من باطن الأرض إلى طاولة التفاوض المياه العابرة للحدود…من مورد مشترك إلى رهان جيوسياسي
لم تعد المياه الجوفية العابرة للحدود مجرد مورد طبيعي مشترك بين الدول، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في حسابات الأمن والسيادة والاستقرار الإقليمي، خصوصا في منطقة تعاني أصلا من ندرة الموارد المائية وتزايد الطلب عليها. وفي قلب هذه المعادلة يبرز نظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية الكبرى، المعروف بـSASS، الذي تتقاسمه الجزائر وتونس وليبيا ويمتد على مساحة شاسعة تتجاوز الحدود السياسية للدول الثلاث.
نوال الهواري
وتطرح طبيعة هذا الخزان المشترك سؤالا يتعدى كيفية استغلال المياه إلى كيفية إدارة مورد استراتيجي لا تعترف حركته الجوفية بالحدود السياسية. فزيادة الضخ في دولة قد تنعكس على التوازن المائي في دولة أخرى، فيما يفرض توسع الزراعة وتغير أنماط الاستهلاك والضغوط المناخية إعادة النظر في قواعد الاستغلال والتنسيق وتبادل البيانات.
ومن هنا، يكتسب SASS بعدا جيوسياسيا متزايدا، إذ يضع الجزائر وتونس وليبيا أمام اختبار القدرة على تحويل مورد مشترك قابل للتأثر بالضغوط إلى مجال للتنسيق والتعاون، بدل أن يصبح مصدر توتر مستقبلي. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم المخزون المائي، وإنما أيضا بقدرة الدول الثلاث على بناء آليات مشتركة للمعرفة والمراقبة واتخاذ القرار، بما يضمن حماية المورد واستدامته ويحافظ على المصالح الوطنية لكل طرف.
وفي ظل التحولات التي تشهدها منطقة المغرب العربي، يفتح ملف المياه العابرة للحدود نقاشا أوسع حول الدبلوماسية المائية، وتقاطع الأمن المائي مع الأمن الغذائي والتنمية في المناطق الصحراوية، ومدى قدرة التعاون الإقليمي على مواكبة مورد استراتيجي يتقاسم الجميع الاعتماد عليه.
فكيف يمكن للدول الثلاث أن توازن بين حاجتها المتزايدة إلى المياه وحماية خزان جوفي مشترك لا يتوقف عند الحدود السياسية؟ وهل تنجح الدبلوماسية المائية في تحويل تقاسم هذا المورد الاستراتيجي إلى أداة للتعاون والاستقرار الإقليمي، بدل أن يتحول مستقبلا إلى مصدر للتوتر الحدود السياسية للدول الثلاث.
لم تعد المياه الجوفية المشتركة بين الجزائر وتونس وليبيا مجرد ملف تقني يدار عبر اللقاءات وتبادل المواقف، بعدما انتقلت الدول الثلاث إلى خطوة أكثر مؤسساتية من خلال إنشاء آلية دائمة للتشاور حول إدارة هذه الموارد، يكون مقرها في الجزائر العاصمة.
ويأتي هذا التطور بعد القمة التشاورية التي جمعت قادة الدول الثلاث في تونس، والتي أعطت دفعا سياسيا لمسار التعاون في ملف المياه الجوفية بالصحراء الشمالية، قبل أن يترجم ذلك بعد يومين إلى اتفاق وزاري يضع إطارا مشتركا للعمل.
من التنسيق التقني إلى آلية ثلاثية دائمة
تحمل الخطوة دلالة تتجاوز إنشاء هيئة للتنسيق، إذ تضع مسألة المياه الجوفية المشتركة ضمن أجندة التعاون الاستراتيجي بين الجزائر وتونس وليبيا، في ظل الحاجة إلى معرفة أدق بحجم هذه الموارد ووضعيتها ومعدلات استغلالها.
وتأتي أهمية هذا المسار من طبيعة المياه الجوفية العابرة للحدود، حيث يمكن أن تؤثر أنماط الاستغلال في جزء من الحوض على أجزاء أخرى تقع داخل الدولتين أو الدولة الأخرى، ما يجعل التنسيق وتبادل المعطيات عنصرا أساسيا في إدارة المورد.
البيانات المشتركة.. أساس إدارة المورد
يتمثل أحد أبرز مرتكزات الآلية الجديدة في تبادل البيانات والمعلومات، وهو عنصر أساسي لأي إدارة مشتركة للمياه الجوفية.
فبناء سياسات مستدامة يقتضي توفر معطيات دقيقة حول المخزون المائي، ومستويات الاستغلال، ومعدلات السحب، والتغذية الطبيعية للخزانات، إلى جانب رصد التحولات التي يمكن أن تؤثر على استدامة المورد.
ومن هنا، فإن توحيد أو تنسيق طرق جمع البيانات بين الدول الثلاث يمكن أن يشكل إحدى أهم المهام التي ستواجه الآلية الجديدة.
الصحراء الشمالية.. مورد مائي يتجاوز الحدود
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في الصحراء الشمالية، حيث تمثل المياه الجوفية موردا حيويا للسكان والأنشطة الاقتصادية والفلاحية، ما يجعل الحفاظ عليها مرتبطا مباشرة بمستقبل التنمية في المناطق التي تعتمد عليها.
وفي هذا السياق، شددت الدول الثلاث على مبدأ سيادة كل دولة على مياهها الجوفية، بالتوازي مع التأكيد على ضرورة تطوير مقاربة جديدة للحفاظ على المصالح المشتركة وتعزيز التعاون والتنسيق في مجال الموارد المائية.
وهنا تبرز معادلة أساسية في إدارة الأحواض الجوفية العابرة للحدود: كيف يمكن للدول أن تحافظ على سيادتها على مواردها، وفي الوقت نفسه تضمن عدم تحول الاستغلال المنفرد إلى مصدر ضغط على المورد المشترك؟
السيادة الوطنية في مواجهة الطبيعة العابرة للحدود
الاتفاق الثلاثي يضع مبدأ السيادة في صلب التعاون، لكنه في الوقت نفسه يقر بأن طبيعة المورد تفرض مستوى من التنسيق بين الدول.
فالمياه الجوفية لا تتوقف عند الحدود السياسية، الأمر الذي يجعل حماية المورد مرتبطة بقدرة الدول على تبادل المعلومات وفهم حركة المياه ومستويات الاستغلال والتغيرات التي تطرأ على الخزانات.
وبالتالي، فإن احترام سيادة كل دولة لا يلغي الحاجة إلى إدارة أكثر تنسيقا، بل يمكن أن يشكل أساسا لاتفاقات عملية تحدد المسؤوليات وآليات تبادل المعلومات والرصد.
البحث العلمي والتمويل.. اختبار الآلية الجديدة
لا يتوقف نجاح الآلية على الجانب السياسي والمؤسساتي فقط، إذ سيكون إدماج مؤسسات البحث العلمي وتوفير التمويل والدعم من العوامل الحاسمة في تحويلها إلى أداة عملية.
فالبيانات المتعلقة بالمياه الجوفية تحتاج إلى معالجة علمية مستمرة، تشمل الرصد والتقييم والنمذجة ودراسة تطور المخزون، بما يسمح للدول الثلاث باتخاذ قرارات تستند إلى معطيات علمية.
ولهذا فإن التعاون بين الهيئات الحكومية ومراكز البحث والجامعات يمكن أن يمنح الآلية بعدا علميا يتجاوز التنسيق الإداري.
الأمن المائي والغذائي.. أبعاد تتجاوز قطاع المياه
لا يرتبط الملف بالمياه وحدها، فالجانب التونسي ربط الآلية الجديدة بالأمن المائي والغذائي، بينما أكدت الأطراف الثلاثة أهمية المياه الجوفية باعتبارها موردا استراتيجيا وحيويا.
ويعكس ذلك اتساع مفهوم الأمن المائي ليشمل ليس فقط ضمان توفر المياه، وإنما حماية مصادرها واستدامتها، خاصة في ظل ارتباط المياه بالإنتاج الفلاحي والتنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
من الاتفاق إلى التنفيذ الميداني
يبقى التحدي الحقيقي أمام الآلية الثلاثية في الانتقال من الاتفاق السياسي إلى العمل الميداني.
ويبدأ ذلك ببناء قاعدة بيانات مشتركة، وتحديد آليات منتظمة لتبادل المعلومات، ووضع برامج للرصد والتقييم، وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية، ثم تطوير مقاربات مشتركة للحفاظ على المورد وترشيد استغلاله.
وبذلك، فإن قيمة الاتفاقية لن تقاس بمجرد إنشاء الآلية، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة مشتركة بالمورد وتحويل هذه المعرفة إلى سياسات وإجراءات عملية.
بداية مسار جديد لحوكمة المياه الجوفية
تفتح اتفاقية الجزائر مرحلة جديدة في التعامل مع المياه الجوفية المشتركة في الصحراء الشمالية. فالخطوة تنقل الملف من مستوى التنسيق الظرفي إلى إطار مؤسساتي دائم، وتضع أمام الدول الثلاث مسؤولية بناء نموذج للتعاون يحافظ على سيادة كل دولة ويأخذ في الوقت نفسه بعين الاعتبار الطبيعة العابرة للحدود للمورد.
ومن هذا المنظور، فإن إنشاء الآلية الثلاثية يمكن أن يشكل بداية لمسار أطول عنوانه الانتقال من التعاون حول المياه إلى حوكمة مشتركة لمورد مائي عابر للحدود، مع الحفاظ على المصالح الوطنية واستدامة المورد للأجيال القادمة
اعتبر الخزانات الجوفية المشتركة لا تعترف بالحدود السياسية أحمد ميزاب :
حماية المياه العابرة للحدود تبدأ من بناء قدرة تفاوضية جزائرية

رهَن الخبير الدولي في الشأن السياسي أحمد ميزاب حماية الجزائر لمواردها المائية العابرة للحدود بقدرتها على الانتقال من مجرد إدارة المياه داخل مجالها الوطني إلى بناء رؤية استراتيجية تقوم على المعرفة والرصد والاستشراف والدبلوماسية المائية، محذرا من أن الخزانات الجوفية المشتركة، وفي مقدمتها نظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية الكبرى “SASS“، لا تتوقف عند الحدود السياسية، ما يجعل أمنها واستدامتها جزءا من معادلة الأمن الوطني والإقليم كيف تحمي الجزائر موردا مائيا استراتيجيا لا يتوقف عند الحدود السياسية؟وبمعنى اخر كيف تحمي الجزائر خزاناتها المشتركة و إلى أي مدى أصبحت المياه العابرة للحدود جزءا من معادلة الأمن القومي بالنسبة للجزائر، خصوصا في ظل تزايد الضغط على الموارد المائية؟
حاورته :نوال الهواري
الى أي مدى أصبحت المياه العابرة للحدود جزءا من معادلة الأمن القومي بالنسبة للجزائر، خصوصا في ظل تزايد الضغط على الموارد المائية؟
المياه لم تعد قضية تقنية مرتبطة فقط بالإمداد والاستهلاك، بل أصبحت جزءا من منظومة الأمن القومي. بالنسبة للجزائر، تزداد أهمية هذا البعد بسبب اتساع الطلب على المياه، وتأثير التغيرات المناخية، وتراجع معدلات التساقط في مناطق واسعة، وارتفاع كلفة تعبئة الموارد المائية.عندما نتحدث عن المياه الجوفية العابرة للحدود، فإننا نتحدث عن مورد استراتيجي لا يتوقف عند الحدود السياسية للدول. الخزان الجوفي يتحرك داخل منظومة هيدرولوجية واحدة، بينما تتوزع السيادة السياسية على عدة دول.
وهنا تظهر معادلة دقيقة، الجزائر لا تستطيع حماية مورد مشترك من خلال أدوات السيادة داخل أراضيها فقط، وإنما تحتاج إلى معرفة ما يحدث في كامل النظام المائي، ومراقبة معدلات السحب، ونوعية المياه، واتجاهات الاستغلال، والتغيرات المناخية التي تؤثر في تغذية الخزانات. لذلك أرى أن الأمن المائي يجب أن يدخل ضمن مفهوم الأمن الوطني الشامل، إلى جانب الأمن الغذائي والطاقة والأمن البيئي.
كيف يمكن قراءة تقاسم الجزائر وتونس وليبيا لنظام المياه الجوفية للصحراء الشمالية الغربية من منظور جيوسياسي؟
المسألة لا تتعلق بمجرد وجود مورد مائي مشترك بين ثلاث دول، وإنما بوجود منظومة جغرافية وهيدرولوجية تتجاوز الحدود السياسية. وهذا يعطي للمياه بعدا جيوسياسيا واضحا.
المقصود هنا أساسا منظومة المياه الجوفية التي تمتد عبر المجال الجزائري نحو تونس وليبيا. وتكمن أهميتها في أنها تمثل مخزونا مائيا استراتيجيا في منطقة تعاني أصلا من ندرة المياه وارتفاع الطلب عليها.
من المنظور الجيوسياسي، لا ينبغي النظر إلى هذه الموارد باعتبارها ملكية منفصلة لكل دولة، بل باعتبارها نظاما مشتركا يحتاج إلى إدارة منسقة. والقاعدة الأساسية هنا هي أن الحدود السياسية لا تستطيع تقسيم الخزان الجوفي. أي استغلال مكثف في جزء من المنظومة يمكن أن تكون له آثار على الأجزاء الأخرى.وهذا يجعل التعاون الجزائري التونسي الليبي في مجال المياه جزءا من منظومة أوسع للأمن الإقليمي، خصوصا في ظل الظروف المناخية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة.
هل يمكن أن تتحول الموارد المائية المشتركة إلى مصدر توتر إقليمي مستقبلا، أم أن آليات التعاون القائمة قادرة على احتواء هذا الاحتمال؟
الوقاية أهم من إدارة الأزمة بعد وقوعها. الآليات الإقليمية القائمة يمكن أن تشكل قاعدة للتعاون، لكن التحدي المستقبلي يتمثل في الانتقال من تبادل المعلومات إلى بناء منظومة مشتركة للقياس والمراقبة والتقييم والتنبؤ. نحن بحاجة إلى إدارة تجعل الخلافات المائية قابلة للمعالجة قبل أن تتحول إلى خلافات سياسية.
وبالنسبة للجزائر، فإن التعاون لا يعني التنازل عن المصالح الوطنية. بالعكس، التعاون القائم على البيانات والقواعد الواضحة يسمح للجزائر بحماية مصالحها بطريقة أكثر استدامة.
ما الذي تحتاجه الجزائر لتعزيز موقعها في الدبلوماسية المائية وحماية مصالحها في الموارد الجوفية العابرة للحدود؟
الجزائر تحتاج إلى الانتقال من إدارة المياه داخل المجال الوطني إلى بناء قدرة وطنية على إدارة المصالح المائية العابرة للحدود.
وهذا يتطلب أولا امتلاك قاعدة بيانات وطنية متقدمة حول المياه الجوفية، مرتبطة بمنظومة رصد مستمرة تشمل مستوى المياه، ونوعية المياه، ومعدلات الضخ، ومؤشرات التغذية الطبيعية للخزانات.
ثانيا، تحتاج الجزائر إلى تطوير خبرة متخصصة في الدبلوماسية المائية. لأن التفاوض حول المياه الجوفية ليس ملفا تقنيا فقط. إنه يجمع بين القانون الدولي، والهندسة الهيدرولوجية، والاقتصاد، والبيئة، والأمن الإقليمي. ثالثا، يجب تعزيز الدراسات الاستشرافية. السؤال لم يعد فقط كم نملك من المياه اليوم، وإنما ماذا سيحدث للخزانات بعد عشرين أو ثلاثين سنة إذا استمر تغير المناخ وارتفاع الطلب. كما أن الجزائر تمتلك ورقة مهمة تتمثل في موقعها الجغرافي وحجم الموارد الموجودة داخل مجالها الوطني. المطلوب هو تحويل هذه المعطيات إلى قدرة تفاوضية قائمة على العلم والبيانات وليس على الخطاب السياسي وحده.
الحماية تبدأ من المعرفة، لا يمكن حماية خزان جوفي لا نملك صورة دقيقة عن ديناميكيته.
الخطوة الأولى هي إنشاء منظومة جزائرية متقدمة للرصد الهيدرولوجي والجيوفيزيائي، تعتمد على الأقمار الصناعية، ومحطات القياس، والنمذجة الرقمية، والذكاء الاصطناعي.
الخطوة الثانية هي بناء آلية إقليمية للرصد المشترك مع تونس وليبيا، بحيث لا تقتصر المعلومات على مناسيب المياه، وإنما تشمل معدلات السحب والتغذية وجودة المياه.
الخطوة الثالثة هي وضع قواعد واضحة للاستغلال المستدام، خصوصا في المناطق التي تعرف ضغطا متزايدا على المياه.
والخطوة الرابعة هي إدماج الأمن المائي في التخطيط الاستراتيجي للدولة. لأن حماية الخزان الجوفي لا تبدأ عندما تظهر الأزمة، وإنما تبدأ قبلها بعقود.
في ظل تغير المناخ وتزايد الطلب على المياه، هل نحن أمام انتقال من مفهوم إدارة الموارد المائية إلى مفهوم “الأمن المائي الاستراتيجي؟
نعم، هذا الانتقال أصبح ضروريا، إدارة الموارد المائية تعني في جانب منها تأمين العرض وتنظيم الاستهلاك وتطوير المنشآت. أما الأمن المائي الاستراتيجي فيذهب إلى مستوى أوسع. الأمن المائي يعني قدرة الدولة على ضمان حاجاتها المائية الحالية والمستقبلية، وحماية مصادرها، وتقليل تعرضها للمخاطر المناخية والاقتصادية والجيوسياسية، وضمان استمرارية الإمداد في الظروف العادية والأزمات. وهنا تصبح المياه جزءا من منظومة السيادة الوطنية.الدولة التي تضمن أمنها المائي تكون أكثر قدرة على حماية أمنها الغذائي، واستقرارها الاجتماعي، ونشاطها الاقتصادي. ولهذا يجب أن نتعامل مع المياه الجوفية باعتبارها احتياطيا استراتيجيا، وليس مجرد مخزون يمكن استغلاله كلما ارتفع الطلب
برأيك، ما الاستراتيجية التي تحتاجها الجزائر مستقبلا للانتقال من مجرد إدارة مواردها المائية داخل حدودها إلى إدارة أكثر استباقية لمصالحها في الموارد المائية؟
أعتقد أن الجزائر تحتاج إلى بناء استراتيجية للأمن المائي الاستراتيجي تقوم على خمسة مستويات مترابطة.المستوى الأول هو المعرفة. أي بناء منظومة وطنية للبيانات والنمذجة والاستشراف.المستوى الثاني هو الحماية. أي حماية الخزانات من الاستغلال المفرط والتلوث وضمان استدامتها للأجيال القادمة. المستوى الثالث هو الدبلوماسية المائية. أي تطوير قدرة تفاوضية جزائرية متخصصة في الأحواض والأنظمة المائية العابرة للحدود. المستوى الرابع هو التعاون الإقليمي. وهنا يمكن للجزائر أن تدفع نحو تطوير آليات التعاون مع تونس وليبيا من تبادل المعلومات إلى التخطيط المشترك وإدارة المخاطر.أما المستوى الخامس فهو الاستشراف الاستراتيجي.
علينا أن ننتقل من سؤال “كم لدينا من المياه؟” إلى أسئلة أكثر أهمية: كيف ستتغير الموارد؟ كيف سيتغير الطلب؟ أين ستكون مناطق الضغط؟ وما هي التدابير التي يجب اتخاذها قبل ظهور الأزمة؟ وهنا أرى أن الجزائر مطالبة ببناء ما يمكن تسميته “عقيدة للأمن المائي الاستراتيجي”.هذه العقيدة لا تقوم على اعتبار المياه أداة للصراع، وإنما على اعتبارها موردا من موارد السيادة والاستقرار، وعلى حماية المصالح الوطنية من خلال المعرفة والتخطيط والتعاون والقدرة على التفاوض.
إن المعركة الحقيقية حول المياه في المنطقة لن تكون بالضرورة حول امتلاك المورد، وإنما حول القدرة على معرفة وضعه، وإدارته، وحمايته، والتفاوض بشأنه، وضمان استدامته. ومن هذه الزاوية، فإن الأمن المائي بالنسبة للجزائر لم يعد ملفا قطاعيا. إنه جزء من الأمن الوطني ومن التخطيط الاستراتيجي للدولة.

