الباحث عبد الحميد بريجة في تصريحه لأصوات: إنشاء وكالة وطنية للآثار قرار سيادي و أولوية وطنية واقتصادية

← Back

تم إرسال رسالتك

← Back

تم إرسال رسالتك

،يفتح الحوار مع الدكتور حميد بريجة باحث في التراث الثقافي ، نقاشا حول مستقبل البحث والتنقيب الأثري في الجزائر، وسبل حماية التراث وتثمينه، مع التركيز على دور التكنولوجيا والجامعات في تطوير هذا المجال. كما يتناول أهمية وضع الوكالة تحت المسؤولية المباشرة لرئاسة الجمهورية، وما يمكن أن تحمله هذه الخطوة من دفع جديد للقطاع وتحويل التراث الأثري إلى رافد للثقافة والسياحة والاقتصاد الوطني.

حاورته:نوال الهواري

ما الذي يعنيه إنشاء الوكالة الوطنية للآثار بالنسبة لمستقبل حماية وتثمين الموروث الأثري الجزائري؟

هو قرار إيجابي يضاف إلى تلك الترسانة من القوانين التي جاءت لغرض حماية التراث الثقافي الجزائري، كعمليات التسجيل في اليونسكو والترويج والحماية. إضافة إلى كون الجزائر سجلت من قبل كثيرًا من المواقع التراثية والأثرية، وهو تجسيد للسياسة العليا للبلاد. هذه الخطوة أيضًا ستساهم في ريادة الجزائر إقليميًا في هذا المجال.

ما الذي ينقص البحث الأثري في الجزائر اليوم، وما الملفات التي ينبغي أن تكون في صدارة أولويات الوكالة؟

ما ينقص عمليات البحث الأثري في الجزائر هو وضع اليد على العجينة أولًا كما يقول المثل، من خلال الإسراع في إطلاق مشاريع التنقيب والبحث، وثانيًا التكوين بكمية في مجالات البحث الأثري في الجامعات، وتكثيف وتنويع التخصصات في الجامعة في علم الآثار، وأيضًا إعطاء الفرصة للخريجين من الشباب لولوج عالم البحث الأثري. الشهية تأتي مع الأكل، وهو ما ينقص فعلًا. نحتاج إلى جيل من الباحثين وعلماء الآثار قادرين على مواكبة الزمن التراثي الذي تحتاجه الجزائر، وما زالت مناطق كثيرة من بلدنا الحبيب تحتاج إلى البحث الأثري.

الملفات الأولية هي المناطق والآثار التي تشهد أضرارًا أو مهددة بالسقوط، الآثار المادية طبعًا كالمدن والقطاعات الأثرية، وخاصة التي هي بالقرب من المناطق السكنية. هذه الآلية تمنحنا عدم تفويت الفرصة في استرجاع هذه المواقع واستخدامها في البحث والدراسة.

رئيس الجمهورية تحدث عن إحداث «ثورة علمية» في مجال الآثار، خاصة في الحفريات. برأيكم، ما الذي يتطلبه تحقيق هذه الثورة على أرض الواقع؟

نعم، هي سياسة رشيدة جاءت لتكمل النقص الذي تعاني منه الجزائر كدولة غنية بالتراث الثقافي في مجال إثباته وتقديمه إلى الباحثين والسياح خصوصًا، ووضعه في خدمة السياحة. والثورة تكون في تسهيل العمليات الإدارية، وأيضًا التكوين المتخصص وحتى جلب التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال. الاحتكاك له قيمة كبيرة في امتلاك التجربة والخبرة، في مقابل أن الجزائر هي ورشة كبرى مفتوحة، بما أن مناطق كثيرة تستحق المغامرة والتنقيب.

كيف يمكن للوكالة أن تعزز دور الباحثين والجامعات ومخابر البحث في عمليات التنقيب والدراسة الأثرية؟

الوكالة هي المؤسسة التي سترفع كل تلك العراقيل بشتى أنواعها، من خلال وضع السياسات والبرامج والتكوين والورشات، مع العمل بالتعاون مع الجامعات في مجال تحديد المناطق الأثرية والترخيص للبحث الأثري ومساعدة الباحثين وتسهيل عمليات البحث من خلال التنسيق النوعي مع الإدارات المختصة.

هل يمكن أن تساهم التكنولوجيا الحديثة، كالرقمنة والذكاء الاصطناعي وتقنيات المسح الجغرافي، في تسريع اكتشاف المواقع الأثرية وحمايتها؟

فعلاً، التكنولوجيا الحديثة هي سلاح فتاك في عمليات الاستكشاف وتسهيلها. التكنولوجيا الحديثة تتميز بالدقة أولًا، ثم السهولة والفعالية، وخاصة السرعة، لأنها تمكننا من ربح الوقت والتقدم في عمليات البحث الأثري من خلال التعمق والتوغل أكثر. بالذكاء الاصطناعي مثلًا يمكن الوصول إلى أبعد منطقة في هذا المجال، وأيضًا تخيل المدن الأثرية كما كانت في وقتها، وحتى المسح الرقمي الحديث ليس كما كان قبل سنوات، فهو دقيق ورقمي أكثر.

إلى أي مدى يمكن أن تساهم الاكتشافات الأثرية الجديدة في إعادة قراءة التاريخ الحضاري للجزائر وإبراز مكانتها في حوض المتوسط وإفريقيا؟

الاكتشافات المتوقعة مستقبلًا، خاصة من طرف وكالة الآثار المستجدة، ستكون عظيمة ومبهرة، لأن الجزائر تتربع على موروث أثري كبير جدًا، وسيكون الاكتشاف ليس إلا وسيلة من أجل تدعيم كل تلك الدراسات المكتوبة، خاصة في القرن التاسع عشر والعشرين، وهو ما سيعطي البعد العالمي للجزائر أكثر فأكثر.

كيف يمكن الانتقال من مجرد المحافظة على المواقع الأثرية إلى تثمينها وتحويلها إلى فضاءات للمعرفة والسياحة الثقافية والتنمية المحلية؟

أظن أن الوكالة الوطنية للآثار ليس لها فقط دور الاكتشاف والحماية، بل سيكون لها أيضًا دور رئيس، ألا وهو الترويج لما تمتلكه الجزائر من مقومات كبيرة جدًا في السياحة الأثرية خاصة والثقافية عمومًا.

سيكون من المهم جدًا ربط الاكتشافات بالسياحة والدراسات العليا وتبادل البعثات واستقبال العلماء في الآثار، وأيضًا الاحتكاك بهم، وأيضًا العمل على جعل الآثار رافدًا اقتصاديًا آخر لتدعيم السياحة وجعلها تساهم في الدخل الفردي والوطني، كما هو معمول به في الدول المتطورة.

ما الذي يمكن أن تفعله الوكالة لمواجهة الاعتداءات على المواقع الأثرية والاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية؟

نعم، الحماية من الاعتداءات والاتجار غير المشروع بالآثار أظن أنه سيكون أولوية مباشرة أو غير مباشرة في عمل الوكالة، كيف لا وعمليات التنقيب والاستكشاف تجعل من تلك المواقع مواقع محمية بطريقة آلية. أيضًا يمكن إصدار قوانين من طرف الوكالة لتنظيم هذا السوق الكبير بمختلف أطيافه، الوكالة سيكون لها دور مهم في الناحية القانونية. ولا أظن أن الوكالة الوطنية للآثار ستدخر أي جهد في تعزيز الكفاءة في جميع المستويات، وربما ستتدخل حتى في الجانب التوعوي في إشراك المواطن في عمليات الحماية والإبلاغ خاصة.

هل تعتقدون أن الجزائر تحتاج إلى إعادة تنظيم علاقتها بالتراث الأثري، خصوصًا في ظل اتساع المشاريع التنموية والعمرانية التي قد تتقاطع مع مواقع أثرية غير مكتشفة؟

نعم، تنظيم العلاقة خاصة أولًا في إطلاق مشروع وطني للاستكشاف، وأيضًا شجاعة مؤسساتية تعطي الأولوية للآثار حتى ولو على حساب مدن مبنية أو استثمارات، لأن هذه الأخيرة يمكن تغيير مقرها أو نقلها، أما الآثار فهي ممتلكات ثقافية لا تنقل ولا تغير بحكم حتى القوانين الموضوعة مسبقًا، ولذلك هذا ما ينقص حقيقة في أرض الواقع في بلادنا، مع أيضًا إشراك عدد كبير من الباحثين في عمليات الاستكشاف.

نحتاج أيضًا كأولوية قصوى إلى انفتاح الوكالة على الخارج ونقل التكنولوجيا والتجارب الناجحة في الخارج ووضعها في إنجاح مشاريع الوكالة مستقبلًا.

ما أهمية امتلاك الجزائر هيئة وطنية متخصصة تتمتع بالإمكانات اللازمة للقيام بالحفريات والدراسات وحماية المواقع الأثرية؟

أهمية الوكالة الوطنية للآثار في بلادنا من حيث الاستقلالية المالية والإدارية هي السرعة في عمليات البحث والحماية، وأيضًا الحرية في المبادرة، والتنوع في الفرص وأيضًا الإبداع، لأنها مستقلة بذاتها وتسير من طرف أصحاب الاختصاص والفاعلين غير المباشرين والسلطات المعنية.

الوكالة التي تتكون من آليات ومجلس وإدارة وفرق، كل هذا سيكون له الفائدة الكبيرة على هذا القطاع الاستراتيجي. حتمًا الشراكة عنصر أساسي، خاصة مع الجامعات التي تخرج باحثين في الآثار، تخرج أيضًا أصحاب شهادات نحتاج إلى تربصات ربما ستشرف عليها الوكالة، بما أننا ما زلنا نحتاج إلى يد عاملة مؤهلة في هذا الميدان. وبالنظر إلى حجم الرصيد الأثري الذي تزخر به الجزائر.

كيف تقرؤون قرار وضع الوكالة تحت الوصاية المباشرة لرئاسة الجمهورية؟ وما الرسالة التي يحملها ذلك بشأن مكانة التراث الأثري ضمن الأولويات الوطنية؟

فعلاً، هذا القرار أكثر من صائب، لأن عمل الوكالة حساس ويتطلب عناية خاصة واستقلالية تعطيها الفعالية في عملها، وسلاسة وكثيرًا من الانسيابية والمرونة. أما وضعها تحت المسؤولية المباشرة لرئاسة الجمهورية، فهذا يدل على العناية والاهتمام والأولوية التي يُعنى بها هذا الميدان لدى رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس في الواقع القريب ثورة تكون جد مفيدة للاقتصاد الوطني والثقافة والتراث الثقافي في الجانب الإيجابي طبعًا.

هي رسالة قوية تحمل في طياتها أن الآثار أولوية وطنية واقتصادية وتحدٍ يجب ربحه من خلال توظيفه في الازدهار والرقي، كتلك النماذج في مختلف بلدان العالم.

إذا نجحت الوكالة في تحقيق أهدافها، كيف يمكن أن يتغير وجه قطاع الآثار في الجزائر خلال السنوات المقبلة؟

إذا كان وضع الوكالة الوطنية للآثار تحت مسؤولية مؤسسة الرئاسة وإعطاؤها تلك الصلاحية والاستقلالية المالية والإدارية، سيكون النجاح حليفها طبعًا، كيف لا وهي التي تخطط وتسير وتمول وتكون وتشرف مباشرة في الميدان دون اللجوء إلى أخذ التراخيص.

فالترميم مثلًا أيضًا أضحى أولوية الأولويات، وسياسة تتبعها معظم الدول، وذلك في سبيل الرقي بالتراث الثقافي. الترميم يأتي دائمًا بعد التنقيب والاستكشاف الذي يعد الخطوة الركيزة والضرورية.

إذن عمل الوكالة سيتمدد حسب الحاجة ويتكيف حسب التطلعات والأهداف، وكل هذا تسهله الاستقلالية التي تتمتع بها من البداية.

سيكون هذا الميدان مدرًا للفائدة ومصدرًا من مصادر الاقتصاد الوطني وجالبًا للثروة ووجهًا آخر للسياحة والترويج لمكانة الجزائر كبلد متنوع الثقافات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *