قالت أن الجزائر تملك ثروة حضارية تمتد عبر طبقات زمنية متعاقبة فايزة رياش:
الوكالة الوطنية للتراث من ذاكرة الماضي إلى رافعة للعلم والتنمية
ترى فايزة رياش أستاذة بجامعة الجزائر 3 وباحثة في التراث، أن قرار رئيس الجمهورية إنشاء الوكالة الوطنية للآثار يتجاوز مجرد استحداث هيئة إدارية جديدة، لكونه يعكس إعادة تموضع للتراث الأثري باعتباره قضية وطنية ذات أبعاد علمية وحضارية وسيادية، وجزءاً من الهوية الوطنية.
نوال الهواري
وتعتبر رياش أن التوجيه الرئاسي الأخير، خلال اجتماع مجلس الوزراء، حدّد سقفاً واضحاً لطموح هذه الوكالة، من خلال الدعوة إلى إحداث «ثورة علمية» في مجال الآثار وإبراز عمق التراث الجزائري وتأثيره الحضاري. وترى أن وضع الوكالة تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية من شأنه أن يتيح الانتقال من منطق التسيير الإداري للتراث إلى بناء مشروع علمي وطني متكامل.
وتشير إلى أن الجزائر لا تملك مجرد مواقع ومعالم أثرية، بل ثروة حضارية تمتد عبر طبقات زمنية متعاقبة، من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترات القديمة والإسلامية والحديثة. وتستشهد في هذا السياق بموقع عين بوشريط، الذي تؤرخ مكتشفاته إلى نحو 2.4 مليون سنة، باعتباره أحد أبرز الشواهد على عمق الاستيطان البشري في شمال إفريقيا.
وبحسب الباحثة، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الثروة إلى مشروع علمي متكامل يقوم على البحث والتوثيق والدراسة والتثمين، وربط التراث بالتنمية الاقتصادية، بما يندرج ضمن ما يعرف بالاقتصاد البنفسجي.
وترى أن الوكالة يمكن أن تضطلع بدور «العقل العلمي» المنسق بين مختلف مجالات البحث الأثري، بما يشمل الحفريات والدراسات الأثرية والأنثروبولوجيا والتاريخ والترميم والأرشيف والرقمنة. كما تقترح إنشاء قاعدة وطنية موحدة للتراث الأثري، تتضمن لكل موقع ملفاً علمياً ورقمياً متكاملاً يضم موقعه وتاريخه وطبقاته الأثرية ونتائج الحفريات واللقى والصور والخرائط والدراسات والمراجع، إلى جانب تقييم حالته الراهنة.
وتؤكد أن الرقمنة في هذا السياق لا ينبغي أن تقتصر على بعدها الإداري، بل يجب أن تتحول إلى أداة لحماية الذاكرة الأثرية والحفاظ على المعلومات المتراكمة عبر الأجيال، فضلاً عن تعزيز الأمن الثقافي، خصوصاً أن التوثيق والرقمنة يساهمان في حماية الموروث الثقافي المادي، العقاري منه والمنقول، من مختلف أشكال المساس به، بالتنسيق مع فرق وخلايا حماية التراث التابعة للدرك الوطني والأمن الوطني والجمارك.
وفي هذا الإطار، تولي رياش أهمية خاصة لمفهوم «الثورة العلمية» الوارد في التوجيه الرئاسي، معتبرة أن المطلوب لا يقتصر على ترميم ما تم اكتشافه، وإنما يتعين أيضاً توسيع دائرة البحث لاكتشاف ما لا يزال مجهولاً. وتشير إلى وجود أكثر من 15 ألف موقع أثري مكتشف، مقابل عدد أكبر بكثير من المواقع التي لم تكتشف بعد، فضلاً عن الآثار المغمورة بالمياه التي لا تزال بحاجة إلى البحث والاستكشاف.
ومن هنا، ترى أن دعم الحفريات العلمية يستدعي تطوير المخابر المتخصصة، التي من شأنها توفير أدوات أكثر دقة لتأريخ المواد واللقى، وفتح المجال أمام تطور تخصصات متعددة، من بينها الأنثروبولوجيا الأثرية، وعلم الآثار البيئي، وعلم الآثار الرقمي، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات المسح الجيوفيزيائي والاستشعار عن بعد. كما سيساهم ذلك، وفقها، في تكوين جيل جديد من الباحثين والخبراء الشباب، والاستفادة من الكفاءات الجزائرية الموجودة في المخابر العالمية.
وترى الباحثة أن الحفريات العلمية لا تقتصر أهميتها على اكتشاف اللقى والمواقع، بل يمكن أن تسهم في إعادة قراءة التاريخ الجزائري انطلاقاً من الدليل الأثري. وتعتبر هذه النقطة ذات أهمية استراتيجية، إذ تتيح للوكالة المساهمة في تقديم قراءة علمية للتاريخ الجزائري، من خلال الجمع بين الأدلة الأثرية والمصادر التاريخية والأنثروبولوجية، بما يسمح بإبراز إسهام الجزائر في الحضارات المتوسطية والإفريقية والعالمية.
كما تطرح رياش إمكانية توظيف التراث الأثري في مجال الدبلوماسية الثقافية، باعتباره أحد عناصر القوة الناعمة للجزائر. فالمواقع الأثرية، من طاسيلي ن آزجر وتيبازة إلى كويكول وتيمقاد وقلعة بني حماد والقصبة ومواقع ما قبل التاريخ، لا تمثل، في نظرها، مجرد وجهات سياحية، وإنما تختزن ذاكرة حضارية ذات امتدادات إفريقية ومتوسطية وعالمية.
وتضيف أن هذا البعد يمكن أن يدعم حضور الجزائر في ملفات التراث لدى اليونسكو، ويعزز التعاون العلمي الدولي، من خلال البعثات الأثرية المشتركة والمشاريع البحثية والمعارض الدولية.
وتخلص رياش إلى أن وضع الوكالة الوطنية للآثار تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية يحمل، منذ الإعلان عنها، رسالة واضحة مفادها أن التراث الأثري لم يعد يُنظر إليه كملف قطاعي محدود، وإنما كرأس مال استراتيجي للدولة وذاكرة وطنية وعنصر من عناصر الأمن الثقافي، فضلاً عن كونه رافعة للتنمية والاقتصاد البنفسجي

