نبيل جمعة: نجاح سياسة العقار الصناعي يقاس بالإنتاج والصادرات وليس بعدد الهكتارات الممنوحة

يرى الخبير الاقتصادي نبيل جمعة أن الرهان الحقيقي للعقار الصناعي في الجزائر لا يكمن في توفير الأراضي للمستثمرين فحسب، بل في تحويلها إلى مشاريع إنتاجية تخلق الثروة ومناصب العمل، وترفع القيمة المضافة المحلية، وتعزز الصادرات خارج قطاع المحروقات. ويؤكد أن تقييم سياسة منح العقار الصناعي يجب أن يستند إلى النتائج الاقتصادية الفعلية، من خلال قياس عدد المصانع التي دخلت حيز الإنتاج.

حاورته:نوال الهواري

ما الرهان الاقتصادي الحقيقي للعقار الصناعي في الجزائر، ودوره في تنويع الاقتصاد خارج المحروقات؟

يجب تغيير زاوية النظر إلى العقار الصناعي، فالمسألة لا تتعلق بمجرد توفير قطع أرضية للمستثمرين، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى مصانع منتجة ومناصب عمل مستدامة وقيمة مضافة محلية وصادرات خارج قطاع المحروقات.

العقار الصناعي أصل اقتصادي للدولة، وقد يمثل تكلفة فرصة ضائعة إذا بقي دون استغلال، بينما يمكن أن يتحول إلى مصدر للإنتاج والتشغيل والإيرادات الجبائية والعملات الأجنبية إذا وُجّه إلى مشاريع قابلة للحياة.

لذلك، ينبغي التمييز بين العقار الممنوح، والاستثمار المنجز، والنتائج الاقتصادية الفعلية. فلا يمكن تقييم السياسة المتبعة بعدد الهكتارات الموزعة أو المشاريع المسجلة فقط، بل بحجم الإنتاج المحقق، ومناصب العمل المستحدثة، والصادرات والقيمة المضافة المحلية.

ويظل التحدي الأساسي بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأرض المهيأة والتمويل والطاقة والنقل واليد العاملة المؤهلة واستقرار القواعد القانونية وإمكانية الوصول إلى الأسواق.

هل تسمح التشريعات الحالية برهن العقار الصناعي للحصول على التمويل البنكي؟ وما أبرز العراقيل؟

أرست الجزائر إطارا قانونيا جديدا بموجب القانون رقم 23-17 المؤرخ في 15 نوفمبر 2023، المتعلق بشروط وكيفيات منح العقار الاقتصادي التابع للأملاك الخاصة للدولة والمخصص لإنجاز مشاريع الاستثمار.

ومن الناحية القانونية، يجب التمييز بين رهن حق الامتياز ورهن ملكية الأرض نفسها. فحق الامتياز القابل للتحويل إلى تنازل نهائي يمكن أن يكون محل رهن وفق الضوابط المعمول بها، لكن ذلك لا يعني أن الأرض التابعة للأملاك الخاصة للدولة أصبحت مملوكة للمستثمر.

ومن منظور البنوك، تؤثر طبيعة الضمانات وحدودها القانونية في تقييم المخاطر وشروط القروض ومدتها. لذلك، أقترح توحيد الإجراءات بين الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار والبنوك والمحافظات العقارية،

كما ينبغي ربط مدة التمويل بقدرة المشروع على السداد، وتسريع تحويل الامتياز إلى تنازل نهائي عندما يستوفي المستثمر الشروط القانونية. فالهدف هو حماية الأملاك الوطنية دون جعل هذه الحماية عائقا أمام تمويل الاستثمار المنتج.

كيف يمكن للعقار الصناعي المهيأ أن يعزز جاذبية الجزائر للاستثمار الأجنبي المباشر؟

لا يختار المستثمر الأجنبي على أساس سعر الأرض وحده، بل ينظر إلى التكلفة الإجمالية للمشروع، والوقت اللازم لبدء الإنتاج، واستقرار القواعد التنظيمية، وتوفر الخدمات وإمكانية تسويق المنتجات محليا وتصديرها.

ويقتضي ذلك توفير أوعية عقارية مهيأة، وشبكات طاقة ومياه واتصالات ونقل جاهزة، إلى جانب إجراءات واضحة وتمويل ملائم.

ولا يكفي تقييم الاستثمار الأجنبي بقيمة الاتفاقيات المعلنة، بل يجب قياس حجم الاستثمار المنجز فعليا، ونسبة الإدماج المحلي، والوظائف الدائمة، ونقل التكنولوجيا، والصادرات الجديدة، وصافي النقد الأجنبي الذي يضيفه المشروع بعد احتساب المدخلات المستوردة والأرباح المحولة إلى الخارج.

هل تستطيع المناطق الحرة في الجنوب والمناطق الحدودية أن تصبح بوابة الجزائر نحو الأسواق الإفريقية؟

تمتلك الجزائر موقعا جغرافيا يمكن تحويله إلى ميزة اقتصادية، شريطة الانتقال من مجرد عبور السلع إلى إنتاجها وتحويلها وتصديرها. وقد حدد القانون رقم 22-15 المؤرخ في 20 يوليو 2022 القواعد المنظمة للمناطق الحرة، كما صادقت الجزائر على الاتفاق المنشئ لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بموجب القانون رقم 20-10 المؤرخ في 22 أكتوبر 2020.

وأقترح توجيه هذه المناطق إلى إنشاء منصات لتحويل المنتجات الزراعية وتوضيبها وتبريدها، ومراكز لوجستية وصناعية، ووحدات لتصنيع المعدات الكهربائية ومواد البناء وقطع الغيار والمنتجات الصيدلانية، وفقا لاحتياجات الأسواق المستهدفة.

ويتطلب الاستفادة من الاتفاقية القارية تحديد المنتجات التي تتمتع فيها الجزائر بميزة تنافسية، واحترام قواعد المنشأ والمواصفات الفنية، وتطوير النقل والتأمين وتمويل الصادرات، وبناء شراكات مع الموزعين والمصنعين الأفارقة.

لكن وجود إطار قانوني للمناطق الحرة لا يضمن النجاح تلقائيا؛ إذ يرتبط ذلك بتوفر البنية التحتية والخدمات الجمركية واللوجستية وقدرة المؤسسات الجزائرية على المنافسة.

كيف يمكن تحقيق توازن جهوي في توزيع العقار الصناعي؟

لا يعني التوازن الجهوي توزيع الاستثمارات بالتساوي الحسابي بين الولايات، بل توجيهها وفقا لموارد كل منطقة وموقعها وبنيتها التحتية وقدرتها على خدمة الأسواق، مع تفادي تركز النشاط في المناطق الأكثر تجهيزا وإقصاء المناطق الأخرى من الدورة الإنتاجية.

فيمكن توجيه الصناعات التصديرية المرتبطة بالموانئ والصناعات الميكانيكية والصيدلانية والكهربائية إلى المناطق الساحلية، والصناعات التحويلية والميكانيكية ومواد البناء إلى الهضاب العليا، فيما يمكن للجنوب أن يستفيد من تحويل المنتجات الزراعية والموارد المحلية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالأسواق الإفريقية.

ولقياس مدى تحقق هذا التوازن، أقترح نشر مؤشرات سنوية حسب الولايات تشمل العقار المهيأ والممنوح، ونسب الاستغلال، والاستثمارات المنجزة، والوظائف الدائمة، والقيمة المضافة والصادرات، وتكاليف تهيئة المناطق الصناعية.

ويجب توزيع الأعباء بصورة عادلة، فلا تتحمل الخزينة جميع التكاليف في كل الحالات، ولا يُحمّل المستثمر وحده تكلفة بنية تحتية يستفيد منها الاقتصاد المحلي بأكمله.

كيف يمكن الحد من ظاهرة العقار الصناعي غير المستغل والمضاربة؟

تمثل الأراضي الممنوحة التي تبقى دون استغلال خسارة لفرص الإنتاج والتشغيل، كما تحرم مستثمرين آخرين من الاستفادة منها. غير أنه ينبغي التمييز بين المضاربة العقارية، والتأخر غير المبرر في الإنجاز، والتعثر الاقتصادي الحقيقي الناتج عن صعوبات التمويل أو التوريد أو الربط بالشبكات.

وتتطلب المعالجة إنشاء سجل رقمي موحد للعقار الصناعي، يتضمن وضعية كل قطعة أرض والمشروع المرتبط بها ومراحل إنجازه، مع اعتماد متابعة مرحلية تبدأ من الدراسات والتمويل والتراخيص وصولا إلى تركيب المعدات والانطلاق في الإنتاج.

كما يجب تطبيق إجراءات استرجاع العقار عند ثبوت الإخلال بالالتزامات، وفقا للقانون، مع مراعاة حقوق المستثمرين الجادين الذين يواجهون عراقيل قابلة للمعالجة. فالرقابة المطلوبة ينبغي أن تكون صارمة وعادلة في الوقت نفسه.

ما أثر إصلاح العقار الصناعي في تقليص التبعية للمحروقات؟

لا يتحقق تنويع الاقتصاد بمجرد توزيع العقار، وإنما بتحويله إلى أنشطة إنتاجية تنافسية تساهم في إحلال الواردات بكفاءة، وزيادة الصادرات، وتعميق التصنيع المحلي، وتوسيع القاعدة الجبائية.

ويجب الانتباه إلى أن إنتاج سلع محليا لا يضمن بالضرورة تقليص فاتورة الاستيراد إذا ظل يعتمد على مكونات مستوردة بصورة شبه كاملة، كما أن ارتفاع الصادرات لا يعني دائما ارتفاع القيمة المضافة الوطنية.

لذلك، ينبغي تقييم المناطق الصناعية وفقا لمؤشرات تجمع بين الإنتاج الفعلي والقيمة المضافة المحلية والصادرات والوظائف المستدامة والإيرادات الجبائية، بما يسمح بقياس مساهمتها الحقيقية في الاقتصاد الوطني.

ما أبرز التوصيات التي تقترحونها لتحسين سياسة العقار الصناعي؟

أرى ضرورة الانتقال من منطق توزيع العقار إلى منطق النتائج، من خلال نشر بيانات دورية عن المساحات الممنوحة والمهيأة والمستغلة والمشاريع التي دخلت الإنتاج. كما يجب تسهيل التمويل البنكي دون التفريط في الأملاك الوطنية، وإعطاء الأولوية للمناطق الجاهزة فعليا من حيث الشبكات والخدمات. ومن الضروري أيضا تطوير مناطق صناعية ولوجستية موجهة للتصدير، خصوصا في الجنوب والمناطق الحدودية، 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *