أستاذ العلوم السياسية و العلاقات الدولية البروفيسور ارديس عطية “لأصوات”: “انتصار الدبلوماسية الهادئة التقارب الجزائري-المالي يعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعي”
” الجزائر تعاملت مع الأزمة بمنطق الدولة ولم تغادر مبادئها الدبلوماسية”
” العلاقات بين البلدين اليوم يمثل دليلاً واضحاً على نجاح الدبلوماسية الجزائرية في إدارة الأزمات”
اعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية البروفيسور إدريس عطية أن ما تشهده العلاقات بين الجزائر ومالي اليوم تمثل دليلاً واضحاً على نجاح الدبلوماسية الجزائرية في إدارة الأزمات، مشيراً إلى أن عودة التواصل بين البلدين تؤكد انتصار لغة الحوار والعقل على منطق التصعيد.
وأوضح عطية، في تصريح “لأصوات”، أن العلاقات بين الجزائر ومالي لم تنقطع يوماً رغم الأزمة التي مرت بها، وإنما شهدت فترة من الفتور السياسي والدبلوماسي فرضتها ظروف استثنائية، قبل أن تعود تدريجياً إلى مسارها الطبيعي.
سحب السفراء لم يكن نهاية العلاقات
يرى البروفيسور إدريس عطية أن سحب السفراء خلال الأزمة لا يعني بالضرورة انهيار العلاقات بين البلدين، بل يعد إجراءً دبلوماسياً تلجأ إليه الدول للتعبير عن وجود خلافات أو تحفظات مؤقتة.
وأشار إلى أن عودة السفراء واستئناف قنوات التواصل السياسية تعكس نجاح المقاربة القائمة على التهدئة، مؤكداً أن الأزمة أثبتت أن الحوار يبقى الوسيلة الأكثر نجاعة لمعالجة الخلافات مهما بلغت حدتها.
وأضاف أن العلاقات بين الجزائر ومالي تستند إلى روابط أعمق من الخلافات الظرفية، فهي تقوم على التاريخ المشترك والجوار الجغرافي والمصالح الأمنية والتنموية المتبادلة، وهي عوامل تجعل من الصعب تصور قطيعة حقيقية بين البلدين.
دبلوماسية تعمل بصمت بعيداً عن الأضواء
وأكد عطية أن الدبلوماسية الجزائرية عُرفت منذ عقود بأنها ليست دبلوماسية التصريحات الإعلامية أو “الميكروفونات”، وإنما تعتمد على العمل الهادئ والنفس الطويل في معالجة الملفات الإقليمية والدولية.
وأوضح البروفيسور ارديس عطية أن الجزائر تفضل دائماً إدارة الأزمات عبر الاتصالات المباشرة والحوار الهادئ بعيداً عن الضجيج الإعلامي، وهو ما يفسر المفاجأة التي أحدثها البيان الصادر عن وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، بالتوازي مع البيان الصادر عن الحكومة المالية، والذي كشف عن وجود تفاهمات لم تكن معلنة للرأي العام.
ويرى المتحدث أن هذه الطريقة في إدارة الأزمات أثبتت فعاليتها في العديد من الملفات، حيث تحقق نتائج عملية دون اللجوء إلى التصعيد الإعلامي أو تبادل الاتهامات.
منطق الدولة أساس السياسة الجزائرية تجاه مالي
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن الجزائر تعاملت منذ بداية الأزمة مع مالي بمنطق الدولة تجاه الدولة، وليس بمنطق ردود الأفعال أو الحسابات الظرفية.
وأوضح أن السياسة الجزائرية ظلت قائمة على احترام سيادة مالي ووحدة أراضيها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات التاريخية بين الشعبين.
وأضاف أن هذه المقاربة بقيت ثابتة منذ سنة 2025 إلى اليوم، حيث حرصت الجزائر على الفصل بين الخلافات السياسية المؤقتة وبين العلاقات الاستراتيجية التي تجمع البلدين.
أطراف سعت إلى تأجيج الأزمة
ولم يستبعد عطية وجود جهات عملت على تعميق الأزمة بين الجزائر وباماكو، مؤكداً أن بعض الأطراف الإقليمية والكيانات الوظيفية حاولت استثمار التوتر خدمة لأجندات لا تخدم استقرار المنطقة.
وقال إن هذه الجهات سعت إلى “صب الزيت على النار” من خلال الدفع نحو مزيد من التصعيد، لأنها تراهن على استمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل.
وأكد أن تلك الأطراف لا تنظر إلى مصالح شعوب المنطقة بقدر ما تسعى إلى تحقيق أهداف جيوسياسية تتجاوز حدود الإقليم، وهو ما يفرض على دول المنطقة التحلي بدرجة عالية من الوعي والحكمة.
باماكو أدركت أهمية المصير المشترك
واعتبر المتحدث أن عودة الهدوء إلى العلاقات تعكس إدراك السلطات المالية بأن معالجة التحديات الداخلية والإقليمية لا يمكن أن تتم بمعزل عن التعاون مع الجزائر.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن مالي أصبحت أكثر اقتناعاً بأن مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة مرتبط بالمصير المشترك لدول الجوار، وأن الانفتاح على الشركاء الطبيعيين يظل الخيار الأكثر واقعية.
وأضاف أن الرهان على قوى خارج الإقليم لن يوفر حلولاً دائمة للمشكلات الأمنية والتنموية التي تعاني منها منطقة الساحل.
رؤية جزائرية جديدة لتنمية الفضاء الإقليمي
وأشار عطية إلى أن التقارب مع مالي يأتي في سياق مشروع إقليمي أوسع تقوده الجزائر، يهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني مع مختلف دول الجوار.
وأوضح أن الجزائر تعمل على بناء شراكات متوازنة مع موريتانيا والنيجر وتشاد ومالي، بما يسمح بإنشاء فضاء إقليمي أكثر استقراراً وتكاملاً.
وأكد أن هذه الرؤية تقوم على اعتبار التنمية الاقتصادية ركيزة أساسية لتحقيق الأمن، لأن مواجهة التحديات الأمنية لا يمكن أن تتم بالحلول العسكرية فقط، وإنما تحتاج أيضاً إلى مشاريع تنموية مشتركة.
مناطق التجارة الحرة بوابة لتعزيز التكامل
ومن بين أهم المشاريع التي تراهن عليها الجزائر، يبرز مشروع إنشاء خمس مناطق للتجارة الحرة على الحدود، بكل من تندوف، وبرج باجي مختار، وتين زواتين، والدبداب، وعين أميناس.
وأوضح البروفيسور إدريس عطية أن هذه المناطق تمثل ركيزة استراتيجية لتعزيز المبادلات التجارية مع دول الجوار، وفي مقدمتها مالي، بما يفتح آفاقاً جديدة للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية للسكان في المناطق الحدودية.
ويرى أن هذه المشاريع الاقتصادية تمنح بعداً عملياً للعلاقات الثنائية، وتساهم في ترسيخ الاستقرار عبر المصالح المشتركة.
الروابط الإنسانية لم تنقطع رغم الأزمة
وأكد المتحدث أن الأزمة السياسية لم تؤثر في عمق العلاقات الإنسانية التي تربط الشعبين الجزائري والمالي.
وأوضح أن الروابط التاريخية والاجتماعية والجغرافية ظلت قائمة، وهو ما ساعد على تجاوز الأزمة بسرعة نسبية.
وأشار إلى أن الجغرافيا تفرض على البلدين التعاون المستمر، لأن دول الجوار لا تستطيع تغيير مواقعها أو التخلي عن مسؤولياتها المشتركة.
مبادئ الثورة التحريرية توجه الدبلوماسية الجزائرية
وشدد عطية على أن السياسة الخارجية الجزائرية لا تزال تستند إلى المبادئ التي أرستها الثورة التحريرية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وحسن الجوار، والتعاون بين الشعوب.
وأضاف أن الجزائر ظلت وفية أيضاً لمبدأ “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية”، الذي يعد أحد أهم مرتكزات تحركها داخل القارة.
ويرى أن هذه المبادئ منحت الدبلوماسية الجزائرية مصداقية كبيرة لدى مختلف الدول الإفريقية، وجعلتها شريكاً موثوقاً في جهود الوساطة وتسوية النزاعات.
مقاربة سيادية تقوم على التنمية التشاركية
وأكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن الجزائر تتعامل مع مالي وسائر دول الجوار وفق مقاربة سيادية تحترم استقلال القرار الوطني لكل دولة.
وأوضح أن هذه المقاربة لا تقتصر على الجوانب السياسية فقط، وإنما تشمل أيضاً التنمية التشاركية وبناء مشاريع اقتصادية مشتركة تحقق المنفعة المتبادلة.
وأشار إلى أن الجزائر تعتبر التنمية أحد أهم مفاتيح الاستقرار في المنطقة، ولذلك تواصل دعم مختلف المبادرات الرامية إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول الساحل.
تحديات أمنية مشتركة تتطلب تنسيقاً أكبر
ويرى البروفيسور إدريس عطية أن الأولويات الأمنية أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً بالنسبة لجميع دول المنطقة، وهو ما يفرض تعزيز التنسيق والتعاون المشترك.
وأوضح أن حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للجريمة المنظمة، ومحاربة شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والهجرة غير الشرعية، أصبحت تحديات عابرة للحدود لا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها.
وأضاف أن الجزائر تدعو باستمرار إلى اعتماد رؤية جماعية لمعالجة هذه التحديات، بعيداً عن الحلول الفردية أو التدخلات الخارجية.
الإرهاب واستغلال هشاشة الأوضاع
وأشار المتحدث إلى أن بعض القوى تحاول استغلال حالة الهشاشة السياسية والمؤسساتية التي تعيشها بعض دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، من أجل توسيع نشاط الجماعات الإرهابية.
وأكد أن الجزائر تدرك خطورة هذا الواقع، ولذلك تواصل العمل مع شركائها الإقليميين لتعزيز الأمن الجماعي ومنع تحول المنطقة إلى بؤرة جديدة لعدم الاستقرار.
أربعة عشر تحدياً تواجه منطقة الساحل
و أوضح البروفيسور إدريس عطية أن منطقة الساحل لا تواجه تحدياً واحداً، وإنما مجموعة معقدة من التحديات المتداخلة، يصل عددها إلى أربعة عشر تحدياً رئيسياً، تتصدرها ظواهر الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، إلى جانب الفقر، والبطالة، والأمية، والتغيرات المناخية، وأزمة المياه، والإشكالات المرتبطة بالهوية والتنمية.
وأكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تسريع وتيرة التعاون الإقليمي، وبناء تصورات مشتركة تقوم على التنمية والأمن والتكامل الاقتصادي، مشيراً إلى أن الجزائر تواصل أداء دور محوري في هذا المسار، انطلاقاً من رصيدها الدبلوماسي وخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، وإيمانها بأن
استقرار دول الجوار هو جزء لا يتجزأ من استقرارها الوطني والإقليمي.

