استقرار الأسعار وتوفير المستلزمات شرط أساسي لدخول مدرسي في ظروف مناسبة
مع اقتراب موعد الدخول الاجتماعي 2026-2027، تتجه أنظار الأسر الجزائرية إلى الأسواق والفضاءات التجارية، في ظل تزايد الاحتياجات المرتبطة بالدخول المدرسي ، وما يرافقها من نفقات إضافية تشمل الأدوات والكتب والملابس والمستلزمات المختلفة. وفي المقابل، تبرز أهمية ضمان وفرة المنتجات واستقرار تموين الأسواق، بما يسمح بتلبية الطلب المتزايد دون أن تتحول هذه الفترة إلى ضغط إضافي على ميزانيات الأسر.
ولا تقتصر رهانات الدخول الاجتماعي على الجانب التربوي فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي والاجتماعي، بالنظر إلى حجم الحركة التي تشهدها الأسواق خلال هذه الفترة، وارتفاع الطلب على عدد كبير من السلع والخدمات، بالتزامن مع عودة ملايين التلاميذ والطلبة والمتربصين إلى المؤسسات التعليمية والتكوينية والجامعات عبر مختلف مناطق الوطن.
في هذا الحوار مع جريدة «أصوات»، يتناول الخبير الاقتصادي أحمد طرطار أبرز التحديات المرتبطة بالدخول الاجتماعي الجديد، وأهمية ضمان التموين، ودور تنظيم التجارة الداخلية في ضبط السوق، إلى جانب انعكاس الأسعار على القدرة الشرائية للأسر، وأهمية التدابير الاجتماعية المرافقة، وفي مقدمتها منحة الدخول المدرسي.
حاورته : قرباج وسيلة
•كيف تقرأون التحضيرات الجارية للدخول الاجتماعي 2026-2027 من الناحية الاقتصادية؟
التحضيرات للدخول الاجتماعي تمثل مرحلة مهمة جدًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، لأنها تتزامن مع ارتفاع كبير في الطلب على مجموعة واسعة من السلع والمستلزمات المرتبطة بالدخول المدرسي والجامعي والتكويني.
ونحن نتحدث عن ملايين التلاميذ والطلبة والمتربصين الذين يعودون إلى المؤسسات التعليمية ومراكز التكوين والجامعات، وبالتالي فإن هذه العودة تولد حركة اقتصادية وتجارية واسعة، تشمل الأدوات المدرسية والمكتبية والكتب والملابس والأحذية والمحافظ وغيرها من المستلزمات.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الدخول الاجتماعي لا يرتبط فقط بالتحضيرات داخل المؤسسات التعليمية، وإنما يرتبط أيضًا بمدى جاهزية السوق لتلبية الطلب، وضمان توفر المنتجات بالكميات والنوعيات المطلوبة، وبأسعار تكون في متناول مختلف شرائح المجتمع.
•ما أهمية ضمان تموين الأسواق خلال هذه الفترة التي تعرف ارتفاعًا في الطلب؟
التموين عنصر أساسي في استقرار الأسواق، خصوصًا خلال الفترات التي تعرف ارتفاعًا موسميًا في الطلب. فإذا كان العرض متوفرًا بشكل كافٍ، فإن ذلك يسمح بتلبية احتياجات المواطنين ويقلل من احتمالات حدوث اختلالات في السوق.
الدخول المدرسي والجامعي يعتبر من أبرز هذه الفترات، لأن الأسر تكون مطالبة باقتناء عدد كبير من المنتجات خلال فترة زمنية قصيرة. وبالتالي، فإن ضمان وفرة السلع يساعد على تفادي الندرة التي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
كما أن استدامة التموين تسمح للمستهلك بالاختيار والمقارنة بين المنتجات، وهو أمر مهم جدًا في هذه المرحلة، خاصة أن القدرة الشرائية تختلف من أسرة إلى أخرى.
•هل يمكن أن يؤثر ارتفاع الطلب خلال الدخول الاجتماعي على الأسعار؟
من الطبيعي اقتصاديًا أن يؤدي ارتفاع الطلب إلى خلق ضغط على بعض المنتجات، خصوصًا إذا لم يكن العرض مواكبًا له. ولهذا فإن التحدي الأساسي يكمن في تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
عندما تكون المنتجات متوفرة بكميات كافية، فإن المنافسة بين المتعاملين والتجار يمكن أن تساهم في الحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار. أما عندما يكون هناك نقص أو اختلال في التموين، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام المضاربة أو الزيادات التي تثقل كاهل المستهلك.
ولهذا أؤكد أن استقرار الأسعار يبدأ قبل وصول المواطن إلى السوق، من خلال ضمان سلسلة تموين منتظمة ومراقبة السوق ومتابعة تطورات الطلب.
•ما الدور الذي يمكن أن تلعبه وزارة التجارة الداخلية في هذه المرحلة؟
وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية تضطلع بدور مهم في مرافقة هذه المرحلة، خصوصًا من خلال متابعة وضعية الأسواق وضمان توفر المنتجات الضرورية ومراقبة مدى احترام القواعد التجارية.
كما أن تنظيم التجارة الداخلية لا يعني فقط مراقبة الأسعار، وإنما يشمل أيضًا ضمان وفرة السلع والخدمات، ومتابعة حركة المنتجات، والتدخل عند تسجيل اختلالات في التموين.
وفي حالة الدخول المدرسي، تصبح هذه المهمة أكثر أهمية بسبب خصوصية المنتجات المعنية وحجم الطلب عليها، وبالتالي فإن العمل الاستباقي يسمح بتفادي الكثير من المشاكل قبل حدوثها.
•وماذا عن معارض الدخول المدرسي التي تنظم في عدد من الولايات؟
هذه المعارض يمكن أن تؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا، لأنها تجمع عددًا من المتعاملين والتجار في فضاء واحد، وتتيح للأسر فرصة الاطلاع على منتجات مختلفة ومقارنة الأسعار والنوعية.
كما أن هذه الفضاءات يمكن أن تساعد على تقريب المنتجات من المستهلك، وتوفير بدائل بأسعار تنافسية، خصوصًا عندما تكون هناك عروض تستهدف مباشرة تخفيف أعباء الدخول المدرسي.
لكن الأهم هو أن تكون هذه الأسعار فعلًا في مستوى يسمح للأسرة بتحقيق وفورات حقيقية، لأن الهدف في النهاية ليس تنظيم المعرض فقط، وإنما تحقيق أثر ملموس بالنسبة للمواطن.
•إلى أي مدى أصبحت القدرة الشرائية عاملًا أساسيًا في قرارات الأسر خلال الدخول المدرسي؟
القدرة الشرائية أصبحت عنصرًا محوريًا في سلوك المستهلك، ليس فقط خلال الدخول المدرسي وإنما طوال السنة. غير أن هذه الفترة تفرض على الأسر مصاريف إضافية ومركزة في وقت واحد.
الأسرة مطالبة بشراء عدة مستلزمات في فترة قصيرة، وقد يكون لديها طفل واحد أو أكثر، وبالتالي فإن التكلفة الإجمالية يمكن أن تكون معتبرة.
ولهذا أصبح الولي لا يبحث عن المنتج الأرخص فقط، بل يبحث عن أفضل علاقة ممكنة بين السعر والجودة. فشراء منتج منخفض السعر ولكنه ضعيف الجودة قد يؤدي إلى إعادة اقتنائه خلال السنة، وبالتالي ترتفع التكلفة في النهاية.
•هل يمكن القول إن المعادلة اليوم أصبحت “السعر مقابل الجودة”؟
بالتأكيد. المستهلك أصبح أكثر وعيًا، وأصبح يحاول المقارنة بين مختلف العروض قبل اتخاذ قرار الشراء.
في حالة الأدوات المدرسية مثلًا، هناك منتجات متعددة تختلف من حيث الجودة والحجم والعلامة التجارية، وبالتالي فإن الفوارق في الأسعار قد تكون مبررة في بعض الحالات، لكنها في حالات أخرى تحتاج إلى مراقبة ومقارنة.
لذلك فإن توفير المعلومات للمستهلك مهم جدًا، لأنه يساعده على اتخاذ قرار عقلاني، ويجعله أكثر قدرة على التعامل مع السوق.
•ماذا عن الأسر محدودة الدخل، التي تجد صعوبة أكبر في تحمل تكاليف الدخول المدرسي؟
هذه الفئة تحتاج إلى اهتمام خاص، لأن أي ارتفاع في أسعار المستلزمات ينعكس عليها بشكل أكبر مقارنة بالأسر ذات الدخل المرتفع.
ومن هنا تأتي أهمية التدابير الاجتماعية التي ترافق الدخول المدرسي، لأنها تساعد على تخفيف جزء من الأعباء المالية عن العائلات التي تحتاج إلى الدعم.
ومن المهم أن تكون هذه التدابير موجهة إلى الفئات المستحقة، وأن تصل في الوقت المناسب، حتى يتمكن الأولياء من استخدامها في تغطية جزء من احتياجات أبنائهم.
•في هذا السياق، كيف تقيمون أهمية منحة الدخول المدرسي؟
منحة الدخول المدرسي تمثل إحدى آليات الدعم الاجتماعي الموجهة للأسر المحتاجة، وهي ذات أهمية خاصة لأنها تتزامن مع فترة ترتفع فيها النفقات المرتبطة بالأطفال المتمدرسين.
هذه المنحة تساعد الأولياء على توفير جزء من المستلزمات الضرورية لأبنائهم، وتخفف الضغط عن ميزانية الأسرة، خصوصًا بالنسبة للعائلات التي لديها أكثر من طفل متمدرس.
كما أن لها بعدًا اجتماعيًا مهمًا، لأنها تساهم في تقليص الفوارق بين التلاميذ وتدعم مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث لا تتحول الظروف الاقتصادية للأسرة إلى عائق أمام استفادة الطفل من مستلزمات ضرورية لمساره الدراسي.
•هل يكفي الدعم المالي وحده لتخفيف أعباء الدخول المدرسي؟
الدعم المالي مهم، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد. يجب أن يكون هناك تكامل بين مختلف التدابير.
فعندما يحصل المواطن على دعم مالي، ثم يواجه ارتفاعًا كبيرًا في أسعار المستلزمات، فإن جزءًا من أثر هذا الدعم قد يتراجع. لذلك فإن السياسة الاجتماعية يجب أن ترافقها سياسة فعالة في مجال تنظيم السوق وضمان التموين واستقرار الأسعار.
بمعنى آخر، نحن بحاجة إلى الجمع بين دعم القدرة الشرائية من جهة، وضبط السوق من جهة أخرى. وهذه المعادلة هي التي تسمح بتحقيق أثر أكبر بالنسبة للأسرة.
•ماذا عن الأسر التي لديها ثلاثة أو أربعة أطفال متمدرسين؟
هذه الأسر تواجه تحديًا أكبر، لأن تكلفة الدخول المدرسي تتضاعف مع عدد الأطفال. وقد يبدو الفارق في سعر منتج واحد بسيطًا، لكنه يصبح مبلغًا معتبرًا عندما نضربه في عدد المستلزمات وعدد الأطفال.
لذلك فإن أي إجراءات تسمح بتوفير المنتجات بأسعار تنافسية سيكون لها أثر أكبر على هذه الفئة من الأسر.
وهنا تظهر أهمية المعارض، والمنافسة بين المتعاملين، وتوفير خيارات متعددة أمام المواطن، لأن كل دينار يتم توفيره في منتج معين يمكن أن يوجه إلى احتياج آخر.
•هل ترون أن استقرار الأسعار يجب أن يكون أولوية خلال الدخول الاجتماعي؟
نعم، استقرار الأسعار من أهم الأولويات، لكن يجب أن نوضح أن المقصود ليس تجميد الأسعار بشكل مصطنع، وإنما العمل على تحقيق توازن في السوق من خلال وفرة العرض، ومكافحة المضاربة، وضمان المنافسة، ومراقبة الممارسات التجارية.
السوق المستقرة هي التي يجد فيها المواطن المنتج متوفرًا، ويجد أكثر من خيار أمامه، ويستطيع مقارنة الأسعار والجودة، دون أن تكون هناك زيادات غير مبررة.
•وما هي أهم الرسائل التي يجب توجيهها إلى الأسر خلال هذه الفترة؟
أعتقد أن التخطيط المسبق للشراء مهم جدًا. من الأفضل أن تتجنب الأسرة ترك كل المشتريات إلى الأيام الأخيرة، وأن تقوم بإعداد قائمة واضحة بالأولويات، ثم مقارنة الأسعار بين مختلف نقاط البيع والمعارض.
كما أن التركيز على الجودة أمر ضروري، لأن المنتج الجيد يمكن أن يكون أقل تكلفة على المدى الطويل، حتى لو كان سعره الأولي أعلى قليلًا.
ومن جهة أخرى، يجب الاستفادة من العروض والمعارض المنظمة، لأنها توفر فرصة للمقارنة والاختيار، بدل الشراء بشكل عشوائي.
•في المقابل، ماذا تنتظرون من المتعاملين والتجار؟
المطلوب هو المساهمة في إنجاح الدخول الاجتماعي من خلال ضمان وفرة المنتجات واحترام قواعد المنافسة والأسعار المعلنة، وتقديم منتجات ذات جودة مقبولة.
كما أن التاجر والمتعامل الاقتصادي شريك أساسي في هذه المرحلة، لأن استقرار السوق مسؤولية مشتركة بين مختلف الأطراف.
•في رأيكم، كيف يمكن قياس نجاح التحضيرات للدخول الاجتماعي؟
النجاح لا يقاس فقط بتوفر السلع في الأسواق، وإنما بمجموعة من المؤشرات، أولها وفرة المنتجات، ثم استقرار الأسعار، ثم قدرة المواطن على اقتنائها.
فإذا وجدنا المنتجات متوفرة ولكن المواطن غير قادر على شرائها، فإننا نكون قد عالجنا جانب العرض ولم نعالج جانب القدرة الشرائية.
لذلك فإن نجاح الدخول الاجتماعي يجب أن يقاس من زاويتين متكاملتين: السوق يجب أن تكون ممونة ومستقرة، والأسرة يجب أن تكون قادرة على تلبية احتياجات أبنائها في ظروف مناسبة.
•في كلمة أخيرة، كيف تتوقعون الدخول المدرسي والجامعي 2026-2027؟
التحضيرات الجارية يمكن أن تساهم في ضمان دخول اجتماعي مستقر إذا تواصل التنسيق بين مختلف القطاعات، وتم التركيز على ضمان التموين ومتابعة الأسواق والحفاظ على القدرة الشرائية.الدخول المدرسي والجامعي ليس مجرد موعد في الرزنامة، وإنما محطة اجتماعية واقتصادية مهمة، تتطلب تعبئة مختلف الأطراف. المطلوب هو توفير المستلزمات الضرورية، وضمان وصولها إلى المواطن بأسعار معقولة، ومرافقة الأسر، خصوصًا الفئات محدودة الدخل.وفي النهاية، فإن الهدف يجب أن يكون ضمان دخول مدرسي وجامعي في ظروف مناسبة، بحيث لا تشكل تكاليف المستلزمات عائقًا أمام الأسرة، ولا تتحول القدرة الشرائية إلى عامل يؤثر في تكافؤ الفرص بين الأطفال والطلبة.

