ترقية النشر العلمي: دور حملة الدكتوراة في مخابر البحث

بقلم الدكتور صابر نصر الدين عبد السلام

‏أصبح البحث العلمي من المحددات الرئيسية لمكانة الأمم، إذ لا بد من التعريج بحق إلى أن ما ‏وصلت إليه الدول المتقدمة من مكانة إقتصادية، لم تكن لتصل إليها لولا إهتمامها بالبحث العلمي، ‏وهنا الحديث عن الإكتشافات العلمية في ميادين العلوم الاجتماعية والتطبيقية، التي كان منبعها غالبا ‏من الجامعات ومخابر البحث الغربية.‏

وليست الجزائر بمعزل عن هذا التطور الحاصل في بيئتها الخارجية، إذ لابد لها من تطوير ‏ميكانيزمات إستشرافية للتعليم العالي، والإستفادة من كفاءات الطلبة والمتخرجين من شتى ‏التخصصات، وخاصة “حملة الدكتوراة” الذين تسند لهم مهام التأطير والتكوين والنشر العلمي ‏للإرتقاء بالجامعة الجزائرية في مصاف الجامعات المرموقة.‏

عرف قطاع التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرا حركة ملموسة في مجالات عدة، فلا يمكن ‏إنكار القفزة النوعية التي حققها في مجال الرقمنة والبحث، بعد أن إستحوذ العديد من الباحثين ‏الجزائريين على مكانة مرموقة ضمن تصنيف 2‏‎%‎‏ لأكثر الباحثين تأثيرا حول العالم، وهو ما يفرض ‏على الإرادة السياسية تخصيص جهود أكبر وتمويل معتبر للبحث والتطوير، بغية الإستفادة من هذه ‏الكفاءات المحلية التي كونتهم الجامعة الجزائرية بنسبة 100‏‎%‎‏.‏

وبعد أن قلصت الجامعة الجزائرية من إحتياجتها من التأطير بعد عملية التوظيف التي عرفتها ‏سنة 2023، ومع وجود حوالي 1796 مخبر بحث، و48 وحدة بحث، و30 مركز بحث منها 19 ‏مركزاً بحث تابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، و11 مركز بحث تابع لـ11 دائرة وزارية بناء ‏على إحصائيات المديرية العامة للبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، وفي ظل ما يحتاجه البحث ‏والنشر العلمي من إحتياجات للرقي ببعض المجلات العلمية ضمن التصنيفات العالمية، ناهيك عن ‏إحتياجات تأليف الكتب وخدمات النشر والترجمة، ومع حيازة الجامعة الجزائرية لنخب من الدكاترة ‏متخرجين في تخصصات عدة، لا بد من إنتهاج سياسة أخرى نوعية في التوظيف موجهة إلى مخابر ‏البحث، في ميادين العلوم الإجتماعية والتطبيقية لزيادة مرئية المجلات العلمية. ‏

ما يكتسيه النشر العلمي من أهمية بالنسبة للجامعة الجزائرية، يتجلى من خلال تعزيز تصنيفها ‏وتواجدها ضمن المؤشرات العالمية لأكثر الجامعات إنتاجاً علمياً، وهو ما يتطلب موارد بشرية من فئة ‏‏”الدكاترة” في تخصصات العلوم الاجتماعية والتطبيقية، يتولون مهام إدارة مخابر البحث وتسييرها، ‏وبهذا الصدد يمكن للجامعة الجزائرية تحقيق فائدتين:‏

الأولى: كما أشرنا تفيد مخابر البحث في تعزيز تصنيف الجامعات الجزائرية عموما والمجلات العلمية ‏خصوصا -عالميا- من ناحية الإنتاج العلمي.‏

الثانية: تساهم مخابر البحث في حلحلة الإشكالات المطروحة في قطاعات حكومية عدة، إذا تم ربط ‏مخابر الجامعات بمحيطها السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي. ‏

وفق إحصائيات المنصة الجزائرية للمجلات العلمية، تتوفر قاعدة بياناتها ‏ASJP‏ على 878 ‏مجلة علمية، منها ما هو مصنف في (ج/‏c‏) أو غير مصنفة (‏NC‏)، منها كذلك عدد قليل من ‏المجلات العلمية تقع ضمن تصنيف (ب/‏B‏) غالبيتها في ميادين العلوم الاجتماعية، وتنعدم تماما ‏المجلات من تصنيفات (أ/‏A‏) و(أ+/‏A‏+)، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول دور مخابر البحث في ‏ترقية تصنيف هذه المجلات، والأجدر من ذلك، التساؤل المطروح عن أهمية الموارد البشرية في هذه ‏المخابر خاصة من فئة “الدكاترة”.‏

وبالتالي فإن تجسيد هكذا مقاربة بالإعتماد على فئة “الدكاترة” يحقق عدة غايات علمية -‏كما أشرنا- وغايات إجتماعية. بالنسبة للغايات الاجتماعية فإن توظيف حملة الدكتوراة في مخابر ‏البحث، وإضافة لما سيحققه من نتائج على مستوى رفع مرئية المجلات العلمية وتصنيفها، يساهم ‏كذلك في تجسيد سياسات الدولة في القضاء على البطالة لدى فئة حاملي هذه الشهادات، وهو ما ‏يجسد الإلتزامات الإنتخابية الملقاة في إنتخابات 07 سبتمبر 2024، والقاضية بتوفير مناصب شغل ‏والقضاء على البطالة تدريجيا.‏

نضيف كذلك فكرة مهمة، هي أن قوة الجامعة ومكانتها في التصنيفات العالمية ترتبط بقوة ‏مواردها البشرية خاصة في فئة الإطارات، وتوفير الجو المناسب للعمل والتكوين والتأطير البيداغوجي ‏والنشر العلمي، ينتج جامعة عصرية بكل المقاييس.‏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *