أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور أسامة بوشماخ “لأصوات”: “عودة التنسيق بين الجزائر ومالي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن استقرار الساحل يبدأ بالحوار

“عودة السفير المالي تثبت أن الجزائر الفاعل الأكثر قدرة على مرافقة استقرار الساحل”

“إعادة فتح المجال الجوي يؤكد أن استقرار مالي لا يمكن فصله عن الدور الجزائري”

 

برزت خلال الأيام الأخيرة مؤشرات توحي بعودة تدريجية لمسار التهدئة بين الجزائر ومالي بعد أشهر من التوتر السياسي والدبلوماسي، الذي طبع العلاقات بين البلدين, تمثلت في قرار الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي أمام حركة الطيران المالي، بالتزامن مع عودة السفير المالي إلى الجزائر، وهي خطوات اعتبرها كثير من المراقبين بداية صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، خاصة أنها جاءت في ظرف أمني وإقليمي بالغ التعقيد تعيشه منطقة الساحل، ويأتي هذا التقارب في وقت تواجه فيه مالي واحدة من أخطر الأزمات الأمنية منذ سنوات، بعد تصاعد هجمات الجماعات الإرهابية والحركات الانفصالية، واتساع رقعة المواجهات المسلحة، وتراجع قدرة المجلس العسكري على فرض سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد، رغم اعتماده على الدعم العسكري الروسي بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة، وفي هذا الحوار مع “أصوات”، قرأ أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور أسامة بوشماخ أبعاد هذا التحول في العلاقات الجزائرية-المالية، وشرح الأسباب التي دفعت باماكو إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع الجزائر، كما قدم قراءة معمقة لمستقبل الأزمة في الساحل وانعكاساتها على الأمن الإقليمي.

 

حاورته: رحمة حيقون

 

قرار الجزائر إعادة فتح المجال الجوي أمام الطيران المالي، بالتزامن مع عودة السفير المالي إلى الجزائر، أثار اهتماما واسعا. كيف تقرؤون دلالات هذه الخطوات؟

أعتقد أن هاتين الخطوتين لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما مجرد إجراءات تقنية أو بروتوكولية، وإنما تعكسان تحولا سياسيا ودبلوماسيا مهما في العلاقات بين الجزائر ومالي بعد فترة من الفتور والتوتر.

فعندما تقرر الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي أمام الطيران المالي، بالتزامن مع عودة السفير المالي إلى الجزائر، فإن الرسالة الأساسية هي وجود إرادة متبادلة لإعادة بناء الثقة واستئناف قنوات الحوار، لأن العلاقات بين البلدين تتجاوز الإطار الثنائي، وترتبط مباشرة بأمن منطقة الساحل واستقرارها.

فالجزائر ليست دولة مجاورة لمالي فحسب، وإنما تعد أحد أهم الفاعلين الإقليميين في ملفات الأمن والوساطة وتسوية النزاعات، كما تمتلك خبرة طويلة في معالجة أزمات المنطقة، وهو ما يجعل من الصعب تصور أي مقاربة ناجحة لمعالجة الأزمة المالية دون حضور جزائري.

ومن هذا المنطلق، فإن ما نشهده اليوم يعكس إدراكا متزايدا داخل باماكو بأن إدارة الأزمة عبر المقاربة العسكرية وحدها لم تحقق النتائج المرجوة، وأن العودة إلى الحوار مع الجزائر أصبحت ضرورة أكثر منها خيارا سياسيا.

 

برأيكم لماذا اختارت مالي هذا التوقيت بالذات لإعادة التقارب مع الجزائر؟

السبب يرتبط أساسا بالتحولات الميدانية التي شهدتها مالي خلال الأشهر الأخيرة.

لقد دخلت البلاد مرحلة بالغة الحساسية، إذ لم يعد التهديد الإرهابي محصورا في مناطق الشمال كما كان سابقا، وإنما امتد نحو مناطق قريبة من العاصمة باماكو، وهو تطور يعكس حجم التراجع الذي عرفته قدرة الدولة على التحكم في الوضع الأمني.

كما أن الهجمات التي استهدفت منشآت عسكرية ومواقع استراتيجية، إلى جانب تنامي نفوذ الجماعات المسلحة، وضعت المجلس العسكري أمام تحديات غير مسبوقة، الأمر الذي دفعه إلى إعادة تقييم الكثير من خياراته السياسية والأمنية.

وأعتقد أن هذا الواقع هو الذي جعل باماكو تعيد النظر في طبيعة علاقتها مع الجزائر، باعتبارها شريكا إقليميا لا يمكن تجاوزه عندما يتعلق الأمر باستقرار الساحل.

 

لكن المجلس العسكري كان يؤكد باستمرار أن انسحاب القوات الغربية واستعادة السيادة الوطنية سيقودان إلى تحسين الوضع الأمني، فهل تحقق ذلك؟

إذا عدنا إلى الخطاب الرسمي لدول تحالف الساحل خلال الأشهر الماضية، سنلاحظ أنه قام على فكرة أساسية مفادها أن الإرهاب ارتبط بالتدخلات الأجنبية، وأن استعادة القرار السيادي كفيلة بإعادة الاستقرار.

وقد ظهر هذا الخطاب بوضوح خلال الندوة التي نظمها مركز “ستيمسون” بواشنطن، والتي جمعت سفراء مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث قدموا رواية سياسية موحدة تؤكد رفض أي عودة للقوات الغربية، وتشكك في التقارير الدولية الخاصة بالأوضاع الأمنية وحقوق الإنسان.

لكن عندما نقارن هذا الخطاب بما يجري على الأرض، نجد صورة مختلفة تماما.

فالواقع يؤكد أن الوضع الأمني في منطقة الساحل عرف تدهورا ملحوظا بعد انسحاب القوات الفرنسية وإنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة، كما أن الجهات التي راهنت عليها السلطات المالية لتعويض هذا الفراغ لم تتمكن من تحقيق تحول حقيقي في الميدان.

ولهذا فإن الحديث عن السيادة لا ينبغي أن يقتصر على إخراج القوات الأجنبية، وإنما يقاس أيضا بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين حدودها وفرض سلطتها على كامل ترابها الوطني، وهي أهداف لا تزال تواجه تحديات كبيرة.

في شؤونها الداخلية، والعمل على إيجاد حلول سياسية توافقية تحفظ وحدة الدول واستقرارها.

ولهذا أرى أن إعادة فتح المجال الجوي وعودة السفير المالي لا تمثلان مجرد إجراءين دبلوماسيين، بل تعكسان إدراكا متزايدا داخل باماكو بأن التنسيق مع الجزائر أصبح ضرورة تفرضها التطورات الميدانية، وأن أمن البلدين مترابط بحكم الجغرافيا وتشابك التحديات الأمنية في منطقة الساحل.

 

كيف تنظرون إلى مستقبل العلاقات الجزائرية-المالية؟

إذا استمر هذا المسار الإيجابي، فأعتقد أن العلاقات بين البلدين مرشحة لاستعادة زخمها تدريجيا، لأن هناك مصالح استراتيجية مشتركة تتجاوز أي خلافات ظرفية.

استقرار مالي يمثل مصلحة مباشرة للجزائر، كما أن استقرار الجزائر ينعكس إيجابا على مالي ومنطقة الساحل ككل. ومن هنا فإن الحوار والتنسيق الأمني والسياسي يظلان الخيار الأكثر واقعية لمواجهة التحديات المشتركة.

وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستتطلب تكثيف التشاور بين البلدين، وإحياء قنوات التعاون في مختلف المجالات، لأن معالجة أزمات الساحل لا يمكن أن تقوم على الحلول العسكرية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى مقاربات سياسية وتنموية تعالج جذور الأزمة وتمنح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للاستقرار والتنمية.

لقد أثبتت التجارب خلال السنوات الماضية أن الأمن في الساحل مسؤولية جماعية، وأن أي اختلال في مالي ستكون له انعكاسات مباشرة على دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر. لذلك فإن التقارب الحالي بين الجزائر ومالي يمثل، في تقديري، فرصة مهمة لإعادة بناء الثقة، وفتح صفحة جديدة من التعاون لمواجهة التحديات المشتركة وخدمة أمن واستقرار المنطقة

بأسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *