من فوبيا الطريق إلى الثقة خلف المقود.. آمال تحوّل الخوف إلى مشروع رائد لتمكين المرأة الجزائرية

في الوقت الذي لا تزال فيه كثير من النساء والفتيات الجزائريات يواجهن مخاوف الطريق، رغم حصولهن على رخصة السياقة، اختارت رائدة الأعمال الشابة آمال أن تحوّل هذه المعاناة إلى فكرة مبتكرة تجمع بين التكنولوجيا والتمكين النسوي، واضعةً بصمتها في عالم ريادة الأعمال من خلال تأسيس فضاء “AMN Gaming Lounge” بباب الزوار، وهو مشروع يفتح أمام النساء أبواب التدريب على السياقة بالمحاكاة، في بيئة آمنة توفر لهن الخصوصية وفرصة التعلم بعيدًا عن ضغط الشارع ومخاطر التجربة الأولى.
وبفكر ريادي طموح ورؤية تتجاوز حدود الترفيه، نجحت آمال في توظيف تكنولوجيا المحاكاة لخدمة قضية واقعية تمس الحياة اليومية للمرأة الجزائرية، مستندةً إلى خبرتها المهنية التي تفوق عشر سنوات في مجال السياقة، وإلى دراسة معمقة لاحتياجات السوق وتحديات السائقات المبتدئات. وما يميز هذه المبادرة ليس الجانب التكنولوجي فحسب، بل قدرتها على تحويل الخوف إلى ثقة، والتردد إلى جرأة، ومنح المرأة فرصة لاكتساب مهارات القيادة والتدرّب على الأخطاء دون تكاليف مادية أو مخاطر حقيقية.
وتزداد قيمة هذه التجربة حين تقف وراءها امرأة تجمع بين مسؤوليات الأمومة وتحديات الحياة الأسرية وطموح الاستثمار، لتثبت أن الأفكار المبتكرة يمكن أن تنطلق من أبسط المشكلات اليومية، وتتحول، بالإرادة والتخطيط والدعم، إلى مشاريع تحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية واعدة. فآمال لا تسعى إلى إنشاء فضاء ترفيهي عابر، بل تطمح إلى المساهمة في إعداد سائقات أكثر ثقة واستقلالية، ونشر ثقافة القيادة الآمنة، مع التطلع إلى توسيع التجربة مستقبلًا لتشمل ولايات جزائرية أخرى، في هذا الحوار مع جريدة أصوات، تكشف آمال كواليس ولادة هذه الفكرة، وأسرار توظيف التكنولوجيا في مواجهة فوبيا السياقة، ومدى قدرة المحاكاة على تأهيل النساء نفسيًا وعمليًا قبل الاندماج في حركة المرور الحقيقية، كما تتحدث عن التحديات التي واجهتها وخططها لتوسيع مشروعها، في تجربة ريادية تؤكد أن الابتكار الحقيقي يبدأ حين تتحول معاناة المجتمع إلى فرصة للتغيير.

حاورتها: رحمة حيقون

بداية من هي آمال؟
آمال هي رائدة أعمال جزائرية شابة، وربّة بيت وأم لثلاثة أطفال، المؤسسة الشريكة لـ “AMN Gaming Lounge” فضاء محاكاة السياقة للنساء، بحي إسماعيل يفصح العمارة: 38 رقم: 04 باب الزوار، أستند في مسيرتي إلى خلفية تقنية واحترافية متينة، فأنا حائزة على عدة دبلومات من قطاع التكوين المهني صقلت مهاراتي التسييرية والريادية، بالإضافة إلى نيل شهادة الكفاءة المهنية والبيداغوجية لتعليم السياقة (CAPP)، مع خبرة ميدانية في القيادة الفعلية تتجاوز الـ 10 سنوات.

وكيف توفقين بين حياتك الأسرية وشغفك الريادي؟
بصفتي امرأة عاصرت نفس التحديات والمخاوف التي تواجهها الفتيات في الشارع الجزائري، قررت تحويل هذه التجربة إلى مشروع واقعي. ولم يكن هذا ليتجسد لولا الدعم المطلق والمساندة الكبيرة من زوجي، الذي كان سنداً حقيقياً لي في التوفيق بين مسؤوليات الأمومة والالتزامات العائلية من جهة، وبين تحقيق هذا الطموح المهني من جهة أخرى. هذا الاستقرار أثمر مشروعاً ريادياً لم يأتِ وليد الصدفة، بل استغرق قرابة السنة من التحضير المعمق ، حيث مرّ بكل الخطوات اللازمة، بدءاً من إعداد دراسة جدوى اقتصادية شاملة إلى التحليل الدقيق لاحتياجات السوق قبل الانطلاق الميداني الفعلي، نجحت خلاله في مرافقة مئات النساء وتغيير نظرتهن تماماً لعالم السياقة.

كيف جاءت فكرة إنشاء فضاء “AMN Gaming Lounge” المخصص لتدريب النساء والفتيات على السياقة بالمحاكاة؟
الفكرة انطلقت من تشخيص واقعي وملموس لمعاناة قطاع عريض من النساء في المجتمع الجزائري. نلاحظ سنوياً أن آلاف الفتيات والسيدات يجتزن امتحانات السياقة بنجاح ويحصلن على الرخص، لكنها تظل حبيسة الأدراج بسبب “فوبيا الشارع”، التردد، وقلق مواجهة الكثافة المرورية أو نظرات الانتقاد.
وفي المقابل، رصدنا أن تكنولوجيا المحاكاة وألعاب القيادة المتطورة (Sim Racing) تشهد طفرة كبيرة في الجزائر، لكنها تظل حكراً على الشباب والرجال في المقاهي والفضاءات الذكورية. من هنا، ولدت فكرة الدمج بإنشاء أول فضاء نسوي مغلق وآمن بنسبة 100%، يمنح المرأة الخصوصية التامة لكسر تلك الحواجز النفسية، واستغلال التكنولوجيا الرقمية كجسر مرن للتدريب وتطوير مهارات القيادة الحقيقية.

ما الهدف الأساسي من هذه المبادرة؟
الهدف الأسمى يتجاوز حدود الترفيه؛ نحن نسعى إلى التمكين، والتأهيل النفسي والحركي للمرأة الجزائرية لتصبح سائقة مستقلة، واثقة، وقادرة على قيادة سيارتها لقضاء شؤون عائلتها وعملها بكل حرية وأمان.
لتحقيق ذلك، نحن نركز بشكل أساسي على التنسيق التطبيقي والتحكم في أجهزة القيادة، حيث نتيح للمتدربة فرصة التفاعل المكثف مع المقود، الدواسات الثلاث، وعلبتي السرعات اليدوية والآلية (الأوتوماتيك). هذا التدريب التكراري يهدف بالدرجة الأولى إلى بناء “الذاكرة العضلية” وتطوير ردود الأفعال التلقائية، مما يساهم في تفكيك العقد المرورية الشائعة، مثل الإنطلاق في المرتفعات (الديماراج أون كوت)، لنقل السيدة من مقعد التردد إلى مقعد الجرأة خلف مقود سيارتها الحقيقية.

إلى أي مدى يمكن أن تساهم أجهزة محاكاة السياقة في كسر حاجز الخوف لدى النساء المبتدئات وتعزيز ثقتهن بأنفسهن قبل الخروج إلى الطريق الحقيقي؟
المساهمة حاسمة وعميقة جداً، وتجربتنا الميدانية التي بنيت على أسس علمية ودراسة جدوى مسبقة أكدت لنا ذلك بالأرقام والوقائع. من خلال التركيز على التكرار التطبيقي والتعامل المباشر مع أجهزة التوجيه والقيادة في بيئة افتراضية، يتخلص العقل تماماً من الضغط النفسي (الستريس) وتتشكل لدى المتدربة ذاكرة عضلية قوية تتيح لها القيادة دون تفكير معقد أو قلق.
لقد استقبلنا مئات النساء والفتيات اللواتي جئن إلينا وهن يعانين من فوبيا حقيقية تعيق حركتهن، وبفضل هذا التدريب الحركي الموجه، شهدنا نتائج مبهرة وتحولات جذرية؛ حيث اكتسبن ثقة فولاذية جعلت الكثير منهن يخرجن بسياراتهن إلى الشوارع المزدحمة مباشرة بعد انتهاء دورتهن التدريبية لدينا. والسر يكمن في أن أجسادهن وعضلاتهن استوعبت آليات القيادة وتآلفت معها مسبقاً في بيئة منعدمة المخاطر.

في ظل الارتفاع المستمر لأسعار قطع الغيار وتكاليف إصلاح السيارات في الجزائر، كيف تتيح هذه التقنية للمتدربات فرصة ارتكاب الأخطاء والتعلم منها دون تكبد خسائر مادية؟
هذه النقطة تمثل القيمة الاقتصادية الأبرز لفضاء “AMN”، وهي أحد الأسرار الأساسية وراء الإقبال الكبير لزبوناتنا وعائلاتهن. في ظل الالتهاب الحالي لأسعار قطع الغيار في سوق السيارات الجزائري، فإن أي خطأ تقديري أو حركي غير مقصود من سائقة مبتدئة (مثل الضغط الخاطئ على الدواسات، إتلاف ناقل الحركة، أو الاحتكاك بالرصيف) قد يكلف ميزانية العائلة عشرات الآلاف من الدينار الجزائري. هنا في الفضاء، نحن نمنح المرأة “حق الخطأ التجريبي المجاني”. يمكن للمتدربة أن تخطئ، وتطفئ المحرك في وسط زحام افتراضي، أو تصطدم برصيف، ثم تعيد المحاولة وتتعلم من خطئها بضغطة زر واحدة دون تكبد أي خسائر مالية، مما يرفع تماماً عبئ القلق المالي والاضطراب النفسي عن كاهلها.

ما مدى واقعية تجربة السياقة التي يوفرها الفضاء؟ هل تساعد الشاشات البانورامية والمقود المتطور على اكتساب مهارات التحكم في السيارة وتقدير المسافات وتفادي الحوادث؟
التجربة واقعية ومحترفة إلى أبعد الحدود، لأننا استثمرنا في أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الرقمية المطبقة في مجال المحاكاة. نحن لا نعتمد على برمجيات أو ألعاب فيديو بسيطة، بل على أنظمة محاكاة قيادة مجهزة بمقود ذكي يوفر خاصية الاستجابة الحركية (Force Feedback)، مما يجعل المتدربة تشعر بمقاومة المقود وثقله واهتزازات الطريق تماماً كما في الشارع الحقيقي، إلى جانب وجود دواسات دقيقة ونظام تغيير سرعات حقيقي يساعد على شحن الذاكرة العضلية بكفاءة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الشاشات البانورامية توفر زاوية رؤية واسعة تحاكي الزجاج الأمامي والنوافذ الجانبية، مما سمح لمتدرباتنا بتدريب أعينهن عملياً على استخدام المرايا الثلاث، تقدير المسافات بين المركبات، وتوقع المفاجآت لتفادي الحوادث في الشارع الحقيقي بدقة مذهلة.

هل يمكن أن يشكل التدريب بالمحاكاة حلاً مكملاً لمدارس تعليم السياقة التقليدية؟
نعم، وبشكل تكاملي وثيق أثبتته لنا التجربة الميدانية وخلفيتي المهنية كحاصلة على شهادة الـ CAPP وسائقة في الميدان لأكثر من 10 سنوات. أؤكد دائماً أننا لسنا بدلاء لمدارس السياقة التقليدية ولا ننافسها، بل نحن حلقة الوصل المفقودة التي تكمل دورها.
المدارس التقليدية تركز على الجانب القانوني، قواعد المرور، واجتياز الامتحان لنيل الرخصة. لكن فضاءنا يأتي كمرحلة متقدمة تركز كلياً على التطبيق المكثف وتطوير الذاكرة العضلية والمهارات النفسية بعد نيل الرخصة، وهي المرحلة التي تبدأ فيها العقدة الحقيقية ومواجهة الشارع. نحن نلعب دور “المختبر التطبيقي المكثف” الذي يصقل المهارات ويمنح الجرأة، وهو ما يدعم السائقة ويمنحها الكفاءة والجاهزية للاندماج في حركة المرور الحقيقية بأمان واحترافية.

ما أبرز التحديات التي تواجهكم في نشر ثقافة السياقة الآمنة لدى النساء والفتيات في الجزائر؟
أبرز التحديات في البداية تمثلت في مواجهة الأحكام النمطية المسبقة، حيث كان البعض يعتقد أن الفكرة تقتصر على “التسلية”، ولم يستوعبوا فوراً العمق التدريبي والعملي للمشروع. لكننا استطعنا بذكاء استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الوعي، وعرض فيديوهات توضح كيف تتعلم النساء التحكم في المقود والدواسات وسلاسة نقل السرعات، ومشاركة قصص نجاح حية لزبوناتنا. هذا التواجد الرقمي القوي غير العقليات تماماً، وحوّل التحدي إلى نجاح باهر وجعل الفضاء يحظى باحترام وثقة العائلات الجزائرية.

وما خططكم المستقبلية لتطوير هذه التجربة وتشجيع المزيد من النساء على الاستفادة منها؟
أما عن الخطط المستقبلية، طموحي هو توسيع الفضاء وتحديث الأنظمة لإدراج مسارات ومخططات طرقات جزائرية محلية تحاكي شوارع العاصمة ومحاورها بدقة 100% داخل المحاكي. كما نتطلع مستقبلاً – بحول الله – إلى نقل هذه التجربة الناجحة لولايات جزائرية أخرى لتستفيد كل امرأة ورّبة بيت وطالبة في ربوع الوطن من هذه الطفرة التكنولوجية، مساهمةً منا في نشر ثقافة القيادة الآمنة والمسؤولة بلا خوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *