اكد ان المستثمر شريك في صناعة السياحة وليس مجرد مستغل للشاطئ حمور : “تطوير السياحة الساحلية يتطلب تحقيق التوازن بين حق المستثمر في الربح وحق المواطن في الاستفادة”

يرى حمور ماهر الخبير السياحي ورئيس المنظمة الجزائرية للسياحة أن الجزائر بدأت خطواتها الأولى نحو تحويل الشواطئ إلى استثمار سياحي حقيقي، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، في ظل استمرار بعض الاستغلالات الموسمية المحدودة. ويؤكد أن تطوير السياحة الساحلية يتطلب تحقيق التوازن بين حق المستثمر في الربح وحق المواطن في الاستفادة من الشاطئ، إلى جانب تحسين الخدمات، ضبط الأسعار، وتعزيز الرقابة، مع الانتقال من مجرد استغلال المساحات إلى إنشاء وجهات سياحية متكاملة ومستدام

حاورته :نوال الهواري

هل نجحنا فعلاً في تحويل الشواطئ إلى استثمار سياحي؟

أعتقد أننا بدأنا الطريق، لكننا لم نصل بعد إلى الاستثمار السياحي الحقيقي. في كثير من الحالات ما زال الاستغلال يتركز على الكراسي والمظلات وبعض الخدمات البسيطة. الاستثمار الحقيقي يجب أن ينتج منتجًا سياحيًا متكاملاً: خدمات، أنشطة، نظافة، أمن، مطاعم، رياضات بحرية، فضاءات للعائلات، وتجربة سياحية تجعل المصطاف مستعدًا للدفع مقابل قيمة حقيقية.

أين ينتهي حق المستثمر ويبدأ حق المواطن؟

المستثمر من حقه أن يحقق الربح، وهذا أمر أساسي لاستمرار الاستثمار. لكن الشاطئ في النهاية ملك عمومي، وبالتالي لا يمكن أن يتحول حق الاستغلال إلى حق في إقصاء المواطن. المعادلة بسيطة: الدولة تمنح المستثمر حق الاستغلال، والمستثمر يقدم خدمة، والمواطن يدفع مقابل الخدمة التي اختارها، وليس مقابل حقه في الوصول إلى الشاطئ.

هل الشاطئ المهيأ يقدم منتجًا سياحيًا حقيقيًا؟

في بعض الحالات نعم، لكن في حالات أخرى لا يزال مفهوم التهيئة محدودًا جدًا. وضع بعض الكراسي والمظلات لا يكفي لكي نقول إننا صنعنا منتجًا سياحيًا. المنتج السياحي هو تجربة متكاملة، تبدأ من الوصول إلى الشاطئ وتنتهي بالمغادرة، وتشمل النظافة، الراحة، الأمن، الخدمات، الترفيه والأسعار الواضحة.

هل الأسعار المرتفعة تعكس تكلفة الاستثمار أم ضعف المنافسة والرقابة؟

يمكن أن تكون الأسعار المرتفعة مبررة عندما تكون وراءها استثمارات حقيقية وخدمات ذات جودة. لكن عندما نجد أسعارًا مرتفعة مقابل خدمة بسيطة جدًا، فمن الطبيعي أن نطرح سؤال الرقابة والمنافسة. لذلك المطلوب ليس بالضرورة فرض أسعار منخفضة على الجميع، وإنما فرض الشفافية وإشهار الأسعار وربط السعر بمستوى الخدمة المقدمة.

هل غياب سقف واضح للأسعار يجعل السياحة الشاطئية موجهة لفئة معينة؟

نعم، وهذا خطر حقيقي إذا لم تكن هناك ضوابط. السياحة الداخلية يجب ألا تصبح امتيازًا لفئة محدودة. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تكون هناك خدمات اقتصادية وأخرى متوسطة وأخرى فاخرة. المهم أن يكون هناك تنوع في العرض حتى تستطيع العائلة الجزائرية اختيار ما يناسب قدرتها الشرائية.

هل ارتفاع تكلفة اليوم على الشاطئ يشجع السياحة الداخلية؟

بالتأكيد لا، إذا أصبحت تكلفة يوم واحد على الشاطئ تقترب من تكلفة رحلة أو إقامة في وجهة أخرى. المواطن في النهاية يقارن بين السعر والقيمة. لذلك إذا أردنا تشجيع السياحة الداخلية، يجب أن نجعلها منافسة من حيث السعر والجودة والخدمة، وليس فقط أن نقول للمواطن: “سافر داخل الجزائر”.

هل لدينا نموذج اقتصادي واضح لاستغلال الشواطئ؟

نحتاج إلى نموذج أكثر وضوحًا واستقرارًا. لا ينبغي أن يكون الهدف فقط هو منح مساحة للمستثمر ثم انتظار ما سيقدمه. يجب أن تكون هناك رؤية تحدد: نوع الاستثمار، مستوى الخدمات، الأسعار، حماية البيئة، عدد الأنشطة، شروط السلامة، وحقوق المصطافين. عندها يصبح المستثمر يعرف ما له وما عليه، وتصبح الدولة قادرة على تقييم الأداء.

لماذا لا تتجاوز الخدمات الكراسي والمظلات؟

لأن الاستثمار السياحي يحتاج إلى رؤية طويلة المدى، وليس مجرد استغلال موسمي. كما أن المستثمر لن يخاطر باستثمارات كبيرة إذا كانت القواعد غير واضحة أو مدة الاستغلال لا تسمح له باسترجاع استثماره. لذلك يجب أن ننتقل من “كراء مساحة” إلى “استثمار في وجهة سياحية”.

هل يجب إعادة النظر في دفتر الشروط؟

نعم، وأعتقد أن هذا من أهم الحلول. دفتر الشروط يجب ألا يركز فقط على المساحة والجانب المالي، بل يجب أن يحدد القيمة المضافة التي سيقدمها المستثمر. من يريد استغلال شاطئ بمستوى معين، يجب أن يقدم خدمات تتناسب مع ذلك المستوى، مع احترام البيئة وحقوق المواطن.

لماذا لا تعمل الشواطئ كوجهات سياحية طوال السنة؟

لأن نموذجنا السياحي ما زال مرتبطًا بشكل كبير بالصيف والسباحة. بينما يمكن تطوير السياحة الساحلية إلى منتج يمتد طوال السنة من خلال الفنادق، المطاعم، الرياضات البحرية، المؤتمرات، السياحة العائلية، الأنشطة الثقافية، والمهرجانات. لكن هذا يتطلب بنية تحتية واستثمارات ورؤية تسويقية طويلة المدى.

هل يمكن أن تساهم السياحة الشاطئية في مواجهة تسرب العملة الصعبة؟

بكل تأكيد. عندما نوفر للمواطن منتجًا سياحيًا محليًا بجودة عالية وسعر تنافسي، فإن جزءًا من الأموال التي ينفقها خارج الجزائر يمكن أن يبقى داخل الاقتصاد الوطني. لكن لا يمكن تحقيق ذلك بالشعارات فقط؛ يجب أن نقدم منتجًا يستطيع منافسة الوجهات الخارجية في الجودة والسعر والخدمة.

ماذا يجب أن يقدم المستثمر مقابل حق الاستغلال؟

يجب أن تكون هناك معادلة واضحة: حق الاستغلال يقابله التزام بالخدمة. المستثمر مطالب بالنظافة، السلامة، احترام البيئة، توفير الخدمات المتفق عليها، إشهار الأسعار، عدم إقصاء المواطنين، والمحافظة على جودة الفضاء المستغل. وفي المقابل، يجب أن توفر له الدولة والبلدية بيئة استثمارية واضحة ومستقرة.

هل الرقابة الحالية كافية؟

الرقابة يجب أن تكون مستمرة وليست موسمية فقط. ولا بد من آليات واضحة تسمح للمواطن بالتبليغ عن التجاوزات، مع مراقبة الأسعار وجودة الخدمات واحترام دفتر الشروط. كما يجب ألا تتحول أفضل المناطق إلى امتياز دائم بدون منافسة حقيقية. الاستثمار لا ينجح بدون رقابة، والرقابة لا تنجح بدون استثمار منظم.

أنا لست ضد المستثمر، بل بالعكس، نحن بحاجة إلى مستثمر قوي وجاد في قطاع السياحة. لكن المستثمر الحقيقي لا يجب أن يُنظر إليه على أنه شخص جاء ليأخذ مساحة من الشاطئ ويبيع الكراسي والمظلات، وإنما شريك في صناعة السياحة. وفي المقابل، المواطن ليس مجرد زبون؛ هو صاحب حق في فضاء عمومي. لذلك علينا أن نصل إلى معادلة رابح–رابح: المستثمر يربح، المواطن يستفيد، الدولة تحقق مداخيل، والبيئة الساحلية تُحترم. عندها فقط نستطيع أن نقول إننا نجحنا في تحويل شواطئ الجزائر من مورد موسمي إلى صناعة سياحية حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *