رهانات الدبلوماسية الجزائرية في ظل حالة عدم الإستقرار التي يعانيها النظام الدولي

 

لا يساوره الشك من يستحضر مواقف الدبلوماسية الجزائرية وحضورها القوي ضمن النسق ‏الدولي، بعد الرقم الصعب الذي حققته مؤخرا على مستوى نضالها للحفاظ على الإستقرار الإقليمي ‏والدولي، داخل أروقة مجلس الأمن خاصة بصفتها عضواً غير دائمٍ فيه، أو بصفتها عضواً دائما في ‏منظمة الأمم المتحدة، ناهيك عن عضويتها في العديد من التنظيمات الدولية والإقليمية، إذ أضحت ‏الإطار العربي والإسلامي الوحيد “تقريبا” الذي يعمل على الموازنة بين مصالح المجتمع الدولي، دون ‏المساس بالحقوق الأساسية المنبثقة من المواثيق الدولية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أو العهد ‏الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أو العهد الدولي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، أو ‏حتى من خلال العمل المتواصل ضمن إطار المواثيق الإقليمية، كجامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر ‏الإسلامي أو الإتحاد الإفريقي…ونقول تقريبا لأنه من خلال تحليلٍ موجز لمواقف الدبلوماسية الجزائرية ‏قبل وبعد الإستقلال، نجد أنها لم تبنى ولا تبنى حاليا على خصخصة المصالح التي يعود أثرها على ‏طرف دون الآخر، بل هي دبلوماسية المبادئ والمواقف، بغض النظر عن نوعية وحجم المكاسب أو ‏المخاطر التي تنجر عن ذلك، وفي القضية الفلسطينية والصحراوية…أمثلة عدة في ثبات مواقفها.‏

ولا شك أن ما يعانيه النظام الدولي من حالة عدم الاستقرار يزيد من حجم المسؤولية على ‏عاتق الدبلوماسية الجزائرية، خاصة في ظل تنافس القوى الإقليمية والدولية على الريادة، الذي سيكون ‏له إنعكاسات عدة على شكل وبيئة النظام الدولي بالمنحى السلبي، ونقول بالمنحى السلبي في ظل ‏إنعدام المسؤولية الدولية، وهرولة القوى نحو التسابق في دعم أطراف دون الأخرى، على حساب ‏المبادئ التي تأسس عليها الإطار الدولي العام الذي يحكم العلاقات بين الدول، المتمثل في منظمة ‏الأمم المتحدة، أين أصبحت هذه المؤسسة الدولية اليوم، تتشابه تقريبا مع “عصبة الأمم” بعد الحرب ‏العالمية الأولى، في ضعف قدرات تأثيرها في ضبط النظام الدولي والعلاقات بين الدول، وإنجر العالم ‏نحو حرب عالمية ثانية إنتهت بمأساة إنسانية سنة 1945، وقد لا يكون المجتمع الدولي وإطاره الذي ‏يتحرك فيه، المتمثل في “منظمة الأمم المتحدة” حاليا، بعيداً عن نفس المأساة إذا لم يتحمل مسؤولياته ‏كاملةً خاصة بالنسبة لقضايا حق الشعوب في تقرير مصيرها. ‏

تقف الدبلوماسية الجزائرية اليوم في نقطة إرتكاز مهمة بالنسبة للقضايا الدولية، وهو بدوره ‏يطرح عدة رهانات تستوجب تذليلها لتحقيق غايتين أساسيتين:‏

الأولى: مواصلة الدبلوماسية الجزائرية نهجها القاضي بإلزامية تحمل المجتمع الدولي مسؤوليته، وعدم ‏الإندفاع بسلوكات قد تزعزع إستقرار النظام العالمي، مع الأخذ بعين الإعتبار حقوق الإنسان ‏كمرتكز تستند عليه في هذا الطرح، وتحاول إقناع المجتمع الدولي بضرورة إحترامه.‏

الثانية: سعي الدبلوماسية الجزائرية للتموقع دوليا وتحقيقها لأهدافٍ معتبرة في الحفاظ على الأمن، ‏ومنه جعل الجزائر رقماً صعباً في العلاقات الدولية، ما ينعكس إيجاباً أيضا على الصعيد الداخلي ‏للدولة الجزائرية إذا ما نظرنا إلى الشق الاقتصادي للدبلوماسية.‏

يمكن ضبط رهانات الدبلوماسية الجزائرية ضمن مستويين، مع أخذ أمثلة عن كل واحدة:‏

‏1- الرهانات على المستوى الدولي: فالتنافس بين معسكر (روسيا-الصين وحلفائهما) مع المعسكر ‏الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة، في ميادين جغرافية عدة كأوكرانيا أو تايوان…يضع الدبلوماسية ‏الجزائرية في موقف حرج حقيقة، بعد مطالبة العديد من الأطراف للجزائر بضرورة إتخاذ موقف واضح ‏من هذا التنافس، خاصة في ظل قربها من معسكر (روسيا-الصين) بعد التحالفات الأخيرة ‏الإستراتيجية معهما، على الأصعدة العسكرية والإقتصادية، وهنا قد تجد الدبلوماسية الجزائرية ملاذاً ‏لبعدها عن هذا التنافس، المتمثل في حركة عدم الإنحياز، الشيء الذي فعلته عند مشاركتها في مؤتمر ‏باندونغ سنة 1955، أثناء بلوغ الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي مرحلة حرجة، عند ‏مساهمتها في تأسيس هذه الحركة ودعوة 29 دولة من دول العالم في محاولة للتموقع خارج حسابات ‏هذا التنافس.‏

‏2- الرهانات على المستوى الإقليمي: التي يكون لها وقع أكثر تأثيراً على الجزائر، فبعد أن تعددت ‏بؤر التوتر كثيرا في الفترة الأخيرة على الصعيد الإفريقي والعربي، وهنا نستحضر العديد من الإنقلابات ‏العسكرية في دول كلها ذات حدود جغرافية مع الجزائر تقريبا، ناهيك عن حالة الخمول التي أصبحت ‏تعانيها قضية الصحراء الغربية والقضية الفلسطينية في ظل ضمور موقف ثابت للمجتمع الدولي إزاء ‏القضيتين، هذا يزيد من حجم الصعوبات التي تعترض الدبلوماسية الجزائرية ويزيد من حجم ‏مسؤولياتها أيضا، كون أن الجزائر عضوٌ في المجتمع الدولي، وما يحدث من قريب أو من بعيد يؤثر على ‏مكانتها السياسية والإقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر.‏

ولا تقف الجزائر بمعزل عن الحسابات الموضوعة لخريطة الشرق الأوسط، الذي أصبح منطقة ‏توتر تهدد الاستقرار العالمي وتبشر ببوادر حرب إقليمية شاملة، خاصة بعد العدوان الصهيوني الأخير ‏على قطاع غزة، أين توسعت رقعة الحرب تدريجيا لتشمل حتى خليج عدن والبحر الأحمر، في ظل ‏عجز المجموعة الدولية عن ضبط هذا الصراع. لذلك فتجاوز هذه الرهانات ووصول الدبلوماسية ‏الجزائرية لأهدافها يتربط بعدة مكونات يمكن وصفهما في هذه الحالة:‏

المكون الأول: تقوية الجبهة الداخلية للجزائر في الميادين السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ‏إذ تعتبر الجبهة الداخلية جدار الصد الأول للحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنه تجد السياسة ‏الخارجية للجزائر نفسها في أريحية عند تعاملها مع القضايا التي تدافع عنها، ما يحقق إستقلالية نوعية ‏في مواقفها، وقوة الجبهة الداخلية نلاحظه من خلال العديد من المؤشرات، كنضج العملية السياسية ‏أو قوة إقتصاد الدولة أو وعي المجتمع الجزائري بالمؤامرات المحيطة به وبثوابته وقيمه، ولا يمكن المرور إلى ‏المكون الثاني دون هذا المكون في الحقيقة.‏

المكون الثاني: ضرورة مواصلة الدبلوماسية الجزائرية تفعيل كل موقف لها من الصراع بين القوى ‏الدولية ضمن إطار حركة عدم الإنحياز، وتوظيف ورقة الدبلوماسية الاقتصادية نظراً لصبغة القوة ‏الناعمة التي تحتويها، بشحذ القدرات الإقتصادية للجزائر في إستقطاب الدول ذات التأثير على ‏قرارات المجتمع الدولي، ومحاولة تغيير موقفها السياسي على الصعيد الإقليمي خاصة والدولي عامة.‏

المكون الثالث: الدعوة لإصلاح نظام التصويت في المنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها منظمة ‏الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، خاصة من ناحية قدرات تأثيرها على قرارات ‏مجلس الأمن ونظام التصويت فيه، فحق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية داخل ‏مجلس الأمن، يحتاج إلى إعادة النظر، أين تحول إلى حاجزٍ يحول دون تمرير مشاريع قرارات إنسانية ‏عديدة إرتبطت بالقضية الفلسطينية مؤخراً، فالعديد من محاولات الدبلوماسية الجزائرية دفع مجلس ‏الأمن إلى تبني مشروع وقف نهائي ودائم لإطلاق النار وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، إصطدمت ‏بحق النقض الذي وضفته الولايات المتحدة للدفاع عن ما يرتكبه الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، ‏ونظام التصويت هذا في الحقيقة أثر بشكل كبير على مصداقية وشرعية منظمة الأمم المتحدة عامة، ‏وعلى أهداف الدبلوماسية الجزائرية بشكل خاص، والدعوة إلى إصلاحه أصبح شيئاً ملحاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *