الدكتور زكريا عبد الحي مختص في الرقمنة و التسويق:   “رقمنة متعثرة داخل الجامعات الجزائرية و خطوات لم تبلغ عمق التحول الحقيقي “

أكّد عبد الحي زكرياء أن التحول الرقمي داخل الجامعات الجزائرية لا يزال في مراحله الأولى، رغم الجهود التي بذلتها الدولة في السنوات الأخيرة لتحديث المنظومة التعليمية. وأوضح أن ما تحقق حتى الآن ، إلى جانب تطوير منصات للتعليم عن بُعد. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم ترقَ بعد حسبه يقتصر على رقمنة بعض الخدمات الأساسية، مثل التسجيلات الجامعية وإطلاق فضاءات رقمية موجهة للطلبة إلى مستوى التحول الشامل الذي يعيد هيكلة النظام الجامعي بمختلف مكوناته.

نـــوال الهواري

وأرجع زكرياء محدودية هذا التحول إلى مجموعة من التحديات البنيوية، في مقدمتها ضعف البنية التحتية الرقمية، وعدم كفاية التكوين المتخصص للكفاءات البشرية. كما أشار إلى أن غياب التنسيق بين الجامعات، وعدم توحيد الأنظمة والمنصات الرقمية، يعمّقان حالة التشتت ويقلّلان من فاعلية أي مجهود إصلاحي. في هذا السياق،يرى عبد الحي أن الرقمنة لا تزال تُعامل كمشروع إداري تقني، لا كمسار استراتيجي لتجديد التعليم العالي.

وفيما يتصل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، اعتبر ذات المتحدث أنها تمثل فرصة حقيقية لإعادة هيكلة الوظائف الأكاديمية والإدارية، لا تهديدًا لها كما يُروج في بعض النقاشات العامة. واستند في ذلك إلى كون الذكاء الاصطناعي قادرًا على تقليص الأعباء الروتينية، ما يسمح للعاملين في قطاع التعليم بالتركيز على المهام التحليلية والإبداعية. وشدّد على أن هذا التحول يتطلب الاستعداد المسبق، خاصة من خلال التكوين المستمر وتأهيل الأطر الجامعية، حتى لا تتحول التكنولوجيا من فرصة إلى عبئ.

 

الرقمنة وجودة التكوين: علاقة تكاملية مشروطة

 

كما أكّد أن العلاقة بين الرقمنة وجودة التكوين علاقة مركّبة لا يمكن اختزالها في الجانب التقني فقط. إذ أن الرقمنة تساهم في تحسين الولوج إلى المعرفة، وتنوع مصادر التعلم، وتيسير التقييم والمتابعة، غير أنها لا تكفي وحدها لضمان جودة التعليم الجامعي. لذلك، رأى أن المؤشرات الحقيقية لنجاح الرقمنة ينبغي أن تشمل تطور نسب النجاح، نوعية البحوث المنتجة، وتفاعل الطلبة مع المسارات البيداغوجية، إضافة إلى جاهزيتهم للاندماج في سوق العمل.

وعلى صعيد آخر، أشار المختص في الرقمنة إلى أهمية تحقيق توازن بين السيادة الرقمية الوطنية والانفتاح على التكنولوجيا الأجنبية. فبرأيه، السيادة لا تعني الانغلاق أو الانعزال عن التطور، بل تعني امتلاك القرار الرقمي والتحكم في المعطيات، بالتوازي مع الانخراط الذكي في منظومة الابتكار العالمية. مما يستدعي ذلك تطوير حلول رقمية محلية، وفي الوقت نفسه، الاستفادة من الخبرات الدولية من خلال شراكات مبنية على الندية والتكامل.

وفي هذا الإطار، نُظر إلى مفهوم “الجامعة الذكية” باعتباره أفقًا طموحًا يمكن أن يتحقق في الجزائر خلال السنوات المقبلة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والموارد المناسبة. وأوضح أن الجامعة الذكية هي تلك التي تعتمد على نظم معلومات مترابطة، فصول تفاعلية، تحليل بيانات طلابية لدعم التوجيه الأكاديمي، وربط فعّال بين التكوين والاحتياجات الفعلية لسوق العمل. كما أضاف أن نجاح هذا النموذج يظل مرهونًا بقدرة المؤسسة الجامعية على إدماج الحوكمة الرقمية وتطوير الكفاءات البشرية بالتوازي مع التحديث التكنولوجي.

دمج الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي ضمن إطار أخلاقي

 

أما في مجال البحث العلمي، فقد شدّد على ضرورة دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة تحفظ أخلاقيات الممارسة العلمية. وأكّد أن استخدام هذه التقنيات ينبغي أن يتم وفق أطر واضحة تضمن الشفافية، وتحترم حقوق الملكية الفكرية، وتمنع أي شكل من أشكال التلاعب أو التزييف. لذلك، دعا إلى اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للباحث، لا بديلاً عن عقله النقدي أو جهده المعرفي.

وفي ختام حديثه، أبدى عبد الحي زكرياء تفاؤله بإمكانية أن تتحول الجزائر إلى مركز إقليمي لتكوين الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة وأنها تمتلك مقومات بشرية وأكاديمية وموقعًا جغرافيًا يؤهلها لذلك. إلا أنه ربط تحقيق هذا الهدف بتوفّر خطة استراتيجية وطنية، مبنية على التمويل المستدام، وتفعيل الشراكات الدولية، ودعم البحث العلمي التطبيقي في هذا المجال. وبهذا، يمكن للجزائر أن تجد لنفسها مكانًا رياديًا في المشهد التكنولوجي الإفريقي والدولي.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *