من 1700 إلى أقل من 500 م³ للفرد في تحذير من تصاعد الإجهاد المائي البروفيسور أحمد كتاب : الأمن المائي في الجزائر يتطلب حوكمة مستدامة وتعزيز الدبلوماسية المائية

*الجزائر أمام معادلة الأمن المائي والسيادة على الموارد

* الموارد المائية الجوفية تقدر بالجزائر بنحو 80 ألف مليار متر مكعب، مقابل ما بين 10 و12 مليار متر مكعب من المياه السطحية      

في ظل تنامي تحديات الإجهاد المائي وتزايد الضغوط على الموارد المائية، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربات جديدة تضمن استدامة هذا المورد الحيوي وتعزز قدرة الجزائر على مواجهة التحولات المستقبلية. وفي هذا السياق يؤكد البروفيسور أحمد كتاب مدير أبحاث بالمدرسة الوطنية المتعددة التقنيات بالجزائر، أن مستقبل الجزائر المائي يمر عبر اعتماد استراتيجية تقوم على التسيير المتكامل والمستدام لمختلف الموارد المائية، بما فيها المياه السطحية والجوفية والموارد المائية غير التقليدية.

حاورته :نوال الهواري

ويشدد البروفيسور كتاب على أن تحديات المياه لا ينبغي النظر إليها من زاوية تقنية أو علمية فحسب، بل تستدعي كذلك تعزيز الحوكمة والسياسات المائية والدبلوماسية المائية، خاصة في ما يتعلق بإدارة الموارد المائية الجوفية المشتركة بين الدول. وفي هذا الإطار، يطرح مستقبل نظام المياه الجوفية في الصحراء الشمالية ضرورة تعزيز التعاون بين الدول الثلاث المعنية، وإرساء آليات مؤسساتية للتشاور والتنسيق بما يضمن استدامة هذا المورد وحمايته للأجيال القادمة.

لتفرض الموارد المائية الجوفية العابرة للحدود نفسها كأحد أبرز الملفات الاستراتيجية التي تواجه الجزائر في ظل تنامي الطلب على المياه، وتوسع النشاط الزراعي في الجنوب، وتزايد الضغوط المناخية والديموغرافية. ويبرز نظام المياه الجوفية في الصحراء الشمالية، المشترك بين الجزائر وتونس وليبيا، باعتباره خزانا مائيا استراتيجيا يتطلب إدارة دقيقة وتنسيقا مستمرا بين الدول الثلاث، خصوصا مع ارتفاع مستويات الاستغلال ومحدودية تجدد جزء من موارده.

وفي هذا السياق، يرى البروفيسور أحمد كتابأن التعامل مع المياه لم يعد يقتصر على مفهوم الأمن المائي، وإنما انتقل إلى مستوى «السيادة المائية»، داعيا إلى اعتماد رؤية متكاملة تجمع بين حماية الموارد الجوفية والسطحية، وتطوير المياه غير التقليدية، وترشيد الاستهلاك، وتعزيز التعاون حول الأحواض والأنظمة المائية المشتركة.

السيادة المائية بدل الأمن المائي

يؤكد البروفيسور أحمد كتاب أن الماء مورد لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه، مشيرا إلى أن أي تكنولوجيا متاحة حاليا لا تسمح بتصنيع المياه أو إنتاج بديل عنها.إذ يعتبر أن أهمية المياه تتجاوز تلبية حاجات السكان إلى ارتباطها المباشر بالزراعة والصناعة والخدمات وتربية الماشية، وبالتالي بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول.

ويرى محدثنا أن الأمن المائي يمثل، بعد أمن الحدود، أولوية استراتيجية، تليه ملفات الأمن الغذائي والأمن الطاقوي والصحة والتكوين والبحث العلمي والتكنولوجي.

ويقول إن مفهوم «السيادة المائية» أصبح أكثر ملاءمة في سنة 2026، بالنظر إلى أن المياه تحولت إلى رهان استراتيجي، وأن الدول مطالبة بالحفاظ على رأسمالها المائي وضمان استدامته.

الإجهاد المائي يضع شمال إفريقيا أمام تحديات متزايدة

وحذر كتاب من تزايد الضغوط على الموارد المائية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، خاصة بفعل توسع النشاط الزراعي والصناعي والنمو السكاني، مشيرا إلى أن بلدان جنوب المتوسط، وفي مقدمتها دول شمال إفريقيا، تعيش وضعية من الإجهاد المائي.

ووفقا للتصنيف الذي أورده، يبدأ التوتر المائي عندما تقل حصة الفرد عن 1700 متر مكعب سنويا، فيما تتراوح حالة الندرة بين 1000 و1700 متر مكعب، وتصبح ندرة عندما تقل الموارد عن 1000 متر مكعب، وندرة مطلقة عندما تنخفض إلى أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويا.

ويؤكد أن الجزائر ليست بمنأى عن هذه الضغوط، ما يفرض، حسبه، الانتقال إلى إدارة أكثر تكاملا واستدامة للموارد المائية.

الزراعة في الجنوب ترفع أهمية إدارة المياه الجوفية

ويربط البروفيسور كتاب بين قضية المياه ومستقبل التنمية الزراعية في الجزائر، مؤكدا أن تحقيق السيادة الزراعية يتطلب موارد مائية قادرة على مواكبة توسع المساحات المسقية.

وأشار إلى أن المساحات المسقية مرشحة لتجاوز مليون هكتار، في ظل الأهداف المتعلقة بتحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات الزراعية. كما لفت إلى أن الجزائر حققت مستويات واسعة من الاكتفاء في مجال الخضر والفواكه، وبدأت في تصدير كميات متزايدة منها.وفي المقابل، يرى أن هذه الديناميكية الزراعية، خصوصا في الجنوب، تفرض ضرورة إدارة المياه الجوفية بطريقة تضمن استمرار المورد وعدم استنزافه.

نظام الصحراء الشمالية.. خزان مشترك بين ثلاث دول

ويحتل نظام المياه الجوفية في الصحراء الشمالية، المعروف اختصارا بـSASS، موقعا محوريا في حديث كتاب عن مستقبل الموارد المائية الجزائرية. وأوضح أن هذا النظام، المشترك بين الجزائر وتونس وليبيا، يمتد على مساحة تقارب مليون كيلومتر مربع، ويضم احتياطات مائية كبيرة، إلا أن جزءا مهما منها يتميز بضعف معدل التجدد، ما يجعل الاستغلال المستدام ضرورة. ويضم النظام، حسبه، طبقتين مائيتين رئيسيتين، هما المركب النهائي «CT» والمتداخل القاري «CI».

وأشار إلى أن استغلال المياه الجوفية عبر الآبار ارتفع خلال العقود الثلاثة الماضية من 0.6 مليار متر مكعب إلى 2.5 مليار متر مكعب سنويا، مع بروز مخاطر مرتبطة بارتفاع الاستغلال، من بينها التداخلات بين الدول، وتملح المياه، وتراجع الارتوازية، ونضوب بعض المخارج الطبيعية.

المركب النهائي والمتداخل القاري.. مكونات خزان استراتيجي

وبحسب محدثنا يمتد المركب النهائي على مساحة تقدر بـ350 ألف كيلومتر مربع، ويتراوح عمقه بين 100 و500 متر، بينما يتميز المتداخل القاري بامتداد أكبر يصل إلى نحو 600 ألف كيلومتر مربع، وبسماكة يمكن أن تبلغ 1000 متر في شمال غرب الصحراء.

وأوضح أن نوعية المياه ليست متجانسة في مختلف مناطق النظام، إذ ترتفع مستويات الملوحة في عدد من المناطق، خصوصا في بعض مناطق ورقلة والوادي وبسكرة، حيث يمكن أن تتجاوز نسبة الأملاح 7 غرامات في اللتر من البقايا الجافة في منطقة وادي ريغ.

من الفقارات إلى الآبار.. الاستغلال تضاعف بشكل لافت

وأشار نائب رئيس أكاديمية المياه بفرنسا.إلى أن استغلال المتداخل القاري بدأ تقليديا بواسطة نظام الفقارات، التي ظل مجموع تدفقها في حدود 3.6 متر مكعب في الثانية إلى غاية سبعينيات القرن الماضي. أما حاليا، فقد بلغ مجموع التدفق المستغل في الدول الثلاث، من خلال نحو 700 فقارة و1200 بئر، حوالي 30 مترا مكعبا في الثانية.

ويرى أن الدراسات التي أنجزت حول النظام المائي المشترك سمحت بتجميع قدر مهم من المعلومات وإرساء ديناميكية للتبادل بين الجزائر وتونس وليبيا، وصولا إلى مسار شبه توافقي بشأن استغلال الموارد واستدامة التنمية في الحوض.

إدارة مشتركة للمياه الجوفية تتجاوز الحدود السياسية

ويشدد البروفيسور كتاب على أن الطبيعة العابرة للحدود لنظام المياه الجوفية في الصحراء الشمالية تفرض إنشاء آليات دائمة للتنسيق والتشاور بين الدول الثلاث.موضحا  أن الشركاء في هذا المجال يتمثلون في الوزارات المكلفة بالموارد المائية، إلى جانب الوكالة الوطنية للموارد المائية في الجزائر، والإدارة العامة للموارد المائية في تونس، والهيئة العامة للمياه في ليبيا. غير أنه أشار إلى أن الدراسات السابقة واجهت حدودا مرتبطة بحجم النموذج والميزانية والمدة الزمنية، ما حال دون إدماج المعطيات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. ودعا في هذا الإطار إلى استكمال الدراسات وإدماج ما يلزم لبناء إدارة متكاملة على مستوى الحوض، إلى جانب إنشاء هيكل دائم للتشاور.

المياه الجوفية.. ثروة استراتيجية غير مرئية

ويستند كتاب في تأكيده على أهمية المياه الجوفية إلى أرقام يعتبرها كاشفة عن حجم هذه الثروة الطبيعية.

فالمياه حسبه  تغطي حوالي 72 بالمائة من سطح الأرض، في حين تمثل المياه المالحة 97.2 بالمائة من إجمالي المياه، مقابل 2.8 بالمائة فقط للمياه العذبة. ومن بين هذه المياه العذبة، يقدر ما هو متاح بسهولة للاستعمال بـ10 بالمائة، وهو ما يعادل، وفق الأرقام التي أوردها، 0.28 بالمائة من إجمالي المياه. كما أشار إلى معطيات قمة الأمم المتحدة حول المياه الجوفية لسنة 2022، التي احتضنتها اليونسكو في باريس تحت شعار «المياه الجوفية: جعل غير المرئي مرئيا»، والتي أشار خلالها إلى أن 99 بالمائة من موارد المياه العذبة هي مياه جوفية مقابل 1 بالمائة للمياه السطحية.

الجزائر تملك رأسمالا مائيا جوفيا كبيرا

وبخصوص الجزائر، يقدر كتاب الموارد المائية الجوفية بنحو 80 ألف مليار متر مكعب، مقابل ما بين 10 و12 مليار متر مكعب من المياه السطحية. كما أشار إلى أن الجزائر تضم 81 سدا، بطاقة تقدر بنحو 8 إلى 9 مليارات متر مكعب، وقال إن نسبة امتلائها تبلغ حاليا حوالي 50 بالمائة. و هذه المعطيات تبرز أهمية عدم حصر السياسة المائية في تعبئة المياه السطحية، وإنما اعتماد رؤية شاملة تشمل المياه الجوفية والمياه غير التقليدية.

المياه العابرة للحدود.. ملف عالمي يفتقر إلى آليات كافية

ويشير كتاب إلى وجود مئات الأنظمة المائية الجوفية العابرة للحدود في العالم، مقابل عدد محدود فقط من الاتفاقيات والمؤسسات المشتركة التي تنظم إدارتها. ويرى أن محدودية الاتفاقيات الخاصة بهذه الموارد تجعل تعزيز التعاون الدولي أمرا ضروريا، محذرا من أن تزايد الضغوط على المياه قد يؤدي مستقبلا إلى ارتفاع التوترات المرتبطة بالموارد المائية إذا لم يتم تطوير آليات فعالة للتعاون وتقاسم المعلومات.

تحلية مياه البحر وحدها لا تكفي

وبالنسبة إلى مواجهة الإجهاد المائي في الجزائر، يطرح ذات المتحدث  حزمة من الإجراءات، تبدأ بتحلية مياه البحر، لكنه يشدد على ضرورة أن تترافق هذه العملية مع إجراءات أخرى مرتبطة بحسن إدارة الموارد.

ويقترح في هذا الإطار تعزيز اقتناء التكنولوجيا وتطوير قدرات المؤسسات الجزائرية، إلى جانب تكوين الكفاءات ودعم البحث العلمي والعمل على تصنيع جزء من تجهيزات محطات التحلية محليا.

تقليص ضياع المياه أولوية قبل البحث عن موارد إضافية

ومن بين المقترحات التي طرحها كتاب تقليص خسائر شبكات توزيع المياه الصالحة للشرب، مشيرا إلى إمكانية الانتقال من نسبة ضياع تقدر حاليا بـ50 بالمائة إلى 10 بالمائة في أفق 2030. كما دعا إلى معالجة المياه الصناعية وإعادة استعمالها، وعدم الاقتصار على معالجة المياه المستعملة المنزلية. وأشار أيضا إلى ضرورة مكافحة توحل السدود، الذي يؤدي، حسب المعطيات التي قدمها، إلى فقدان ما بين 30 و40 مليون متر مكعب من المياه سنويا.

تسعيرة المياه تحتاج إلى مراجعة

واقترح كتاب وضع نظام جديد لتسعيرة المياه يكون عادلا ومنصفا ويشمل المياه الصالحة للشرب ومياه الزراعة والمياه الصناعية. وكشف في هذا السياق عن إعداده دراسة حول تسعيرة المياه في الجزائر، تتضمن، حسبه، مشروعا لنص قانوني في هذا المجال.

مجلس وطني للأمن المائي لرسم رؤية 2050

ومن أبرز المقترحات التي طرحها البروفيسور كتاب إنشاء مجلس وطني لاستراتيجية المياه يضم نحو 50 خبيرا مستقلا، تكون مهمته تحديد الرؤية والاستراتيجية الوطنية للمياه إلى غاية 2050. كما اقترح إنشاء مركز للبحث في المياه وتطوير هياكل للتفكير والتحليل والاستشراف، بهدف دعم صناعة القرار بالمعرفة العلمية والدراسات الاستشرافية.

ويعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رؤية جديدة تقوم على تثمين التجارب الناجحة وإعطاء دفع أكبر لجهود الاقتصاد في المياه وتحسين    إدارتها ورفع مردوديتها.

 اتفاق ثلاثي يفتح الباب أمام تعاون أوسع

وفي ما يتعلق بالتعاون بين الجزائر وتونس وليبيا، أشار كتاب إلى توقيع اتفاقية بين الدول الثلاث بشأن إنشاء آلية للتشاور حول إدارة المياه الجوفية العابرة للحدود، وذلك عقب الاجتماع الذي جاء في أعقاب القمة التي جمعت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون  و رئيس تونس قيس سعيد، وليبيا محمد يونس المنفي، في أبريل 2024.

داعيا في القت ذاته  إلى التعامل مع الموارد المائية المشتركة باعتبارها فرصة لتعزيز التعاون والسلام والتنمية المستدامة، وليس مصدرا للتوتر. وقال إن الموارد المائية موجودة، كما أن الحلول متوفرة، مشيرا إلى امتلاكه خطة عمل ورؤية تمتد إلى أفق 2030 و2050، تتضمن نحو 15 محورا رئيسيا وأكثر من مائة مقترح وإجراء عملي.

واعتبر أن إنشاء مجلس وطني للأمن المائي يمكن أن يوفر إطارا مناسبا لتطوير هذه الرؤية وتحويلها إلى إجراءات عملية، بما يسمح، حسب تصوره، ببناء استراتيجية وطنية بعيدة المدى للمياه.

واختتم كتاب بالتأكيد على الشعار الذي يرافق عمله في مجال المياه منذ أكثر من عقدين: «الماء للجميع، مسؤولية الجميع».

   سيرة

البروفيسور أحمد كتاب مدير أبحاث بالمدرسة الوطنية المتعددة التقنيات بالجزائر، وقد توج بجائزة «Scopus Awards Algérie» في طبعتها الثالثة سنة 2013 في مجال علوم البيئة، كما رشح لجائزة «IWA Global Water Award» التي تمنحها الرابطة الدولية للمياه سنة 2021. ويشغل سبعة مناصب شرفية:

نائب رئيس أكاديمية المياه بفرنسا.

عضو مجلس إدارة المعهد المتوسطي للمياه.

عضو مؤسس للمجلس العربي للمياه.

 عضو في الشراكة الفرنسية للمياه.

منسق مجموعة عمل متوسطية حول المياه.

عضو في اللجان العلمية لعدد من المجلات الدولية المرموقة.

عضو في اللجان العلمية والتنظيمية لعدد من المؤتمرات والملتقيات الدولية.

كما يشغل منصب رئيس تحرير فخري لمجلة ALJEST، ورئيس تحرير مشارك لمجلةLJEE.       

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *