المدير العام لمسرعة الأعمال “ألجيريا فونتور “الياس عبدون: السيادة الرقمية تبدأ بتطوير حلول تكنولوجية محلية تقلص التبعية للخارج

لم يعد الرهان على المؤسسات الناشئة يقتصر على مرافقتها في مراحل التأسيس والنمو، بل أصبح مرتبطا بقدرتها على تقديم حلول عملية تستجيب لاحتياجات المؤسسات الكبرى وتندمج في نشاطها الإنتاجي. وفي هذا السياق، يبرز الابتكار المفتوح كآلية لربط المتعاملين الاقتصاديين بالشركات الناشئة، وتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق والتوسع. وفي حوار مع «أصوات»، يتحدث إلياس عبدون، المدير العام لمسرعة الأعمال لـ Algeria Venture، عن آليات تجسيد هذا النموذج في الجزائر، والطلب المتزايد على الحلول المحلية في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية، إلى جانب التحديات التي تواجه إدماج ابتكارات الشركات الناشئة في المؤسسات الكبرى.

حاورته نوال الهواري

الابتكار المفتوح أصبح آلية لربط الشركات الكبرى بالحلول التي تطورها المؤسسات الناشئة، كيف تعمل Algeria Venture على تحويل هذا المفهوم من إطار نظري إلى مشاريع وتجارب ميدانية حقيقية؟

بالنسبة لنا في Algeria Venture، الابتكار المفتوح يبدأ من حاجة حقيقية لدى المؤسسة الكبرى، وليس فقط من البحث عن شركة ناشئة. نقوم بتحديد الحاجة، ثم نبحث عن الشركات الناشئة القادرة على تقديم الحل المناسب، ونرافق عملية الربط والتجريب من خلال النماذج الأولية أو مشاريع إثبات المفهوم (POC)، وصولا إلى التعاقد.

هدفنا ليس مجرد ربط شركة كبرى بشركة ناشئة، وإنما تحويل الحاجة إلى حل عملي قابل للتطبيق، ثم إلى شراكة مستدامة وقابلة للتوسع.

ما الذي تبحث عنه اليوم المؤسسات الكبرى في الشركات الناشئة الجزائرية؟ وهل أصبحت هناك طلبات فعلية على حلول محلية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، السحابة والرقمنة والصناعة؟

نعم، هناك طلب متزايد، وبشكل واضح، من المؤسسات الكبرى على حلول تقدمها الشركات الناشئة الجزائرية، خاصة في مجالَي الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. كما نلاحظ اهتماما متزايدا بالرقمنة، والحوسبة السحابية، وأتمتة العمليات، والحلول الموجهة للقطاع الصناعي.

ما تبحث عنه المؤسسات اليوم ليس مجرد أفكار، وإنما حلول عملية يمكن اختبارها ودمجها في عملياتها. وهنا يأتي دور Algeria Venture في فهم الحاجة، ثم تحديد الشركات الناشئة القادرة على تقديم حلول مناسبة، ومرافقة عملية التجريب والانتقال نحو التطبيق الفعلي.

باختصار، الطلب موجود، والتحدي اليوم هو تحويل هذا الطلب إلى مشاريع ملموسة وسوق حقيقي للشركات الناشئة الجزائرية.

في عدد من الشراكات الأخيرة، لعبت Algeria Venture دور الوسيط بين الشركات الكبرى والـ startups، كيف يتم اختيار المؤسسة الناشئة المناسبة وربطها بالحاجة الحقيقية للمؤسسة؟

نحن لا نبحث عن شركة ناشئة بشكل عشوائي، وإنما ننطلق أولا من إشكالية واضحة ومحددة لدى المؤسسة الكبرى. بعد ذلك نقوم بتأطير هذه الحاجة وتحويلها إلى تحدٍّ، ثم نبحث وننتقي الشركات الناشئة التي تملك الحل أو القدرة على تطويره.

بعدها نقوم بعملية الربط بين الطرفين (Matching)، ثم التجريب من خلال إثبات المفهوم (POC) أو النموذج الأولي، وصولا إلى اختيار الحل المناسب والتعاقد والتطبيق الفعلي.

بمعنى آخر، نحن ننطلق من المشكلة وليس من الشركة الناشئة، وهذا ما يسمح لنا بتحقيق تطابق حقيقي بين حاجة المؤسسة والحل الذي تقدمه الشركة الناشئة.

هل الهدف هو فقط مساعدة الشركات الناشئة على إيجاد أول زبون، أم أن الطموح هو إدماج حلولها بشكل دائم داخل المؤسسات الكبرى وتحويلها إلى منتجات قابلة للتوسع والتصدير؟

الهدف ليس فقط مساعدة الشركات الناشئة على إيجاد أول زبون، بل نطمح إلى ما هو أبعد من ذلك: أن تصبح حلولها جزءا فعليا ودائما من عمليات المؤسسات الكبرى.

نبدأ بالتجربة وإثبات المفهوم (POC)، ثم ننتقل إلى التعاقد والتوسع، حتى تتحول الحلول الناجحة إلى منتجات قابلة للتوسع، ويمكنها مستقبلا الوصول إلى أسواق خارج الجزائر.

بمعنى آخر، نريد الانتقال من مجرد «أول عميل» إلى شراكة استراتيجية ونمو مستدام للشركة الناشئة.

في ظل الحديث عن السيادة الرقمية، إلى أي مدى تستطيع الشركات الناشئة الجزائرية تقديم بدائل محلية للتكنولوجيات والحلول المستوردة؟

نعم، الشركات الناشئة الجزائرية أصبحت قادرة على تقديم بدائل محلية في عدد من المجالات، خاصة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية والرقمنة.

لكن السيادة الرقمية لا تعني بالضرورة استبدال كل التكنولوجيا المستوردة، وإنما بناء قدرات وحلول محلية في المجالات الاستراتيجية، وتقليل التبعية عندما تكون هناك حلول جزائرية قادرة على تلبية الحاجة.

باختصار، هدفنا هو الانتقال من مجرد مستخدم للتكنولوجيا إلى مطوّر للحلول وقادر على خلق قيمة محلية.

ما هي القطاعات التي تعتبرونها اليوم الأكثر قابلية للاستفادة من الابتكار المفتوح في الجزائر: الصناعة، الطاقة، المياه، النقل، الفلاحة أم الخدمات؟ ولماذا؟

في رأيي، الابتكار المفتوح يمكن أن يخدم جميع هذه القطاعات، لأن نقطة الانطلاق هي المشكلة وليس القطاع.

اليوم نرى فرصا مهمة في الصناعة، والطاقة، والمياه، والنقل، والفلاحة، إضافة إلى الخدمات، خصوصا عندما تكون هناك حاجة واضحة يمكن لشركة ناشئة أن تقدم لها حلا مبتكرا.

باختصار، القطاع الأكثر قابلية للاستفادة من الابتكار المفتوح هو القطاع الذي لديه مشكلة حقيقية ومحددة، وحاجة فعلية إلى الابتكار.

ما هي العقبة الأكبر أمام تعميم هذا النموذج: جاهزية الشركات الناشئة، قدرة المؤسسات الكبرى على استقبال الابتكار، التمويل، أم الإجراءات الإدارية؟

العقبة ليست مرتبطة بعامل واحد فقط. هناك تحديات تتعلق بجاهزية بعض الشركات الناشئة، وكذلك بقدرة المؤسسات الكبرى على استقبال الحلول الجديدة، إضافة إلى التمويل والإجراءات.

لكن الأهم هو أن نخلق جسرا فعالا بين المؤسسة التي لديها الحاجة والشركة الناشئة التي لديها الحل.

باختصار، التحدي الأساسي هو الانتقال من وجود الحلول إلى القدرة على اختبارها واعتمادها داخل المؤسسات.

كيف تقيس Algeria Venture نجاح برنامج الابتكار المفتوح؟ بعدد الاتفاقيات، المشاريع التجريبية، العقود المبرمة أم بحجم الحلول المحلية التي تدخل فعليا إلى السوق؟

بالنسبة لنا، عدد الاتفاقيات وحده لا يكفي لقياس النجاح. يمكن أن يكون لدينا عدد كبير من الاتفاقيات، لكن الأهم هو ما ينتج عنها: عدد مشاريع إثبات المفهوم (POC) والتجارب، والحلول التي تم اعتمادها، والعقود المبرمة، ثم الحلول التي تنتقل فعليا إلى مرحلة التوسع والاستعمال داخل المؤسسة.

لذلك نريد قياس الأثر الحقيقي: من الحاجة، إلى التجربة، إلى العقد، ثم إلى الحل الذي يدخل فعليا إلى السوق.

وهذا يتماشى مع منهجية Algeria Venture التي تنتهي بمرحلة «قصة نجاح» (Success Story)، أي الانتقال إلى النشر وتحقيق أثر قابل للقياس، ثم إمكانية التصنيع والتوسع.

هل لديكم مشاريع جديدة قيد التحضير تجمع شركات عمومية أو خاصة كبرى مع startups جزائرية، ويمكن الإعلان عنها خلال الفترة المقبلة؟

نعم، هناك ديناميكية متزايدة في هذا المجال، ونحن نعمل على تطوير شراكات ومبادرات جديدة مع مؤسسات كبرى حول إشكاليات وحاجات محددة.

لكن بالنسبة لنا، الإعلان لا يكون لمجرد الإعلان؛ نفضل أن يكون مرتبطا بمشروع واضح، وبحاجة محددة، وبحل قابل للتجريب والتطبيق.

باختصار، هناك مشاريع قيد التحضير، وسنعلن عنها عندما تصل إلى مرحلة مناسبة من النضج والشراكة.

إذا انتقلنا من دعم startup منفردة إلى بناء منظومة اقتصادية، كيف يمكن لـ Algeria Venture أن تجعل الابتكار المحلي جزءا من سلسلة الإنتاج وليس مجرد مشاريع تجريبية؟

هنا يكمن الطموح الحقيقي لـ Algeria Venture. لا نريد أن تبقى الشركة الناشئة في إطار مشروع تجريبي أو تبحث في كل مرة عن عميل جديد. نريد أن تصبح حلولها جزءا من سلسلة القيمة والإنتاج لدى المؤسسات الكبرى.

نبدأ من مشكلة حقيقية، ثم نصل إلى التجربة، وبعد نجاحها إلى التعاقد، ثم التوسع والتعميم. وعندما تنجح الشركة الناشئة في الجزائر وتبني مرجعيات قوية، يمكن أن تنتقل بعدها إلى أسواق أخرى.

باختصار، نريد الانتقال من «دعم الشركات الناشئة» إلى «خلق سوق للشركات الناشئة»، ومن مشروع تجريبي إلى حل اقتصادي قابل للتوسع والتصدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *