصادرات وتعزيز الابتكار وإدماج المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

غير أنه ربط نجاح هذا التوجه بوضوح الرؤية وجودة التخطيط وفعالية التسيير واستقرار القواعد التنظيمية، إلى جانب ربط الحوافز الاقتصادية بنتائج ملموسة.

وخلص الخبير إلى أن الرهان الأساسي يتمثل في بناء منظومة اقتصادية قادرة على استقطاب المستثمر المناسب في الموقع المناسب وضمن النشاط الذي يخدم أولويات الاقتصاد الوطني، بما يسمح بتحويل العقار الصناعي إلى رافد لإنتاج الثروة ونقل التكنولوجيا وتعزيز التنافسية وتسريع التحول الاقتصادي في الجزائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *