خبراء وباحثون يثمنون عبر «أصوات» قرار الرئيس إنشاء الوكالة الوطنية للآثار من الآثار إلى الثروة الوطنية.. الجزائر تعيد رسم خريطة التراث كاستثمار سيادي
يفتح قرار إنشاء الوكالة الوطنية للآثار تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية ،نقاشا أوسع من مجرد استحداث هيئة جديدة، بالنظر إلى ما يطرحه من إعادة ترتيب للأدوار في مجال البحث والحماية والتسيير، وما قد يترتب عنه من انتقال بالتراث الأثري من منطق التكفل الإداري المتعدد الأطراف إلى رؤية وطنية أكثر تنسيقًا واستراتيجية.
نوال الهواري
وفي هذا السياق، تبرز جملة من التحديات، من بينها تشتت الجهود البحثية بين مختلف المؤسسات والمراكز والجامعات، والحاجة إلى جرد علمي ورقمنة شاملة للمواقع الأثرية، إلى جانب إعادة تحديد أولويات الحفريات والبحث في الحقب والمواقع التي لا تزال بحاجة إلى دراسة أعمق.وبهذا يكون قرار انشاء الوكالة دفعًا جديدًا، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز حضور الباحث الجزائري في إنتاج المعرفة المتعلقة بتراث البلاد، ما يعكس القرارات الوجيهة للسلطة العليا في البلاد بأن الآثار ليس فقط ذاكرة وإنما رافد سيادي وإقتصادي استراتيجي .
ولا يتوقف الرهان عند حماية المواقع من الاعتداءات والحفر غير القانوني والاتجار بالممتلكات الثقافية، بل يمتد إلى كيفية تحويل هذا التراث إلى مورد ثقافي وسياحي ، وربط حماية المواقع بالتنمية المحلية وإشراك المجتمعات المحيطة بها، بما يجعلها شريكا في حمايتها ومستفيدًا من تثمينها.
وبين مراجعة الإطار القانوني، وتحديث آليات التصنيف والحماية، وتطوير قاعدة بيانات وطنية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات والأجهزة الأمنية والقضائية والجماعات المحلية، تطرح الوكالة الوطنية للآثار أمام الجزائر فرصة لإعادة بناء استراتيجية متكاملة للبحث والحماية والتثمين، تستند إلى خصوصية التراث الجزائري وتنوعه وامتداده الجغرافي والحضاري.
——————————
الدكتور أمين كرطالي أستاذ تاريخ بجامعة المدية : الآثار تعيد قراءة التاريخ وتصنع قيمة التراث
يرى الدكتور أمين كرطالي، أستاذ التاريخ بجامعة المدية، أن ربط المواقع الأثرية بسياقها التاريخي من شأنه أن يعزز فهم قيمتها باعتبارها إرثًا حضاريًا، موضحًا أن إثبات قِدم الموقع والتأكد من أن العناصر التي أنجزته محلية يعززان دلالته على فاعلية الجزائري عبر التاريخ، باعتباره صانعًا للتاريخ ومساهمًا في الحضارة الإنسانية.
ويضيف أن تحديد الإطار الزمني للموقع الأثري يكتسي أهمية كبيرة في الدراسات الحضارية، باعتباره يسمح بفهم طبيعة المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها الموقع ومختلف خصائصها.
وفي ما يتعلق بإمكانية أن تساهم الاكتشافات الأثرية في إعادة قراءة بعض صفحات التاريخ، يلفت الدكتور كرطالي إلى أن الكتابة التاريخية ليست علمًا دقيقًا كالرياضيات، وإنما هي من العلوم الإنسانية المنفتحة على احتمالات وقراءات وتأويلات متعددة. ومن هنا، فإن ما يقدمه الموقع الأثري من قطع أثرية وعملات نقدية وكتابات شواهدية ونصب جنائزية ومنحوتات وغيرها، يمكن أن يشكل أدلة ترجح بعض القراءات والآراء التاريخية.
ويشير إلى أن المعاينة الميدانية للمواقع الأثرية قد تقود في كثير من الأحيان إلى مراجعة قناعات تاريخية سابقة، مستشهدًا في هذا السياق بعبد الرحمن بن خلدون، الذي فنّد بعض المعلومات المتعلقة بوقائع تاريخية استنادًا إلى معرفته بالمواقع.
أما في مجال تثمين التراث، فيرى الدكتور كرطالي أن التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي يفتحان آفاقًا جديدة لإعادة تقديم المواقع الأثرية القديمة، من خلال برامج المحاكاة والتصاميم الافتراضية وتحويلها إلى عروض سينمائية داخل قاعات مجهزة بشاشات متعددة الأبعاد. ومن شأن هذه التقنيات، بحسبه، أن تكون مصدر إلهام للباحثين، وأن تجعل الجزائري أكثر ارتباطًا بتاريخه واعتزازًا بتراثه وإدراكًا لقيمته، بما يعزز المحافظة عليه.
ولا يغفل الدكتور كرطالي البعد الاقتصادي لهذا التوجه، معتبرًا أن هذه القاعات والعروض يمكن أن تحقق مداخيل تساهم في دعم الاقتصاد، وهو ما يجعل مواكبة الثورة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والاستثمار في إمكاناته ضرورة لتثمين التراث الأثري.
——————————
عبد القادر دحدوح استاذ بجامعة تيبازة :
استقلالية الوكالة وصلاحياتها تسمح بجعل التنقيب وحماية المواقع من أولوياتها
أكد البروفيسور عبد القادر دحدوح أن إستحداث الوكالة الوطنية للآثار يمثل قرارًا مهمًا لتثمين التراث الأثري وإدماجه فيالحركة الاقتصادية من خلال تنشيط السياحة والتنمية وإيرادات الدولة، معتبرًا أن استقلالية الوكالة وصلاحياتها ستسمحبجعل البحث والتنقيب وحماية المواقع من خلال شرطة الآثار، من أولوياتها.، ضف إلى دعم وتمويل عملياته التي ظلت فيكثير من الأحيان تعتمد على مبادرات فردية لأساتذة وباحثين جامعيين.
كما اعتبر محدثنا أن هذه الهيئة الجديدة يمكن أن تفتح آفاقًا واسعة أمام اكتشاف مواقع ومدن تاريخية لا تزال أجزاء كبيرةمنها مدفونة في باطن الأرض.
وأشار إلى أن الجزائر تتوفر على مؤسسات علمية متخصصة، على غرار المركز الوطني للبحث في الآثار، وكذا المركز الوطنيللبحث في ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، التابعين لوزارة الثقافة والفنون.
غير أنه يرى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى حفريات علمية واستراتيجية تستهدف المواقع الكبرى، وليس الاكتفاءبالحفريات المرتبطة بالإنقاذ أو بالمشاريع الاستعجالية، لاسيما أن الجزائر تزخر بمدن تاريخية وأثرية مندثرة يمكن أنتكشف عمليات التنقيب فيها عن معالم ومدن ذات أهمية كبيرة.
وفي هذا السياق، ذكر البروفيسور دحدوح عددًا من المواقع والمدن التاريخية، على غرار تيديس بقسنطينة، وبادس، وبلزمة،وداروش، وأشير، وقلعة بني حماد، إضافة إلى تيهرت الرسومية وتيكدمت وقلعة الأمير عبد القادر بولاية سعيدة، وغيرها منالمدن التاريخية المندثرة التي لا تزال أجزاء مهمة من معالمها الأثرية لم تكشف عنها الحفريات.
وأضاف أن تنظيم عمليات تنقيب واسعة في هذه المواقع يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف مدن أثرية كبيرة سيكون لها صدىعلمي وإعلامي وسياحي واسع، مؤكدًا أن أهمية هذه الاكتشافات لن تقتصر على الجانب التاريخي والأثري، وإنما ستنعكسأيضًا على الحركية السياحية والتنمية المحلية في الولايات والمناطق التي تحتضن هذه المواقع.
واستشهد في هذا الإطار بما تمثله المواقع الأثرية الكبرى، مثل تيمقاد وتيبازة وجميلة، من وجهات سياحية مهمة، موضحًاأن المواقع الأثرية المعروفة تستقطب أعدادًا معتبرة من الزوار، وأن اكتشاف مدن تاريخية جديدة بحجم وأهمية هذهالمواقع من شأنه أن يخلق حركية سياحية واقتصادية جديدة في ولايات أخرى، على غرار تيارت وقسنطينة وسوق أهراسوالمدية والمسيلة وغيرها.
وشدد البروفيسور دحدوح على أن استحداث الوكالة الوطنية للآثار سيسمح، من دون شك، بتخصيص ميزانية وإمكاناتخاصة بالبحث والتنقيب، بما يمكن من الانتقال من المبادرات الفردية والمحدودة إلى برامج وطنية منظمة وطويلة المدى،تستهدف المواقع ذات القيمة التاريخية والأثرية الكبرى.
وأشار إلى أن دعم البحث الأثري زيادة على ما سبق توفير الإمكانات العلمية والتقنية والبشرية اللازمة، بما يسمح باستغلالنتائج الحفريات في دراسة تاريخ الجزائر وإعادة قراءة مراحل مهمة من ماضيها الحضاري.
كما أكد أن من بين الأدوار المهمة التي يمكن أن تضطلع بها هذه الهيئة العمل على إعداد وتطوير ملفات تصنيف المواقعوالمعالم الأثرية الجزائرية ضمن قائمة التراث العالمي، معتبرًا أن الجزائر مطالبة باستدراك التأخر المسجل في هذاالمجال، وإبراز المواقع التي تستوفي معايير القيمة العالمية الاستثنائية.

