الخبير في القانون الدستوري موسى بودهان “لأصوات”: “التبليغ عن الجرائم واجب دستوري وقانوني وأخلاقي”
“حماية المبلغين عن المخدرات شرط لتعزيز المواطنة”
“الأسرة تتحمل مسؤولية أساسية في الوقاية من المخدرات”
“مكافحة المخدرات مسؤولية جماعية والتبليغ وحده ليس حلاً سحرياً”
“المخدرات جريمة عابرة للحدود والتعاون الدولي أصبح ضرورة”
قال الخبير في القانون الدستوري موسى بودهان إن التبليغ عن الجرائم، بما فيها جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد خيار أو وسيلة إضافية لمواجهة الجريمة، وإنما هو واجب دستوري وقانوني وأخلاقي وقيمي ومواطني، وأكد في حوار أجرته معه جريدة “أصوات” أن حماية المجتمع من هذه الآفة تستوجب تكاتف جهود الدولة والمواطنين والأسرة والمؤسسات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والأئمة ومختلف الهيئات المعنية، وأوضح أن المنظومة القانونية الجزائرية تتضمن نصوصاً تفرض على المواطن أداء واجباته تجاه المجتمع والدولة، كما تتضمن أحكاماً لحماية المبلغين، غير أنه يرى أن هذه الحماية تحتاج إلى مزيد من التعزيز حتى لا يتحول المبلغ من شخص ساهم في كشف الجريمة إلى ضحية أو متهم، وأضاف أن التبليغ لا يمكن أن يكون حلاً سحرياً بمفرده، بل يجب أن يندرج ضمن استراتيجية شاملة تجمع بين الوقاية والعلاج والردع، إلى جانب التحريات الخاصة والتعاون الدولي وتفعيل دور المجتمع المدني والأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام.
حاورته: رحمة حيقون
بداية كيف تنظرون إلى مسألة التبليغ عن الجرائم، خصوصاً جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية؟
التبليغ عن الجرائم، وليس فقط جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، هو واجب دستوري وقانوني وأخلاقي وقيمي، بل هو كذلك واجب مواطني. نحن نتحدث عن مسألة لا ينبغي التعامل معها على أنها مجرد خيار شخصي أو مبادرة فردية، لأن المواطن عندما يرى جريمة ترتكب أمامه، أو يعلم بوجود جريمة، فإنه لا يمكنه أن يتعامل معها بمنطق اللامبالاة أو أن يقول إن الأمر لا يعنيه.
هناك منظومات قانونية، ومن بينها قانون العقوبات، تفرض جزاءات على بعض الحالات التي يمتنع فيها الشخص عن التبليغ عن جرائم يعلم بها أو يشاهدها وفق الشروط التي يحددها القانون. وبالتالي فإن المسألة ليست مجرد دعوة أخلاقية، وإنما لها أيضاً أساس قانوني.
ونحن اليوم نريد أن نحد من خطورة جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، ومن الجرائم المرتبطة بها، بأي وسيلة قانونية ومشروعة، لأن آثار هذه الجرائم لا تتوقف عند الشخص الذي يستهلك المخدرات أو يتاجر بها، وإنما تمتد إلى الأسرة والمجتمع والأمن والاقتصاد والصحة العامة.
هل يمكن ربط التبليغ بمفهوم المواطنة؟
بالتأكيد. المواطنة الحقيقية تقتضي أن يشعر الفرد بأنه شريك في حماية مجتمعه، وليس مجرد شخص ينتظر من الدولة أن تقوم بكل شيء. المواطن له حقوق، لكن عليه أيضاً واجبات، ومن بينها المساهمة في حماية المجتمع والتبليغ عن الجرائم والمخاطر التي تهدده.
ولا يمكن أن نقول إننا مواطنون ونشاهد مظاهر الإجرام أمامنا ثم نلتزم الصمت. ومن المنظور الديني كذلك، هناك مبدأ واضح يتعلق بمواجهة المنكر بحسب الاستطاعة، وهذا ينسجم مع فكرة المسؤولية الفردية والجماعية تجاه المجتمع.
ولا أعتقد أن هناك منكراً أخطر من جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية، ولا من الجرائم التي ترتكبها بعض العصابات، بما فيها عصابات الأحياء، أو الجرائم المرتبطة بتبييض الأموال والفساد وغيرها من الممارسات التي تهدد استقرار المجتمع.
هل يمكن للدولة وحدها أن تواجه هذه الظاهرة؟
لا، إطلاقاً. هذه مسؤولية جماعية. يجب أن يكون هناك تنسيق وتعاون بين الحكومة والأفراد والمؤسسات والهيئات والمنظمات والجمعيات والمواطنين ووسائل الإعلام والأئمة والجمعيات المسجدية والأسرة والمدرسة ومختلف مكونات المجتمع.وأريد أن أركز هنا على الأسرة، لأنها تتحمل مسؤولية كبيرة جداً. عندما تتراجع الرقابة الأسرية، ويترك الأبناء دون متابعة أو توجيه، فإننا نفتح المجال أمام مختلف الآفات الاجتماعية.
لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الظواهر بمنطق “المهم أن النار لا تصل إلى داري”، أو “المهم أن المشكلة لا تمس عائلتي”. هذا التفكير خاطئ، لأن الجريمة إذا انتشرت في المجتمع فإنها في النهاية ستصل إلى الجميع.
علينا أن ننتقل من منطق اللامبالاة إلى منطق المسؤولية، وأن يدرك كل فرد أن حماية المجتمع تبدأ منه أيضاً.
في المقابل، هناك تخوف لدى البعض من التبليغ، خصوصاً من احتمال تعرض المبلغ للانتقام، فما رأيكم؟
هذه نقطة مهمة جداً. نعم، المبلغون يجب أن يتمتعوا بالحماية، ويجب أن نعمل على سن وتعزيز قوانين توفر لهم حماية أكبر. توجد بالفعل نصوص قانونية تحمي المبلغين، ومن بينها أحكام مرتبطة بالوقاية من الفساد ومكافحته، إلى جانب نصوص أخرى في المنظومة القانونية، لكن السؤال هو: هل هذه الحماية كافية؟ في رأيي، ما زال هناك مجال لتعزيزها، لأن تخوف بعض المواطنين من أن يتحولوا من ضحايا أو شهود أو مبلغين إلى متهمين قد يدفعهم إلى الصمت.وعندما يشعر المواطن بأن التبليغ قد يعرضه للخطر، فإن ذلك سيؤثر سلباً على ثقافة التبليغ. لذلك يجب أن تكون هناك ضمانات واضحة وفعالة تحفظ حقوق المبلغين وتوفر لهم الحماية القانونية اللازمة.
هناك حديث عن مكافآت مالية للمبلغين عن جرائم المخدرات، هل تعتبرون ذلك وسيلة فعالة للتشجيع على التبليغ؟
يجب أن نكون دقيقين في هذه المسألة. لدينا في الشريعة الإسلامية وفي الدستور وفي القوانين ما يكفي من المبادئ لتأكيد أهمية التبليغ، لكنني أعتقد أن التبليغ ينبغي أن يؤديه المواطن أولاً باعتباره واجباً دستورياً وقانونياً وأخلاقياً وقيمياً ومواطنيّاً، وليس فقط لأنه ينتظر مقابلاً مالياً.
لقد سجلنا بعض الملاحظات بكل موضوعية حول مسألة ربط التبليغ بالمكافآت المالية، لأننا لا نريد أن تتحول ثقافة التبليغ إلى مجرد بحث عن مكافأة.المواطن يجب أن يبلغ لأنه يدرك أن ما يقوم به يخدم أسرته ومجتمعه ووطنه، ويحمي الأمن العام، وليس فقط لأنه سيحصل على مبلغ مالي.
وكيف تقيمون تعدد النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بمواجهة المخدرات والمؤثرات العقلية؟
لدينا منظومة قانونية واسعة ومتعددة، تشمل قانون الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية ومكافحتها، وقانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجزائية، وقوانين مكافحة التهريب وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب وغيرها.المهم في كل ذلك هو تحقيق الانسجام بين النصوص القانونية والتنظيمية، فلا يمكن أن تكون هناك تناقضات أو أحكام تتعارض فيما بينها. يجب أن تكون المنظومة متكاملة، بحيث يعزز كل نص النصوص الأخرى، ويكون المواطن والسلطات المختصة أمام قواعد واضحة.
وقد أقر المشرع الجزائري تعديلات مهمة في مجال مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، سواء من خلال تشديد العقوبات أو تعزيز آليات التحري والتحقيق أو توسيع بعض الصلاحيات الممنوحة للجهات المختصة.
ماذا عن تشديد العقوبات في التعديلات الأخيرة؟
المشرع ذهب بالفعل إلى تشديد العقوبات بالنسبة إلى بعض الجرائم الخطيرة المرتبطة بالمخدرات والمؤثرات العقلية، ووصل التشديد في بعض الحالات إلى عقوبات ثقيلة جداً، بما فيها السجن المؤبد، بل وعقوبات أشد في الحالات التي يحددها القانون.وهنا يجب أن ننتبه إلى بعض الظروف المشددة، خصوصاً عندما تستهدف الجريمة القصر أو الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أو الفئات الهشة، أو عندما تكون لها علاقة مباشرة بالأمن القومي.هذا التشديد يعكس إدراك المشرع لخطورة الظاهرة، خصوصاً أن المخدرات لم تعد مجرد جريمة فردية، وإنما أصبحت في بعض الحالات مرتبطة بشبكات منظمة وعابرة للحدود، ويمكن أن تمس الأمن المجتمعي والقومي.
هل يكفي تشديد العقوبات للحد من انتشار المخدرات؟
لا وهنا أعود إلى نقطة مهمة جداً: التبليغ ليس حلاً سحرياً، وتشديد العقوبات وحده ليس حلاً سحرياً أيضاً. نحن أمام ظاهرة معقدة تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على ثلاث آليات أساسية: الوقاية، والعلاج، والردع أو العقاب.
الوقاية يجب أن تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والمجتمع المدني، والعلاج يجب أن يرافق الأشخاص الذين وقعوا في الإدمان حتى يتمكنوا من العودة إلى المجتمع، أما الردع فهو ضروري في مواجهة المروجين والمتاجرين والشبكات الإجرامية.
إذا ركزنا على العقاب فقط دون الوقاية والعلاج، فلن نعالج جذور المشكلة.
ماذا عن آليات التحري والتحقيق في جرائم المخدرات؟
هناك آليات خاصة للتحري والتحقيق يمكن أن تستخدمها مصالح الشرطة القضائية بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، ومنها بعض أساليب المراقبة والاستماع إلى الاتصالات وفق الضوابط والتراخيص التي يفرضها القانون، كما توجد آلية التسرب، التي تسمح لضابط أو عون من الشرطة القضائية، وفق الشروط القانونية، بالتغلغل داخل محيط إجرامي لكشف المعلومات والوصول إلى عناصر الشبكات الإجرامية.
لكنني أشدد على نقطة أساسية: هذه الإجراءات يجب أن تتم دائماً في إطار القانون، وبإذن الجهات القضائية المختصة، لأن مكافحة الجريمة لا تعني تجاوز القانون، بل يجب أن تكون مكافحة الجريمة نفسها محكومة بالقانون.
وما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات غير الأمنية؟
المجتمع المدني يجب أن تكون له مشاركة قوية في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية. نحن لا نستطيع أن نضع استراتيجية ثم نترك تنفيذها لمؤسسة واحدة.هناك مؤسسات حكومية، ومصالح أمنية، وقطاعات الصحة والعدل والداخلية والجمارك وغيرها، وهناك أيضاً المجتمع المدني والأسرة والمدرسة والإعلام والمسجد.
كل هؤلاء يجب أن يعملوا ضمن رؤية مشتركة، لأن الظاهرة متعددة الأبعاد، وبالتالي فإن مواجهتها يجب أن تكون متعددة الأبعاد أيضاً.
إلى أي مدى أصبح التعاون الدولي ضرورياً في مكافحة المخدرات؟
التعاون الدولي أصبح ضرورياً جداً، لأن جرائم المخدرات لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة. نحن أمام شبكات يمكن أن تمتد عبر دول وقارات، وبالتالي لا يمكن تفكيكها بجهود وطنية فقط، يجب أن تكون هناك آليات للتعاون وتبادل المعلومات والتنسيق بين مختلف الأجهزة والجهات المختصة، لأن الشبكات الإجرامية تستفيد من التطور التكنولوجي والاتصالات الحديثة، وبالتالي يجب أن تتطور أدوات مواجهتها أيضاً.
وماذا عن الجانب الصحي في مواجهة هذه الظاهرة؟
موسى بودهان: قطاع الصحة طرف أساسي في منظومة الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية. وهناك ضرورة لتفعيل الآليات المتعلقة بالفهرس الطبي الوطني، بما يسمح بمتابعة الوصفات الطبية والأدوية ذات الصلة، وفق ما يسمح به القانون ويحمي المعطيات والحقوق.
كما يجب أن يكون هناك تنسيق بين قطاع الصحة والمصالح المختصة، بما فيها الأمن والجمارك والدرك والجهات القضائية، لأن الوقاية الصحية جزء لا يتجزأ من مكافحة الظاهرة.
كما أن العلاج يجب ألا يكون أقل أهمية من الردع، لأن المدمن يحتاج إلى التكفل الصحي والنفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج.
هل توجد عوامل اجتماعية يجب أخذها بعين الاعتبار؟
بالتأكيد. مكافحة المخدرات ليست أمنية وقانونية فقط، بل لها علاقة أيضاً بالسياسات الاجتماعية والاقتصادية، يجب الحد من البطالة وتوفير فرص العمل للشباب، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، ومراقبة الاستعمالات الخطيرة لوسائل التواصل الاجتماعي، كما أن شبكات الإجرام أصبحت تستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في بعض أنشطتها، وبالتالي يجب أن نكون واعين بأن الجريمة تتطور، وأدوات مكافحتها يجب أن تتطور معها.
ماذا تقولون للمواطن بخصوص التبليغ؟
أقول للمواطن إن التبليغ ليس عملاً ثانوياً، وإنما هو جزء من المواطنة والمسؤولية الجماعية. عندما يبلغ المواطن عن جريمة، فإنه لا يحمي شخصاً واحداً فقط، وإنما يحمي الأسرة والحي والمجتمع والدولة، لكن يجب أن نؤكد مرة أخرى أن التبليغ ليس الآلية الوحيدة. يجب أن نفعّل كل الآليات الأخرى: الوقاية، العلاج، الردع، التحريات، التعاون المؤسساتي والدولي، دور الأسرة، المجتمع المدني، الإعلام، المدرسة والمسجد.ولا ينبغي أن ينبهر البعض بالتبليغ ويعتقد أنه وحده قادر على تفكيك شبكات الاتجار بالمخدرات أو القضاء على عصابات الأحياء. المسألة أكبر من ذلك بكثير.
نحن بحاجة إلى تكاتف جهود الجميع، وإلى تفعيل الآليات القانونية والمؤسساتية والدينية والاجتماعية، وإلى بناء ثقافة المواطنة والمسؤولية. وعندما تتكامل هذه الجهود، يمكن أن نحقق نتائج حقيقية في الحد من جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية وحماية المجتمع.

