الوكالة الوطنية للآثار… من قرار إنشاء مؤسسة جديدة إلى إعادة بناء منظومة وطنية للبحث والحماية والجرد والتثمين
البروفيسور أ.د. ياسين رابح حاجي يدعو إلى جمع الكفاءات حول مشاريع وطنية متعددة التخصصات، وإنشاء شبكة تربط الجامعات ومراكز البحث والمخابر بالمشاريع الأثرية
حاورته :نوال الهواري
يرى البروفيسور أ.د. ياسين رابح حاجي مدير مخبر البناء الحضاري للمغرب الأوسط الجزائر LECMMA أن قرار إنشاء الوكالة الوطنية للآثار لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد إضافة مؤسسة جديدة إلى قطاع الثقافة، وإنما كفرصة لإعادة التفكير في طريقة إدارة التراث الأثري في الجزائر، من البحث والتنقيب والجرد إلى الحماية والحفظ والتثمين.
ويعتبر أن الجزائر تمتلك رصيداً أثرياً واسعاً يمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترات القديمة والإسلامية والعثمانية والاستعمارية، وهو ما يفرض، برأيه، بناء منظومة أكثر تكاملاً للتعامل مع هذا التراث، خصوصاً في ظل وجود مواقع لم تدرس بالقدر الكافي، وأخرى تحتاج إلى مزيد من التوثيق والحماية والصيانة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن الاختبار الحقيقي للوكالة لن يكون في حجم هيكلها الإداري، وإنما في قدرتها على إحداث تغيير فعلي في الميدان.
من إدارة الحفريات إلى إدارة المنظومة الأثرية
يؤكد البروفيسور رئيس تحرير مجلة دراسات تراثية، أن أهم تحول ينبغي أن تحمله الوكالة هو الانتقال من التعامل المنفصل مع الحفر والجرد والحماية والمتاحف والبحث العلمي إلى منظومة واحدة.
فالعمل الأثري، بحسبه، لا ينتهي عند اكتشاف اللقية، وإنما يبدأ منه مسار يشمل التسجيل والتوثيق والحفظ والدراسة والتحليل والتأريخ والنشر، وصولاً إلى حماية الموقع وتثمينه.
ويرى أن الوكالة يمكن أن تؤدي دوراً وطنياً في جمع هذه الحلقات وتنسيقها، وتحويل المبادرات العلمية الفردية إلى مشاريع أثرية وطنية طويلة المدى، بحيث يصبح كل اكتشاف جزءاً من مسار مؤسساتي واضح.
بناء منظومة داعمة للباحث:
ويشير البروفيسور إلى أن تجربة العمل الميداني، ومنها مشروع تهودة، أظهرت أن الحفرية الأثرية ليست مجرد عملية حفر، وإنما مشروع علمي يحتاج إلى التجهيز والتمويل والنقل والإقامة والحماية وحفظ اللقى والتحليل والترميم، إضافة إلى تنسيق مختلف التخصصات.
ولهذا يقترح أن تعمل الوكالة على وضع إطار وطني واضح للعمل الأثري يحدد مراحل الحفريات ومسؤوليات مختلف المتدخلين وشروط التوثيق والحفظ والتحليل والنشر.
كما يمكنها، وفق رؤيته، توفير وحدات تقنية وخدمات مشتركة يستفيد منها الباحثون في مختلف المناطق، بما يسمح بتحويل العمل الأثري من مبادرات مرتبطة بإمكانات كل فريق إلى مشاريع مؤسساتية أكثر استقراراً واستمرارية.
الجامعة شريك أساسي للوكالة
ولا يرى رابح حاجي مدير مشروع حفرية تهودة الأثرية المسجل في المخبر معهد الآثار – جامعة الجزائر أن الوكالة ينبغي أن تنشئ منظومة بحثية موازية للجامعة، مؤكداً أن الجزائر تمتلك كفاءات ومخابر متخصصة في الآثار والتاريخ والترميم والجيولوجيا والجيوفيزياء والهندسة ونظم المعلومات الجغرافية وغيرها.
ويقترح أن تتولى الوكالة جمع هذه الكفاءات حول مشاريع وطنية متعددة التخصصات، وإنشاء شبكة تربط الجامعات ومراكز البحث والمخابر بالمشاريع الأثرية.
فالموقع الواحد، كما يوضح، قد يحتاج إلى الأثري والمهندس المعماري والجيولوجي والجيوفيزيائي والمرمم وخبير المواد ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، وهو ما يجعل التنسيق بين مختلف التخصصات أحد الأدوار الأساسية للوكالة.
سجل أثري وطني رقمي وديناميكي
ومن بين الملفات التي يوليها البروفيسور أهمية خاصة إنشاء سجل أثري وطني رقمي موحد، لا يكتفي بتحديد مواقع التراث، وإنما يقدم صورة متكاملة عن كل موقع.
ويشمل ذلك، بحسب تصوره، حدود الموقع ومساحته وفترته التاريخية ودرجة حفظه والدراسات المنجزة حوله واللقى المكتشفة فيه، إلى جانب الصور والمخططات والوثائق والوضعية القانونية.
والأهم أن يكون هذا السجل ديناميكياً وقابلاً للتحديث المستمر، حتى لا تتحول الخريطة الأثرية إلى وثيقة جامدة.
ويرى أن قاعدة البيانات هذه يمكن أن تتحول إلى أداة لاتخاذ القرار، بحيث تحدد أولويات التدخل: فالموقع المهدد يحتاج إلى حماية عاجلة، والموقع الذي تنقصه المعطيات يحتاج إلى مسح، والموقع الغني بالمعطيات يحتاج إلى مشروع بحث، بينما الموقع القابل للتثمين يحتاج إلى خطة تهيئة واستقبال.
الجرد يجب أن يقود إلى الحماية
ويحذر رابح حاجي من اختزال الجرد في تسجيل المواقع وتصنيفها، معتبراً أن إدراج الموقع في القوائم الرسمية لا يعني بالضرورة أنه أصبح محمياً فعلياً.
ومن هنا، يرى أن الوكالة مطالبة بمتابعة حالة المواقع وتحديد المخاطر التي تواجهها وبرمجة التدخلات حسب الأولوية، مع تنسيق تدخل السلطات المحلية والقطاعات المعنية عندما تكون المواقع مهددة بالتوسع العمراني أو المشاريع الاقتصادية أو الاعتداءات أو العوامل الطبيعية.
وبذلك يتحول الجرد، في تصوره، من إجراء إداري إلى أداة مباشرة للحماية.
معالجة الإشكالات العقارية وتداخل الصلاحيات
ويعتبر البروفيسور أن الوضعية العقارية لبعض المواقع وتعدد المتدخلين من الملفات التي تحتاج إلى معالجة مؤسساتية.
ويقترح أن تضطلع الوكالة بدور وطني في التنسيق بين مختلف الأطراف ووضع آلية واضحة للتعامل مع الوضعيات العقارية للمواقع الأثرية، بما يمنع بقاء موقع خارج دائرة الحماية بسبب إشكال إداري أو تداخل في الصلاحيات.
التكنولوجيا لبناء قدرة وطنية في البحث والكشف
ويشدد رابح حاجي على أن العمل الأثري الحديث لم يعد يعتمد على الحفر التقليدي وحده، في ظل أهمية الجيوفيزياء والطائرات المسيّرة والاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية والتصوير الرقمي والنمذجة ثلاثية الأبعاد.
ويرى أن الوكالة يمكن أن تنشئ وحدات تقنية وطنية متنقلة تعمل مع الفرق الأثرية في مختلف المناطق، وتوفر الخبرة والتجهيزات المتخصصة.
كما يقترح إنشاء قاعدة رقمية موحدة للخرائط والصور ونتائج المسوحات والحفريات، بما يحافظ على الذاكرة العلمية للمواقع ويضمن استمرارية المعرفة الأثرية.
الآثار الوقائية.. حماية التراث قبل وقوع الضرر
ومن الأدوار الأساسية التي ينبغي أن تضطلع بها الوكالة، وفق البروفيسور، تطوير مفهوم الآثار الوقائية.
فلا ينبغي انتظار ظهور اللقى أثناء تنفيذ مشروع طريق أو سكة حديد أو سد أو منطقة صناعية أو توسع عمراني، وإنما يجب تحديد المخاطر الأثرية مسبقاً من خلال الخرائط الرقمية وخرائط المخاطر والمسوح الوقائية.
ويؤكد أن الهدف ليس تعطيل التنمية، وإنما ضمان تنفيذ المشاريع دون تدمير التراث الأثري، وجعل حماية التراث جزءاً من التخطيط التنموي منذ المراحل الأولى.
توضيح الإطار القانوني والمسؤوليات
ويرى رابح حاجي أن إنشاء الوكالة يمثل فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين مختلف المؤسسات والمتدخلين في العمل الأثري.
ويشدد على ضرورة وضوح المسؤوليات المتعلقة بمنح التراخيص ومتابعة الحفريات ومسؤولية المواقع وحفظ اللقى وتخزين البيانات ومتابعة التقارير ونشر النتائج، إلى جانب تحديد آليات التدخل عند ظهور مكتشفات أثرية أثناء تنفيذ المشاريع العمومية أو الخاصة.
كما يقترح إعداد دفتر شروط علمي وتقني موحد للعمل الأثري، يحدد مراحل المشروع ومسؤوليات مختلف المتدخلين وشروط التوثيق والحفظ والتحليل والنشر.
حماية الموقع بكل طبقاته التاريخية
ومن الناحية العلمية، يدعو البروفيسور إلى اعتماد مقاربة تنظر إلى الموقع الأثري باعتباره سجلاً متكاملاً للتاريخ.
فالوصول إلى الطبقات الأقدم، كما يوضح، لا ينبغي أن يكون على حساب الطبقات اللاحقة، لأن كل طبقة يمكن أن تقدم معلومات عن مرحلة من تاريخ المكان وتحولاته.
تحويل التجارب الميدانية إلى نماذج وطنية
ويرى البروفيسور أن التجارب الميدانية، ومنها تجربة تهودة، يمكن أن تقدم للوكالة دروساً مهمة حول احتياجات الباحث والموقع، غير أن الأهم هو تحويل هذه التجارب إلى نماذج ومعايير قابلة للتعميم.
فالوكالة، في تصوره، لا ينبغي أن تبدأ من الصفر، وإنما من تراكم التجربة الوطنية.
الوكالة فرصة لإعادة بناء السياسة الأثرية
وفي المحصلة، يرى البروفيسور ياسين رابح حاجي أن الوكالة الوطنية للآثار ينبغي ألا تتحول إلى مؤسسة إدارية أخرى، وإنما إلى مؤسسة وطنية لإنتاج المعرفة الأثرية والحماية والتنسيق والتدخل في الميدان.
ويخلص إلى أن التراث لا يحيا بمجرد اكتشافه، وإنما عندما يُفهم ويُحمى ويُحفظ ويُدار بطريقة علمية، ويُمنح مكانه الطبيعي في حاضر الجزائر ومستقبلها.

